(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
د. إبراهيم علوش
موضة الحديث عن "المدنيين" و"التقدميين" اليهود في فلسطين عادت لتطل برأسها في بعض الأوساط الرسمية والثقافية والإعلامية العربية كجزء من الجهود المسعورة لاحتواء ردة الفعل المتوقعة والضرورية على اغتيال الشيخ أحمد ياسين.
في هذا السياق، لا بد من التذكير بأمثولة بني موريس، أحد من يسمون بالمؤرخين الجدد في "إسرائيل"، وهم غير المؤرخين المراجعين في الغرب الذين يفندون أكذوبة المحرقة اليهودية فيتعرضون لذلك لأقسى معاناة.
بني موريس، كغيره من المؤرخين "الإسرائيليين" الجدد، نال شهرته الدولية كمؤرخ وباحث على توثيقه المفصل لجرائم الحرب التي ارتكبها "جيش الدفاع الإسرائيلي" خلال حرب ال48 وما تلاها مباشرة. كتابه "حروب إسرائيل الحدودية" مثلاً يتناول قتل الفلسطينيين الذين حاولوا العودة إلى منازلهم وقراهم في الخمسينات. ولكن موريس بشكل عام يلتصق بالتفاصيل ويتجنب التعميمات، فهو يصف تلك الأحداث ولا يعلق عليها. وهو ما أعطى كتاباته طابعاً "موضوعياً" ابتلعه الكثيرون من العرب كالطعم فطفقوا يروجون للمؤرخين الجدد، وبناءً عليه "للتقدميين اليهود"، بخفة وسذاجة سياسيين لا نظير لهما.
ولكن سرعان ما كشف موريس الأوراق بنفسه، تماماً كما فعل "اليسار" الذي كان موريس جزءاً تقليدياً منه، فراح يوجه أصابع الاتهام للفلسطينيين خاصة منذ بدء الانتفاضة الثانية. فجاء أوضح ما أتى به المؤرخ الجديد بني موريس في مقابلة له مع صحيفة هآرتز في 9/1/2004 بلغت وقاحة استنتاجاتها حداً استفز حتى رفاقه "اليساريين" الصهاينة. وبالتالي، ظهر واضحاً أن تمسكه بالتفاصيل والوصف على حساب الاستنتاج والتحليل لم يأتِ لأسبابٍ موضوعية، أو لتأسيس منهجٍ جديدٍ في كتابة التاريخ مثلاً، بل لأنه يتعامل مع جرائم الحرب الصهيونية ب"حيادية" و"عقلانية" تليق بمستعمر صهيوني في فلسطين، ولأن ثمة ضرورة لتوثيق الظواهر علمياً بشكل عام، حتى لو تعلق الأمر بانتشار الإيدز أو الجنايات أو تطور الأحزاب السياسية.
المهم، توصل بني موريس في مقابلته مع هآرتز لنتيجة مفادها أن الصهيونية لم يكن لديها خيار عام 1948 إلا ممارسة التطهير العرقي، حيث ذكّر هنا باجتثاث الفرنجة عقب الحملات الصليبية معلناً: "نحن امتداد أوروبا في هذه البقعة من العالم". وهكذا، يتبنى موريس الموقف القائل أن الصهاينة لم يكن لديهم خيار إلا أن يفعلوا ما فعلوه. وهو بذلك لا يبرر الجرائم القديمة فحسب، بل الجرائم الحالية والمستقبلية.
ويشرح موريس موقفه بوضوح لا يقبل اللبس هنا مقارناً ما جرى في فلسطين بما جرى للهنود الحمر في القارة الأمريكية: "الديموقراطية الأمريكية العظيمة ما كان من الممكن تأسيسها لولا إبادة الهنود. هناك حالات يبرر فيها الخير الأعظم ممارسات صعبة وقاسية"! ويضيف موريس بناءً عليه أن الاعتقال والترحيل ثم الإبادة قد تكون خيارات لا بد منها للتعامل مع الفلسطينيين الباقين حالياً في فلسطين!! إذن، كل توثيق موريس "الموضوعي" لجرائم الحرب المرتكبة عام 1948 لم يمنعه من المناداة بالترانسفير اليوم. أوليس طريفاً أمر هؤلاء "التقدميين اليهود"؟!
وبالضرورة، يرتبط موقف موريس هذا برؤية عنصرية مكشوفة تجاه العرب والإسلام، كما ارتبط عند الأوروبيين من قبله في القارة الأمريكية وفي العالم الثالث عامةً. فموريس المؤرخ "الموضوعي" الذي يتجنب التعميمات في كتاباته الأكاديمية لا يتورع عن الترويج لأطروحة صراع الحضارات في مقابلاته وتحليلاته السياسية. وهو يحب التحدث عن ما أسماه ب"مشكلة الإسلام"، و"مرض المجتمع الفلسطيني"، ويصر أن هذا "المرض" لا يرتبط بالنكبة واحتلال فلسطين، لا طبعاً! و"دليله" على ذلك أن الذين تحولوا إلى "انتحاريين" ليسوا أبناء جيل النكبة بل أحفادهم!! إذن، المشكلة تتعلق بالعقلية "العربية" والإسلامية" وليس بالممارسات الصهيونية، وهو نفس الاستنتاج الذي توصل إليه تقرير التنمية البشرية الذي يبرر مشروع "الشرق الأوسط الكبير" كما هو معروف...
في الواقع، يسرف موريس بالحديث عن عقلية العرب بصورة عنصرية واستشراقية، فالاستنتاج أعلاه ليس مبالغاً فيه، حتى أنه لا يتورع عن التجريح بكل ما يتصل بالحياة العربية، إلى درجة أنه يتعرض لليهود الشرقيين أحياناً، ولو كان لا يدعو إلى إبادتهم أو ترحيلهم كما يفعل بالنسبة للفلسطينيين.
الخلاصة، أن المؤرخين الجدد، على هامشيتهم في المجتمع الصهيوني، ليسوا أصدقاء. وسيأتي الحديث في المستقبل عن غير بني موريس منهم ممن لم تتضح معالمه السياسية بالدرجة نفسها.