(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
بين تفكيك يوغوسلافيا وتفكيك الوطن العربي
د. إبراهيم علوش
المتحمسون اليوم لما يسمى "استقلال كوسوفو" عليهم أن ينتبهوا جيداً أن هذا الاستقلال المزعوم ليس في الواقع إلا نفس نموذج التفكيك الذي تفرضه قوى الهيمنة الخارجية على الوطن العربي تحت عنوان "حقوق الأقليات". ومن يتحمس لتشكيل دولة مستقلة (اقرأ: تابعة لأمريكا) من ألبان صربيا ليس له أن يعترض على "استقلال" شمال العراق أو جنوب السودان أو النوبة أو الأقباط في مصر أو... على تفكيك أي قطر عربي إلى دويلات تحت عنوان حقوق الأقليات.
والمعترضون فعلاً على وضع لبنان تحت الوصاية الدولية، أو السودان، أو العراق، لا يمكن أن يوافقوا على وضع إقليم كوسوفو الصربي تحت الوصاية الدولية، أو بشطب سيادة يوغوسلافيا وتفكيك وحدة أراضيها، بذريعة انتهاكات حقوق الإنسان أو الحيوان أو الباذنجان!
والحريصون فعلاً على الوطن والمواطن لا يمكن أن يقبلوا بتفكيك بلادهم، أو بفقدانها للسيادة تحت يافطة "الوصاية الدولية". فالولاء للوطن يبقى قيمة عليا بغض النظر عن الموقف من الحكومة أو النظام الذي يحكمه، لا بل أن المعارضة يفترض أن تنطلق من الحرص على الوطن والمواطن من السياسات الرسمية التي قد تؤذيهما أو تدمرهما.
وقد جاء تفكيك يوغوسلافيا، من منظور الجغرافيا السياسية، جزءاً من إستراتيجية حلف الناتو للتمدد شرقاً بعد انهيار دول المنظومة الاشتراكية. فكان لا بد من تفكيك يوغوسلافيا وإسقاط نظامها كعائق جغرافي سياسي أمام الوصول إلى تخوم روسيا، بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، في محاولة حلف الناتو لاستعادة الحاجز الجغرافي السياسي الأوروبي الشرقي بين روسيا والغرب الذي أنجزه ستالين بعد الحرب العالمية الثانية. وقد نجح الناتو في مسعاه هذا، وبات يعمل على "تزنير" روسيا بالصواريخ، بعد ضمه وهضمه لكثير من الدول الاشتراكية سابقاً في إطار الحلف، ومنها بعض الجمهوريات السوفياتية السابقة، وهو الأمر المستفز بشدة للكرامة القومية الروسية، فضلاً عن كونه يشكل تهديداً مباشراً للقوة العظمى التي بدأت تستفيق من غيبوبتها أخيراً.
في الآن عينه، يلعب الغرب بورقة الأقليات داخل الاتحاد السوفياتي السابق، حيث أن مشروع تفكيك روسيا ما زال قائماً في أذهان المحافظين الجدد بقوة. ويحاول الغرب على هذا الصعيد أن يستغل الإسلام والمسلمين في أوروبا الشرقية ليضرب أكثر من عصفور بحجر واحد. فبعد أن أسهم بتفكيك الاتحاد السوفياتي السابق، تجده اليوم يحاول تفكيك روسيا كما فكك يوغوسلافيا قبلها ليصل إلى تفكيك صربيا نفسها، إلى أن يلتقي النفوذ الأمريكي المتمدد عبر روسيا المنهارة والمفككة مع القواعد العسكرية الأمريكية في كوريا الجنوبية واليابان، لتحيط أذرع الهيمنة الأمريكية بالكرة الأرضية من الشرق والغرب.
لذلك تجد روسيا معارضةً لسابقة انفصال كوسوفو بهذه الحدة، وتجد الولايات المتحدة أكثر تساهلاً بكثير مع بعض التيارات الإسلامية في روسيا وآسيا الوسطى وغيرها مما هي مع بعض نفس التيارات في أفغانستان وباكستان والوطن العربي. كما تحاول الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي اليوم أن يوظفا دعمها لبعض الحركات الانفصالية المنطلقة من أقليات إسلامية في أوروبا الشرقية لتبييض صفحتهما مع العرب والمسلمين فيما يتصل بالعراق والصراع العربي-الصهيوني، تماماً كما استغلتا تفكيك يوغوسلافيا وضربها لتبييض صفحتهما مع العرب والمسلمين بعد ضرب العراق ومحاصرته. وقد وقع كثيرون بهذا الفخ وقتها، وها هم يقعون فيه من جديد عشية إعلان تفكيك صربيا.
ليكن واضحاً تماماً أن الإدانة الواردة أعلاه لتفكيك صربيا تقوم على حساب واقعي للمصلحة الإستراتيجية للأمة العربية، ولا تقوم على تأييد المواقف السياسية للاتحاد السوفياتي السابق في الصراع العربي-الصهيوني مثلاً، وهو الذي اعترف بالكيان الصهيوني وتبنى بعدها وروج بين الأحزاب الشيوعية واليسارية لهراء "التسوية العادلة" مع "إسرائيل"، كما أنها لا تقوم على التغاضي عن حقوق المسلمين في دول أوروبا الشرقية، أو على التسامح مع أي انتهاكات أو مجازر ضدهم أو ضد غيرهم.
لكن لا يجوز أبداً أن يدفعنا هذا للوقوع في أحضان أمريكا، ولا أن نصبح جزءاً من الإستراتيجية الكونية لحلف الناتو لتفكيك كل القوى الدولية المنافسة له، ومنه تأييد الغرب لانفصال التيبت عن الصين مثلاً، وتبني مجلس الشيوخ الأمريكي لقرار يتبنى حقوق المسلمين في الصين!!. ولا بد من التذكير هنا بالآية الكريمة في سورة المائدة التي تقول: "ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى", وهذه الآية تعني حرفياً أن الظلم الواقع علينا لا يبرر الانحراف عن جادة الحق، ومن يتدلل في حضن أمريكا اليوم لا يمكن أبداً أن يكون سائراً على جادة الحق، والشاب الألباني الذي يلوح بالعلم الأمريكي بمناسبة "استقلال كوسوفو"، بدلاً من أن يحرقه لو كان مسلماً حقاً بسبب ما تفعله أمريكا في العراق وفلسطين والسودان وغيره، يجب أن تُطلَق عليه النيران أولاً، ثم يُناقَش بموقفه السياسي. وكما نقول للأقليات عندنا أن مد اليد لقوى الهيمنة الخارجية يفقد تظلماتها أية مشروعية سياسية أو أخلاقية، وأن حقوقها لا يمكن أن تُحفظ إلا في ظل وجود نظام يحفظ حقوق الأغلبية المنزوعة الحقوق أيضاً، كذلك يجب أن نقول بالضبط لمن يمدون يدهم لأمريكا وحلف الناتو من مسلمي أوروبا الشرقية. فهذا لا يجوز، ولا يجوز أن نسمح لحلف الناتو أن يلعب بالإسلام والمسلمين هكذا.
لقد ثبت الآن بدون أدنى ريب، بعد تجربة العدوان على العراق والتجربة "التفاوضية" الرسمية العربية الفاشلة مع العدو الصهيوني، ومشاريع "الإصلاح" و"الشرق أوسطية"، أننا نحن العرب أول من يدفع ثمن اختلال ميزان القوى العالمي لمصلحة الطرف الأمريكي-الصهيوني. وبالرغم من كل التحفظات على الاتحاد السوفياتي السابق، كان العرب أول من دفع فاتورة انهياره. وتدمير يوغوسلافيا لم يكن إلا بروفة لتدمير العراق، والآن علينا أن ندين انفصال كوسوفو عن صربيا إن أردنا أن نحافظ على أية مصداقية عندما ندين مشاريع تفكيك الأقطار العربية.