(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
عودة لعلاقة المِخرقة اليهودية بالصراع العربي-الصهيوني
د. إبراهيم علوش
خلال اليومين الذين انعقد فيهما "مؤتمر المحرقة: رؤية كونية" في طهران في 11 و12/12/2006، نضحت وسائل الإعلام الناطقة بالعربية بمجموعة من الجهالات على لسان خبراء ومتخصصين في تشويه الوعي، خاصة عندما يتعلق الأمر بأي شيء يهودي، ومنها الجهالات الليبرالية التي حاول تمريرها د. عبد الوهاب المسيري في برنامج حديث الساعة على قناة البي بي سي البريطانية يوم 12/12/2006 عن اليهود والمِخرقة.
ومن الحجج السطحية التافهة ضيقة الأفق التي كثيراً ما تسمع عند بحث موضوع "المحرقة اليهودية" الحجة القائلة أن المِخرقة لا علاقة لها بالقضية الفلسطينية، لأن "المحرقة" يفترض أنها وقعت خلال الحرب العالمية الثانية، أما وعد بلفور الذي منح فلسطين لليهود فكان في 2 تشرين الثاني 1917، وبالتالي يستنتج ناقل تلك الحجة المسطحة أن القضية الفلسطينية لا علاقة لها بالمِِخرقة اليهودية!
والواقع أن مثل هذا الكلام يدل على جهل مطبق بماهية المِخرقة ومعناها. وهناك مساقات كاملة حول المِخرقة تدرس في الغرب لطلبة المدارس والجامعات اليوم. فهي أقرب للثقافة والأيديولوجيا منها لحدث تاريخي يرتبط بالحرب العالمية الثانية بالذات. وهي تحظى بهالة من القداسة الدينية، سوى أنها ديانة معاصرة. فالمِخرقة في تاريخ الغرب المعاصر أقرب للحجر الأسود أو لصليب المسيح عند المسلمين أو المسيحيين. وهي لا تمس ولا تناقش ولا تُنقد ولا ترمى حتى بالماء.
ولكن من يبذل بعض المجهود في قراءة أدبيات المِخرقة ونقادها سيجد أن مروجيها لا يتعاملون معها باعتبارها حدثاً بلا تاريخ أو مقدمات. بل تعبر المِخرقة في عرفهم عن تاريخ بشري كامل من اللاسامية، أي أن "المحرقة" ليست إلا تتويجاً لكل لا سامية هذا العالم، من عداء واضطهاد بني آدم لليهود، منذ الرومان والبابليين إلى قضية درايفوس إلى هتلر والمِخرقة، وتتمة المِخرقة الطبيعية بالتالي ما عرف مثلاً باسم مؤامرة الأطباء في بداية الخمسينات في الاتحاد السوفياتي السابق، والعملية الاستشهادية الفلسطينية. فكلها تعبر عن العداء البشري المـتأصل لليهود.
أي أن المِخرقة، بعيداً عن كونها أحد فصول الحرب العالمية الثانية، ترتبط، على ما زعموا، بكراهية العالم الأزلية لليهود، قبل وبعد الحرب العالمية الثانية. ولذلك، يرتبط تأسيس المستعمرات اليهودية الأولى في فلسطين، والهجرات اليهودية الأولى إلى فلسطين – انتبه- في زمن حكم السلطان عبد الحميد، بالحملات ضد اليهود في روسيا وبولندا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين المعروفة باسم البوغرومز Pogroms، ومن هنا يصبح من التسطيح رفض إقامة الصلة بين المِخرقة والقضية الفلسطينية من خلال مقارنة تاريخ وعد بلفور بتاريخ المِخرقة المزعومة!
ومن الحجج الأخرى السطحية التافهة ضيقة الأفق التي كثيراً ما تسمع عند بحث موضوع "المحرقة اليهودية" الحجة القائلة أن المحرقة التي يرتكبها اليهود في فلسطين، أو التي ترتكبها الولايات المتحدة بالعرب والمسلمين وشعوب العالم الثالث، الخ... تعادل أو تفوق أو لا تقل خطورةً عن "المحرقة اليهودية"! والتتمة المملة لهذه المقاربة السطحية تكون عادة: فلماذا المقياس المزدوج أو الكيل بمكيالين وإلى ما هنالك؟
ومرة أخرى، تكمن المشكلة في مثل هذه المقارنات السطحية، التي لا تؤذي العدو بشيء بالتالي، أن قائلها يظن أن "المحرقة اليهودية" مذبحة أو مجزرة مثل غيرها يمكن أن يكون البشر قد تعرضوا لها عبر التاريخ، دون أن يفطن أن أيديولوجيا المِخرقة التي تتبوأ مكانة خاصة في الثقافة الغربية، وعبرها في الثقافة الكونية من خلال العولمة الثقافية، تقدم المِخرقة باعتبارها المذبحة.. المجزرة... الكارثة (بأل التعريف دوماً) الأولى في التاريخ، فهي أم المجازر كلها من ثلاث نواحٍ محددة ترقى من خلالها فوق كل ما عداها، ومنها المعاناة الفلسطينية أو العراقية وغيرها. فهي الأكثر تميزاً، حسب زعمهم دوماً، في: 1) طريقة تنفيذها (غرف الغاز المختلقة)، 2) نسبة الذين أبيدوا فيها من مجموع السكان المستهدفين، أي من اليهود، و3) كونها نتيجة سياسة إبادة جماعية.
فمجرد أن نقبل بفكرة إبادة بضعة ملايين من اليهود في غرف غاز مزعومة، وهو ما يشكل نسبة عالية من مجموع اليهود في العالم، نتيجة قرار نازي بإبادة اليهود منهجياً، تصبح القضية الفلسطينية أو العراقية برمتها أشبه بمشادة كلامية بين الجارات في فيلم مصري أبيض وأسود، ويضحك الغربيون واليهود في سرهم من غبائنا كثيراً عندما نتبع طريق مقارنة القضية الفلسطينية بالمِخرقة اليهودية، ففي الأرقام، ضحايا اليهود المزعومين بالملايين، وضحايانا بعشرات أو بمئات الآلاف، وفي الطريقة، هم يدعون الموت الفريد من نوعه في غرف غاز، غير موت البشر العادي بالرصاص والقنابل والتعذيب وما شابه، وفي النسب المئوية، هم يجعلون نسب ضحاياهم في المِخرقة نصف عدد اليهود تقريباً، ويذكروننا بضآلة نسب ضحايانا وتزايدنا السكاني الكبير بهذا الغرض بالذات...
ولهذا كله لا يمكن أن نقارن المِخرقة، لو قبلنا بأساطيرها، بأي شيء أخر، وتصغر القضية الفلسطينية بالذات أمامها.
ولهذا كله لا مفر من تحطيم أيديولوجيا الهيمنة اليهودية: المِخرقة، وتفكيكها علمياً وسياسياً وثقافياً، وهو ما يفعله العلماء المراجعون الذين يتعرضون لأعظم اضطهاد في الغرب!
فأهلاً وسهلاً يا كرام...