(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
فيلم Cloverfield:
تأصيل غريزي ل"الحرب على الإرهاب" في اللاوعي الغربي
الفيلم يمثل موقفاً رافضاً لمجرد فهم أو إدراك أسباب ظاهرة ما يسمى "الإرهاب الإسلامي أو العربي"
http://www.alarabalyawm.net/uploads/w17_new36.pdf
العرب اليوم، 9/3/2008
د. إبراهيم علوش
فيلم كلوفرفيلد Cloverfield، أو "حقل البرسيم" بالعربية، أثار الضوضاء قبل أمدٍ من عرضه رسمياً في الولايات المتحدة في 18/1/2008، بفضل حملة ترويج علمية له تعرف في علم التسويق باسم Viral Adervtising، أو "الإعلان الفيروسي"، وهي تقنية في تسويق المنتجات والترويج لها تقوم على اختراق الشبكات الاجتماعية بين الناس، من خلال التوجه بإعلانات تستهدف العناصر القيادية أو المحركة فيها بالذات، من أجل تحويل العلاقات الاجتماعية نفسها إلى قنوات للترويج المجاني للسلعة أو الخدمة المطلوب تسويقها. وقد تم نشر خبر مصور قصير بدون عنوان عن فيلم "كلوفر فيلد"، في أماكن شتى غير متوقعة، على النت وغيره، لإثارة الاهتمام به ودفع الناس للتحدث عنه لبعضهم البعض. وأبقيت تفاصيله طي الكتمان، مما زاد من الاهتمام به، فلما أطلق رسمياً في 18/1/2008، صار كل رواد الأفلام معنيين بمشاهدته.
ومثل هذه المكائد التسويقية لا يمكن إلا أن يتفتق عنه عقل يهودي مثل عقل المنتج جي جي أبرامز J. J. Abrams، الذي قال أن فكرة الفيلم تبلورت لديه وهو يزور مع ابنه متجراً للألعاب في اليابان حيث رأى مجسمات لوحوش ففكر، على حد قوله: "نحتاج لوحشٍ أمريكي حقيقي خاص بنا". وهكذا يتبلور الفيلم حول وحش كبير جداً، يشبه سحلية عملاقة، يهاجم منطقة منهاتن في نيويورك، وهي واحدة من خمس مناطق تتألف منها نيويورك، وأغناها، وهي العاصمة الاقتصادية للولايات المتحدة فعلياً حيث يقع شارع وول (بورصة نيويورك)، وبرجي التجارة العالميين سابقاً، وبعض أقدم ناطحات السحاب، مثل الإمبير ستيت بيلدنغ Empire State Building.
وأهمية ناطحة السحاب هذه بالذات، التي تتعرض للتدمير في الفيلم، أنها بقيت أطول مبنى في أمريكا والعالم حتى تشييد مركز التجارة العالمي عام 1972. وبعد تدمير الأخير في 11/9/2001، عادت الإمبير ستايت بلدينغ كأعلى مبنى في العالم. وقد لا تحتفظ بهذا المركز طويلاً حيث يتوقع أن يعلو عليها "برج دبي" كأطول مبنى في العالم عام 2009.
المهم، أثار سؤال "من أين أتي الوحش يا ترى؟" بعض الجدال بين النقاد، والوحش عبارة عن سحلية عملاقة تشبه حيوان ما قبل تاريخي، لا نعرف أبداً من أين أتى... ولعل هذه النقطة بالذات كانت مقصودةً بمعنى أن الوحش ما قبل التاريخي الذي يهاجم قلب الحضارة الرأسمالية الغربية بكل هذه الضراوة، ليلتهم الناس والحجارة، ويمتص الرصاص والقنابل والقذائف كأنها قطعٌ من الشكولاتة، ليس من مبرر على الإطلاق لوجوده، فهو بهذا المعنى كيان لا تاريخي، ليس خارج التاريخ، بل ليس وجوده مبرراً في هذا الزمان والمكان، في قلب حضارة الحرية الفردية والرأسمال.
ولكن يا إلهي كم كان معبراً مشهد الرأس المقطوع، لتمثال الحرية الأمريكي، رمز نمط الحياة الأمريكية! حتى أن الملصق الرسمي للفيلم يظهر تمثال الحرية الأمريكي، وهو يحمل مشعل الحرية، مقطوع الرأس. وهي "صدفة أخرى" مشحونة بالمعنى السياسي. فأمريكا ترى نفسها حامل مشعل الحرية في العالم، وترى تمثال Lady Liberty، أو "السيدة حاملة مشعل الحرية" رمز نمط الحياة الأمريكية التي كان ينشدها المهاجرون عندما كانت تقف بهم سفنهم في جزيرة أليس، ليروا أمامهم تمثال الحرية المنصوب عن بعد في جزيرة الحرية قبالة نيويورك. فصورة جسد تمثال الحرية بلا رأس محسوبة لاستفزاز الأمريكيين العاديين، ولتحريضهم على الوحش ما قبل التاريخي. ومع أن فيلماً سينمائياً أخر، بعنوان "الهروب من نيويورك"، ظهر عام 1981 يظهر رأس تمثال مقطوعاً، فإن فيلم "كلوفر فيلد"، فضلاً عن أنه يأتي في سياق سياسي أخر، سياق "الحرب ضد الإرهاب"، فإن قصته تدور حول إصرار مجموعة من الشباب العاديين على الصمود في نيويورك، بالرغم من وجود الوحش المدمر. فالإثارة هنا ليست عشوائية أو بلا مغزى.
وقد نجحت الحملة الترويجية بجدارة، وحقق الفيلم الذي بلغت موازنته ثلاثين مليون دولار، حوالي 154 مليون دولار من العائدات في الأسابيع الأولى من افتتاحه، أكثر من نصفها في الولايات المتحدة نفسها.
والفيلم يصنف ضمن فئة "الخيال العلمي"، وتكمن عبقرية الفيلم الشريرة في قدرته على التقاط المتفرج في شباك حبكة روائية لا معقولة ليدندن على أوتار غريزة الخوف في أعمق أعماق اللاوعي، وليوظفها تالياً في تعبئة الأمريكيين في "الحرب على الإرهاب" بدون أي خطاب سياسي مباشر، أو أي خطاب سياسي على الإطلاق في الواقع. فهذا مشروع تجهيل، وليس مشروع توعية أو تنوير، وهو يمثل موقفاً رافضاً لمجرد فهم أو إدراك أسباب ظاهرة ما يسمى "الإرهاب الإسلامي أو العربي"، أو دور السياسات الأمريكية في نشوئه وتصاعده...
أما كيف تمكن فريق الفيلم من تحويل حبكة غير واقعية إلى قصة واقعية تجتذب المشاهد العادي، فعن طريق استخدام تقنيات تشعر المتفرج منذ بداية الفيلم بأنه جزء من الحياة العادية لشخوصه الشباب العاديين جداً. والفيلم تم تصويره بالكامل من خلال كاميرا فيديو، ويبلغ طوله طول شريط التسجيل العادي للكام كوردر، ويفترض أنها نفس الكاميرا التي استخدامها أبطال الفيلم لتصوير الأحداث التي وقعت لهم، أولاً في حفل وداع لصديقهم الذاهب إلى اليابان، وتالياً فيما كان يجري لهم خلال تعرض نيويورك للهجوم من قبل الوحش الإرهابي في خضم احتفالهم ومتابعتهم لحياتهم العادية.
ومن الجدير بالذكر هنا أن الفيلم لا يحتوي أية شخصية مشهورة أو أي ممثل معروف جداً، فالمقصود كان عدم سيطرة ممثل أو ممثلة على الشاشة، ومسح النجومية من الشاشة، ليبقى المشاهد قريباً من الماثلين أمامه. ويلاحظ بأن التصوير كان يعطي انطباعاً بالواقعية، مثلاً بالطريقة التي تقفز بها الشاشة إلى أعلى وأسفل خلال الجري، لأن الكاميرا مع الذي يجري، وليست ثابتة وبعيدةً عنه كما هي عادة، فالتصوير بهذه الطريقة لا يتيح للمتفرج أن يضع مسافة بينه وبين أبطال الفيلم.
وطبعاً بما أن التصوير يجري من خلال كاميرا يد عادية، يمتلكها أي إنسان، لا توجد موسيقى تصويرية مرافقة للفيلم أبداً، باستثناء زئير السحلية العملاقة بين الفينة والأخرى، والأصوات العجيبة التي تصدرها، وأصوات الأسلحة التي يستخدمها الجيش الأمريكي في مقاومة السحلية القادمة من عفن التاريخ إلى التاريخ.
وتسقط السحلية منها خلال اجتياحها لنيويورك عشرات العناكب الشرسة يبلغ حجم الواحدة منها حجم الكلب الكبير، لتتسلسل إلى أنفاق وعمارات المدينة كأنها خلايا نائمة، منتشرة في كل مكان تحت الأرض وفي الزوايا المظلمة، لتهاجم الآمنين بدورها وتحدث الخراب، ويقوم أبطال الفيلم، العاديون جداً، بالاشتباك مع عدد من هذه العناكب، ليقتلون منها عدداً ويقتلون... وفي النهاية، لا يجد الجيش الأمريكي خياراً للقضاء على الوحش إلا بتدمير منهاتن بالكامل، من خلال إلقاء أقوى قنبلة تقليدية ما دون نووية في حوزته عليها، تعرف باسم "أم القنابل"، وقد تم اختبارها رسمياً في آذار / مارس 2003، قبل العدوان على العراق بأيام، وتبلغ القوة التفجيرية للواحدة منها أحد عشر طناً من المتفجرات، وهي كفيلة بمسح عدة أحياء متجاورة عن وجه الأرض، ويفترض أنها استخدمت في معركة المطار في بغداد. ومنذ ذلك الحين قالت روسيا أنها أنتجت قنبلة أكبر أطلقت عليها أسم "أبو القنابل"!! ولاحظ هنا كيف يقدم الفيلم مبرراً لاستخدام قنابل من هذا النوع لمسح أحياء سكنية بأكملها من الوجود بذريعة مكافحة الإرهاب، وكيف يعود المشاهد على مشروعية هذا الأمر!
أخيراً، طرح بعض النقاد تساؤلاً عن مغزى تسمية الفيلم "كلوفر فيلد" ، أو حقل البرسيم، مع أن الفيلم لا يوجد فيه أي حقل من أي نوع، لا من البرسيم ولا غيره. وقد افترض البعض أن سبب تلك التسمية يعود ربما لتحول منهاتن إلى حقل من البرسيم بعد تدميرها. ولكن الأرجح، أن سبب تسمية الفيلم هكذا يعود لكون الوحش كان يمتلك ثلاثة أصابع فقط في كل من قدميه، تماماً مثل ورقة نبتة البرسيم، وبالتالي، كانت تظهر آثار أقدامه في كل مكان من منهاتن، كأنه يدوسها دوساً، مما حولها إلى ما يشبه حقل البرسيم!