(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


*****

ما هي ضريبة المبيعات؟

 

د. إبراهيم علوش

أخذت الحكومة عشرين ديناراً من زيد الذي يبلغ راتبه 200 دينار، وخمسين ديناراً من عمرو الذي يبلغ دخله ألف دينار.  قد يبدو للوهلة الأولى هنا أن عمرو دفع ضريبة أكبر من التي دفعها زيد، ولكن العكس، في الواقع، هو الصحيح.  فضريبة زيد تشكل عشرة بالمئة من راتبه، أما ضريبة عمرو فلا تشكل إلا خمسة بالمئة، مع أن دخل زيد أقل من دخل عمرو بعدة أضعاف.  وهذا النوع من الأنظمة الضريبية التي يدفع فيها أصحاب الدخول المحدودة نسبة ضريبية أكبر من دخلهم من النسبة التي يدفعها أصحاب الدخول المرتفعة يسميه الاقتصاديون الضريبة التناقصية.

 

الضريبة التناقصية نقيض الضريبة التصاعدية بالطبع، وهناك أيضاً الضريبة النسبية التي يدفع فيها المرء نسبة مئوية ثابتة من دخله بغض النظر.  والضريبة التناقصية لها أنصارها مع أن المعسكرين الرئيسيين تاريخياً في الغرب كانا معسكر الضريبة التصاعدية انطلاقاً من مبدأ العدالة الاجتماعية، ومعسكر الضريبة النسبية انطلاقاً من مبدأ عدم معاقبة المستثمرين الناجحين، وهو توجه ممثلي الرأسمالية الحديثة منذ آدم سميث.  أما جماعة الضريبة التناقصية فقد كان ينظر لها دوماً باعتبارها تمثل أقلية "مشعوطة" من عتاة الرأسماليين الغربيين، كانت تقول أن اقتطاع نسبة مئوية أكبر من دخل الفقراء سوف يزيد حوافز العمل والاستثمار، حسب زعمهم، لأن الناس سيكافحون حينئذ لكي لا يكونوا من الشرائح الأدنى دخلاً لكي لا يدفعوا نسبة ضريبية أعلى.  بالمقابل، من الواضح أن تطبيق نظام الضريبة التناقصية سوف يزيد الهوة ما بين فئات الشعب ويفاقم من العوز والتفكك الاجتماعي، ومن القوة الشرائية في المجتمع حسب الكينزيين.

 

ويعتبر الاقتصاديون عامةً ضريبة المبيعات النموذج الصارخ للضريبة التناقصية.  ذلك أن أصحاب الدخول المحدودة يستهلكون نسبة أكبر من دخلهم بالتعريف لسد حاجاتهم الأساسية، بينما يدخر أصحاب الدخول المرتفعة نسبة أكبر من دخلهم، وضريبة المبيعات تدفع فقط عند الاستهلاك، ولذلك تشكل نسبة أكبر من دخول أصحاب الدخول المحدودة. 

 

هذا يعني مثلاً أن زيادة ضريبة المبيعات في الأردن من سبعة بالمئة عام 1994 إلى 16 بالمئة عام 2004 حالة نموذجية لنظام الضريبة التناقصية، أي الضريبة على الفقراء أولاً.  وتشكل ضريبة المبيعات عام 2005 حوالي 61 بالمئة من الإيرادات الضريبية للدولة الأردنية، بالإضافة لسبعة بالمئة من الإيرادات الضريبية من الرسوم المختلفة الأقرب بطبيعتها لضريبة المبيعات.

 

بالمقارنة، تحصل الدول الرأسمالية الغربية على معظم إيراداتها من ضريبة الدخل، لا المبيعات.  نظام ضريبة الدخل في الولايات المتحدة مثلاً تصاعدي إلى نقطة معينة، ثم يعود ليصبح تناقصياً عند كبار الرأسماليين في أمريكا الذين يستطيعون من خلال استئجار جيوش المحاسبين والمحامين أن يجدوا ثغرات كافية في النظام الضريبي تمكنهم من دفع نسبة مئوية أقل من الشرائح العليا للطبقة الوسطى تبقى بالرغم من ذلك نسبة ضريبية أكبر مما تدفعه الشرائح الدنيا المعفية من ضريبة الدخل تماماً دون مستوى معين.

 

بالمقابل، نجد إيرادات الدولة الأردنية من ضريبة الدخل وقد تراجعت من حوالي أربعين إلى خمسٍ وعشرين بالمئة في المتوسط، من مجموع الإيرادات الضريبية.  والضريبة على الدخل، ولو كانت نسبية، تؤخذ قبل الاستهلاك، وليس وقت الاستهلاك كما في ضريبة المبيعات، ولذلك فهي أقل نهشاً للمستوى المعيشي لأصحاب الدخل المحدود.

 

ونضيف أن التوجه العالمي اليوم نحو إزالة العوائق الجمركية وغير الجمركية أمام حركة السلع والخدمات، وما يعنيه ذلك بالضرورة من تخفيض للرسوم الجمركية، يفرض على الدول المنضوية في منظمة التجارة العالمية أن تفكر ببدائل لعائداتها الضريبية، مثلاً من خلال زيادة ضريبة المبيعات.  فضريبة المبيعات هنا ليست فقط معادية للفقراء، بل متحيزة للمصدِّر الأجنبي على حساب المواطن والمقيم.

 

وفي نفس السياق يأتي رفع الدعم عن المحروقات بينما يدعم دافع الضرائب الأردني بنزين الطائرات الذي تشتريه شركات الطيران الأجنبية عندنا بسعر أدنى بكثير من السعر العالمي، والفاتورة: عشرات الملايين من الدنانير... لماذا؟!