(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


 

اللجنة الشعبية لمقاطعة انتخابات الكنيست في فلسطين العربية المحتلة عام 1948:

لا مشروعية لانتخابات في ظل احتلال

 

د. إبراهيم علوش

 

بين العام والخاص، كثيراً ما تجد المواطن في هذه الأمة ممزقاً ما بين ضرورات حياة الأمة وضرورات حياته الشخصية.  فالمواطن المحتاج إلى عمل أو دخل أو علاج أو منحة دراسية أو غيره، والبلدة أو الحي المحتاجان إلى طريق معبدة أو موازنة للخدمات أو مدرسة أو مستوصف وما شابه، كثيراً ما ينتهيان إلى التعاطي مع قوى وجهات ظالمة أو معادية، وبشروطها، فتجد نفسك هنا متبرماً خلف الثوابت المبدئية، ولكن غير قادر على حل المشكلة عن طريق إعطاء المواطن بياناً يطعمه لأولاده، أو خطاباً وطنياً ليحلي به كأس الشاي، أو كتاباً عن المقاومة ليسكن في طياته، وتجد نفسك أحياناً إزاء انتهازيين يستغلون ظرف الاحتلال، أو ظرف احتكار السلطة والثروة من قبل المستكبرين في الأرض، ليبرروا سلوكهم الساقط وتذيلهم، ولكنك تجد نفسك أيضاً، في أحيان أخرى، أمام مشاكل معيشية أو يومية حقيقية لا يمكن حلها في ظل غياب مشروع وطني للتنمية والعدالة الاجتماعية، وغياب معارضة حقيقية يمكن على الأقل أن توقف بعض تجاوزات المحتلين والطغاة. 

 

وفي مثل تلك الظروف، ظروف غياب حركة تنتج الأمل بحل جذري قريب لأزمة الوطن والمواطن، تزدهر الدعوات لتحسين شروط الواقع من داخله عن طريق "النضال" ضمن الأطر القائمة، فتنشأ شريحة كاملة متعيشة على الانتهازية السياسية تقدم للمواطن وعد "إصلاح" الاحتلال أو الطغيان عن طريق الاندماج في مؤسساته ومشروعه السياسي، فتجني تلك الشريحة الطفيلية مكاسب كبيرة لنفسها فيما تبيع السراب للمواطن مع بعض فتات، وتسمسر على القضية الوطنية بالجملة والمفرق حسب التخصصات، وتسم أية دعوة جدية لتغيير الواقع جذرياً والانقلاب عليه بأنها "عدمية" أو "غير واقعية" أو "متطرفة".

 

في مثل تلك الظروف، تصبح تعرية التيار الانتهازي الذي بات قناعاً أخر للواقع الظالم مهمة لا تقل أهمية عن الثورة على ذلك الواقع، لا بل مقدمة ضرورية للتغيير الحقيقي.  وبسبب تلك الظروف بالضبط، ظروف الاحتلال والتمييز العنصري والتهميش، نشأت اللجنة الشعبية لمقاطعة انتخابات الكنيست التي يفترض أن تجري في 28/3/2006.  وتنطلق هذه اللجنة من منطلقات سياسية متعددة، فهي تمثل تياراً عريضاً لا تنظيماً أو حزباً، ولكنها تركز جهدها في المحصلة على إقناع الفلسطينيين العرب في الأراضي المحتلة عام 1948 بمقاطعة الانتخابات الصهيونية، وتعمل بالتالي على كشف انتهازية القوى والشخصيات العاملة على صهينة القواعد الشعبية الفلسطينية من خلال زجها في أتون المشاركة في النظام السياسي الصهيوني. 

 

وتأتي هذه السطور كمساهمة متواضعة لتعريف القارئ بتيار مقاطعة الانتخابات الصهيونية في فلسطين العربية المحتلة عام 1948، وهو تيارٌ شعبي كبير بالمناسبة، خاصة أن وسائل الإعلام الناطقة بالعربية تتجاهله لتروج لعملية "الأسرلة" من خلال التركيز على المشاركة العربية تصويتاً وترشيحاً في انتخابات الكنيست، أعلى هيئة في النظام الصهيوني القائم عنوةً على الأرض العربية الفلسطينية.

 

وعندما نقول أن تيار مقاطعة النظام الصهيوني سياسياً تيارٌ شعبيٌ كبيرٌ فإننا لا نلقي الكلمات هباءً أو عشوائياً.  ففي الانتخابات الصهيونية السابقة قاطع حوالي أربعين بالمئة من المواطنين العرب الفلسطينيين الذين يحق لهم التصويت انتخابات الكنيست عام 2003، وقد تصاعدت حركة المقاطعة بين فلسطينيي ال48 لانتخابات رئاسة الوزراء عام 2001 بعد المجزرة التي ارتكبها فيهم إيهود باراك، رئيس الوزراء الصهيوني وقتها، بعدما خرجوا بمئات الآلاف تضامناً مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية في الضفة وغزة، مخلفاً بينهم أربعة عشر شهيداً ومئات الجرحى. 

 

وحسب استطلاع للرأي نشرته صحيفة هآرتس الصهيونية يوم الأربعاء الموافق في 1/3/2006، قد يقاطع انتخابات الكنيست السابع عشر في 28/3/2006 حوالي نصف المواطنين العرب الذين يحق لهم التصويت.  وحسب نتائج ذلك الاستطلاع، فإن 46 بالمئة من المواطنين العرب المستطلعين قالوا أنهم لا ينوون التصويت أو أنهم لا يعرفون بعد ما إذا كانوا سيدلون بأصواتهم. 

 

وتسعى اللجنة الشعبية لمقاطعة انتخابات الكنيست، كهدف مرحلي، إلى إيصال نسبة المقاطعة إلى خمسين بالمئة.  إذن نحن لا نتحدث هنا عن أقلية هامشية أو "متطرفة" بل عن تيار شعبي حقيقي يتبنى مقاطعة النظام الصهيوني كمنهج للمقاومة، سواء لدوافع مبدئية أو سياسية.  وكانت عشرات الشخصيات السياسية والاجتماعية العربية في فلسطين العربية المحتلة عام 1948 قد عقدت سلسلة من اللقاءات منذ بداية عام 2006 لتشكيل لجنة تعمل على إقناع المواطنين بالمقاطعة، وقد توجت تلك اللقاءات بالإعلان عن اللجنة الشعبية لمقاطعة انتخابات الكنيست التي كلفت بمهمة التنسيق ووضع إستراتيجية للمقاطعة، وتقود اللجنة الشعبية للمقاطعة لجنة تنفيذية يشرف على عملها اليومي، الجماهيري والإعلامي، طاقمٌ قيادي يتألف حسب البيان الصادر عن لجنة المقاطعة في 14/2/2006 من واكيم واكيم ود. أسعد غانم ورجا إغبارية.

 

وتحظى حركة المقاطعة بدعم من عددٍ كبيرٍ من الشخصيات الوطنية والأكاديمية والكتاب والناشطين السياسيين الذين يشكلون جزءاً من اللجنة الشعبية للمقاطعة، ومنهم المخرج السينمائي نزار حسن والناشطة راوية الشنطي ورجاء العمري والكاتب المتميز أحمد حسين.  ويقول د. اسعد غانم من الطاقم القيادي للجنة الشعبية للمقاطعة أن المقاطعة تنطلق من دوافع مختلفة.  فهناك من يقاطع انطلاقاً من دافع مبدئي هو رفض المشاركة بالنظام الصهيوني وعدم الاعتراف بمشروعيته، وهو موقف حركة أبناء البلد، ومن المعروف أن الأمين العام لحركة أبناء البلد محمد أسعد كناعنة (أبو أسعد) موجودٌ بالسجن منذ بضعة سنوات، وهناك من يقاطع لأسباب سياسية، لعدم رضاه عن أداء القيادات العربية بمجملها، وهناك المواطنين الذين لا يؤمنون بجدوى العمل البرلماني.  ويقول د. اسعد غانم أن حصيلة هذه المواقف الثلاث هي الحركة الشعبية لمقاطعة الانتخابات.

 

وليس توجه المقاطعة توجهاً عدمياً لا يأخذ بعين الاعتبار حاجات الناس، كما يزعم البعض، بل تطرح المقاطعة من قبل اللجنة الشعبية كجزء من برنامج يدعو لتطوير بديل وطني "لتنظيم مجتمعنا داخلياً وخارجياً"، فالمقاطعة هنا تعني وضع قرار الناس بأيدي الناس عن طريق خلق أطر بديلة محلية عوضاً عن إلحاقهم بمؤسسات الاحتلال. 

 

كما أن المقاطعة تمثل هنا فعلاً إيجابياً لأن تتمتها السياسية كما يقول أنصارها هو العمل الجماهيري المقاوم للاحتلال.  ونقلاً عن الصنارة في 13/1/2006، يؤكد المقاطعون أن هناك ضرورة لانتخاب هيئات عربية من أجل النضال الشعبي، وليس للنضال من داخل الكنيست.  ويضيف تقرير أخر نقلاً عن أحد المقاطعين أن الذين يدعون الناس للمشاركة في انتخابات الكنيست يسعون وراء رزقهم فحسب!

 

ويلاحظ من الأدب السياسي في فلسطين العربية المحتلة عام 1948 أن تعبير "الجماهير العربية" يستخدم هناك على نطاقٍ واسع ودون ابتذال في الوقت الذي فقد هذا التعبير الكثير من قوته في الشارع العربي.  فالحديث يدور حول مشاركة أو مقاطعة الجماهير العربية للانتخابات الصهيونية... المهم أن الأسباب تتعدد، ولكنها تجتمع على المقاطعة، سواء عبر الأحزاب العربية أو الصهيونية الساعية للحصول على الأصوات العربية. 

 

فحسب بيان للجنة الشعبية لمقاطعة الانتخابات، يأتي الدافع الوطني المبدئي في المقدمة، باعتبار الكنيست هو المؤسسة "الإسرائيلية" الأعلى والتصويت لها دعمٌ لشرعيتها، وهي الممثلة للدولة التي أقيمت على أنقاض شعبنا والتي لا تزال تمارس القمع والاضطهاد اليومي ضد أبنائه.

 

ويذكر هنا بالطبع أن كل من ينتخب للكنيست عليه أولاً أن يقسم يمين الولاء لتلك الدولة!  وهدفنا في النهاية ليس الحصول على حقوق أقلية على أراضينا، بل الحفاظ على عروبة تلك الأرض في الوقت الذي تتعرض فيه لعمليات التهويد المستمرة.  والمشاركة في النظام الصهيوني اعتراف بمشروعية ذلك النظام وتقدم له قناعاً "ديموقراطياً" أمام العالم. 

 

ولكن الاعتبار المبدئي لا يقف وحده، فقد تعلمت الجماهير العربية في الأراضي المحتلة أن المشاركة في الكنيست لا تفيد بشيء حتى من المنظور السياسي العملي.  فالنواب العرب في الكنيست يتحولون إلى معارضة صورية لا تملك القدرة على التأثير في القرار، ويقفون بالتالي كشواهد زور على السياسات التي تمرر من خلال الكنيست.

 

ويضيف بيان اللجنة الشعبية أن المواطنين عامةً وصلوا بالتالي إلى قناعة تفيد بعدم جدوى المشاركة، وبفشل تجربة التأثير والسعي لتحصيل الحقوق القومية والسياسية واليومية من خلال الكنيست.  أما الأحزاب العربية والشخصيات العربية المشاركة في الكنيست فقد باتت أسيرة حاجتها للبقاء في الميدان البرلماني "مقابل تنازلها عن التصعيد النضالي المناسب والمتكافئ للهجمة الصهيونية". 

 

باختصار، طريق "إصلاح" الاحتلال والطغيان طريق مسدود، ومن يشترِ هذا الوهم يجد نفسه عاجلاً أو آجلاً وقد عاد بخفي حنين، إلا إذا كان من النواب والأحزاب التي حصلت على الامتيازات السياسية والشخصية لنفسها من خلال تسويق هذا الوهم.  فالاحتلال والطغيان لا يمكن إصلاحهما، بل لا بد من مقاومتهما وتغييرهما بكل الوسائل حتى لو لم تمر بسهولة من خرم إبرة "الشرعية الدولية" مثلاً!

 

ويقول المقاطعون أن إيصال صوتنا للعالم في عصر الإنترنت والفضائيات ممكنٌ دون التذرع بهذه الحجة للدخول للكنيست.  وبالفعل، وجدت على موقع اللجنة الشعبية لمقاطعة الانتخابات مجموعة من المقابلات مع فلسطينيين عرب من المواطنين الداعين للمقاطعة، وأقتطف هنا بعضاً مما جاء فيها لنقل المشاعر في الشارع في ال48 تجاه قضية المقاطعة بدون "فلتر"، خاصة ليراها الداعون للمشاركة في الانتخابات في ظل الاحتلال في أماكن أخرى غير فلسطين العربية المحتلة عام 1948، وأحيي إدارة موقع اللجنة الشعبية لمقاطعة الانتخابات التي أتاحت لنا فرصة الاطلاع على أراء المواطنين مباشرة، وندعوها للقيام بالمزيد بهذا الاتجاه، وهو ما قد يفيد إعلامياً في إعلاء لواء المقاطعة أكثر بكثير من عشرات التحليلات والمقالات النظرية عندما يكون تعبيراً صادقاً عن نبض الشارع، وعندما يكون حسم المعركة في الشارع وليس في مجال التنظير، أو محاولاته.  ويمكن الإطلاع على موقع اللجنة الشعبية لمقاطعة الانتخابات على الرابط التالي:

 

http://mokata3a_48.tripod.com/

 

مثلاً، عادل الزعبي، عضو الحركة الشعبية لمقاطعة الانتخابات في مدينة الناصرة العربية المحتلة يقول: "ممثلونا في البرلمان الإسرائيلي لم يتمكنوا من منع المحاكمات السياسية وتدخلات المخابرات في التعيينات، كما أنهم لم يتمكنوا من القيام بأبسط الأشياء، ولم يستطيعوا على سبيل المثال إخراج أي سجين أمني للمشاركة في جنازة ذويه، ولم يحققوا شيئاً بكل ما يتعلق بحقوقنا... هل التصويت ضمان لمستقبلنا كما يقول البعض أم مجرد تأكيد لديموقراطية إسرائيل؟!  .... ولا استغرب دفاع الداعين للمشاركة بانتخابات الكنيست عن رزقهم، ولكنني أدعوهم للخروج من العالم الوهمي الذي رسموه لأنفسهم وللعودة للناس والشارع والجماهير... فالمقاطعة في يومنا هي القوة الأولى على الساحة، والقي الضوء على ما قال احد النواب العرب في الكنيست وهو " إذا كان صوتك صهيونيا (أي للأحزاب الصهيونية مثل العمل وغيره) فماذا تكون؟ وأجيبه بسؤال مقابل وهو عندما تكون أنت بذاتك عضوا في البرلمان فماذا تكون ؟".

 

أما فريد أبو صالح من سخنين فيقول: "الجماهير متقدمة على قياداتها في النضال، وهي التي تدافع عن أعضاء الكنيست العرب وليس العكس، فأعضاء الكنيست العرب لم يقدموا شيئاً حتى في مجال التعليم أو غيره، وهناك أمثلة كثيرة على تقدم التحرك الجماهيري على عمل القيادات ومثال ذلك قضية أراضي الروحة وأم السحالي وأخيراً مقاومة إسكان العملاء في أم القطف... ولا أرى أن الكنيست هو منبر إعلامي اليوم خاصة بعد وجود وسائل الاتصال الالكتروني والقنوات الفضائية، أما المشاركة في الانتخابات فتعمق الانقسام (بين الناس) إلى أحزاب دون وجود فوارق أيديولوجية حقيقية بينها".

 

المواطن العربي الفلسطيني نضال بدرانة من عرابة يقول: "أنا لا استطيع المشاركة في انتخابات لبرلمان يريد أن ينفي وجودي كإنسان فلسطيني... فهو كيان سياسي مبنيٌ على نفي الآخر وأرى بالمقاطعة تعبيراً جدياً عن موقف إسقاط الشرعية لما يسمونه واحة الديموقراطية في الشرق الأوسط... على الأقل لم ننسَ التاريخ القريب والبعيد من المجازر التي نفذتها سلطة الكيان بحق أبناء شعبنا في الداخل...".

 

محمد أبو صالح من سخنين يقول من جهته "أن التجارب أثبتت أن العمل الجماهيري للمواطنين العرب جلب من النجاحات أكثر بكثير مما حققه العمل البرلماني ولم يستطع النواب العرب في الكنيست الإسرائيلي من إحداث أي تأثير يذكر، وأقصى ما قاموا به في فترة حكم إسحق رابين هو تحولهم إلى جسم مانع من إسقاط الحكومة الإسرائيلية".

 

الكاتب والشاعر أحمد حسين يعلق على موقف المقاطعة بقوله: "لا وجود لمنطق العمل البرلماني أصلاً وحتماً هو بدون جدوى وهناك عبثية في الموضوع فالانتخابات مبنية على علاقة جدلية بين المواطن والسلطة، بينما السلطة لا تعاملنا كمواطنين، وهم يتعاملون معنا من منطق أننا نشكل مشكلة أمنية في هذه الدولة.  من جهة أخرى، نحن مواطنون بالإكراه وعليه فعلاقة المواطنة غير موجودة بيننا وبين السلطة، والمنفعة من المشاركة بالانتخابات تعود للسلطة نفسها حيث أننا نعطيها المصداقية من خلال هذه "اللعبة الديموقراطية"، ووجود أعضاء الكنيست يشكل قناعاً سياسياً لسياسة السلطة المتبعة ضدنا.  نحن نعرف أن جماهير شعبنا أصيبت بالإحباط من جميع الأحزاب ولا جدوى من وجودها وإنما هي مشاريع فردية وشخصية وهم يحاولون الدخول إلى الجماهير من خلال التضليل والأوهام والوعودات". 

 

روان بشارات من يافة الناصرة تروي تجربتها التي أوصلتها للاقتناع بالمقاطعة: "كانت لي تجربة في المشاركة في الانتخابات البرلمانية بالإضافة إلى تجارب العمل الطلابي في جامعة حيفا... ففي الدائرة الصغيرة للعمل الطلابي انحصر هذا العمل فقط في فترة الانتخابات، وكذلك الأمر بالنسبة لانتخابات الكنيست، مما جعلني لا أومن بالعمل البرلماني حيث لم يكن أداء النواب العرب في المستوى المطلوب ولم يتعدَ الاستجوابات.  أنا أؤمن بالعمل الجماهيري كبديل للعمل البرلماني".

 

ورب صورة خير من ألف كلمة، ولكن الكلمات السابقة للمواطنين المقيمين في فلسطين العربية المحتلة عام 1948 تقدم صوراً أبلغ من ألف كلمة، ومن ألف صورة مزورة تنقلها الفضائيات.  والأرض بتتكلم عربي.  هذا ما لا شك فيه، والحق في الوطن لا يسقط بتقادم الزمن.  ولكن ما سبق يفرض علينا كمواطنين عرب أن ندعم حملة المقاطعة في الأراضي المحتلة عام 1948 بكل قوة.  وبغض النظر عما إذا كانت دوافع المقاطعة مبدئية أم سياسية، فإن النتيجة العملية في هذه اللحظة في مقاطعة الانتخابات تأتي لمصلحة الأمة ككل. 

 

فلسطينياً، هناك من يحب التعامل مع القضية الفلسطينية كثلاث قضايا، واحدة للشتات، وواحدة للضفة وغزة، وواحدة في الأراضي المحتلة عام 48.  ولكن القضية الفلسطينية قضية واحدة، والشتات ليس إلا نتاج الاحتلال الواقع أولاً عام 48، وتجاوز الخط الأحمر بدخول الانتخابات في ظل الاحتلال في الضفة وغزة ليس أقل سوءاً من إعطاء المشروعية للاحتلال بدخول الانتخابات في فلسطين المحتلة عام 48، وكلاهما سلوكٌ سياسيٌ مدان يتمم مشاريع تصفية حق العودة في الشتات، ومشاريع التوطين وتضييع الهوية من كافة الأشكال والألوان.  وفي النهاية، من يسعَ خلف حلولِ سريعة للمشكلة اليومية على حساب الوطن، لن يجد حلاً حتى لمشكلته اليومية إلا ليجعلها أكثر تعقيداً في الغد.