(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


في الذكرى الرابعة لاحتلال العراق: أي مشروع هو مشروعنا؟

 

د. إبراهيم علوش

 

في الذكرى الرابعة لما زال البعض يسميه ليلة "سقوط بغداد"، حان الوقت أن نتخلى نهائياً عن هذا المصطلح الانهزامي.  فالسنوات أثبتت أن بغداد لم تسقط، وأنها احتلت وبقيت واقفة، وأنها أسقطت كل الذين أرادوا أن يسقطوها.  في الذكرى الرابعة للتاسع من نيسان 2003، فلنعلنها نهائياً ليلة صمود بغداد لا سقوطها!

 

وها هي بغداد تدفع ضريبة صمودها بالنيابة عن كل الأمة، فكم نحن مدينون لها يا عرب!  وبالرغم من ذلك، ما زلنا نجد من يحاول تجاوز المقاومة العراقية وتجاهلها سياسياً تحت عنوان التفاهم مع إيران... ضد الطرف الأمريكي-الصهيوني.  وكأن هناك قوة على الكرة الأرضية قد فعلت أكثر مما فعلته المقاومة العراقية ضد الطرف الأمريكي-الصهيوني في السنوات الأربعة الأخيرة... فأنصار المقاومة العراقية لا يسألون عن موقفهم من الطرف الأمريكي-الصهيوني وأذنابه، بل إيران هي التي تسأل. 

 

والحقيقة أن خلافنا مع إيران لا يقتصر أجزاء فحسب، حتى لو كانت أجزاء مركزية من الأمة مثل العراق، ولا على الجزر الثلاث وعربستان التي لا ننساها.  بل يرتبط الخلاف مع إيران بمشروع هيمنتها على الإقليم الذي لا يمثل تدمير العراق إلا مدخله.

 

إذن المشكلة مع إيران لا تنبع منا، بل منها.  بالتحديد أكثر، عندما تتعاون إيران مع الاحتلال الأمريكي لتدمير العراق وتفكيكه طائفياً وعندما تقوم جماعاتها بمحاربة المقاومة، لا يصح أن يقال لنا لا تدفعوا الأمور باتجاه كراهية الشعوب الإيرانية أو أننا ندفع باتجاه الصراع مع إيران، لأن الصراع وقع والدماء سالت والجريمة ارتكبت، ومنها ضد الشعب العربي العراقي، وليس منا ضد الشعوب الإيرانية، وضد مؤسسات العراق السياسية والمدنية، ولا يفيدنا أن نتجاهل ذلك بسبب حفنة من الشعارات.

 

خذ مثلاً شعار "تحرير القدس عبر بغداد"... فلو قال بوتين في روسيا مثلاً أنه يريد أن يحرر نيبال أو كوريا الجنوبية عبر بكين، لما خفي حتى على فلاح صيني شبه أمي، ولو كان معارضاً لنظامه، أن الهدف يكون احتلال الصين، وليس تحرير نيبال أو كوريا الجنوبية.  إلا بعضنا نحن العرب... ممن يعمل لاستبدال هيمنة بأخرى، بكل حسن نية، كما سبق أن فعل سيف أبن ذي يزن عندما تعاون مع الفرس لتحرير اليمن من الأثيوبيين، المدعومين من الروم، فوقعت اليمن في شبكة النفوذ الفارسي.

 

والمشروع الإيراني في الإقليم مشروع هيمنة شمولي، لأنه مشروع قومي فارسي أساساً، وليس خلافاً على جزئيات، هنا أو هناك، وتكسير العراق يخلق الشروط الموضوعية لتمدده، والآن يستعد هذا المشروع للتقدم عبر جنوب العراق إلى باقي الإقليم، وأمريكا على وشك الاندحار، إما بالتفاهم مع أمريكا أو بالرغم منها. 

 

قبل هذا، كان من الممكن الحديث عن نقاط اتفاق وخلاف جزئية معه، أما الآن فهناك خطر محدق وحقيقي، إن لم تتمكن المقاومة العراقية بعد دحرها للأمريكان من وقف الاندفاعة الإيرانية في العراق لا سمح الله.  وعندما يعود هذا المشروع القومي الفارسي للتقوقع داخل حدوده، يصبح ممكناً الحديث عن نقاط خلاف أو اتفاق جزئية هنا أو هناك، وهذا يتطلب دعم المقاومة العراقية، لكي يعود العراق قوياً، وحاجزاً جغرافياً-سياسياً منيعاً في وجه مشاريع التمدد الإيراني، سواء تغطت بشعار "تصدير الثورة" أو "تحرير القدس" أو أي شعار أخر موزون ومقفى على مزاج الشعب العربي.

 

إذن، من دفع الأمور للعداء والبغضاء هو من تجاوز على الأخر، ولسنا نحن من تجاوز على فارس بالتحالف مع أمريكا.  وإذا كنا نريد أن نمسك بإيران من رقبة شعاراتها، وهذا حق، فإن ذلك يعني أن نطالبها بوقف تعاونها مع الطرف الأمريكي-الصهيوني في العراق وأفغانستان، وأن نطالبها بوقف جرائم جماعاتها في العراق، وهذا يكفي هذا لاختبار شعاراتها.  أم يجب أن نتضامن معها حتى تدخل مباشرة أو بشكل غير مباشر إلى عموم الخليج العربي وبلاد الشام حتى نختبر شعاراتها؟!

 

مرة أخرى، الإيرانيون جيران تاريخيون، والوضع الطبيعي أن نجد طريقة للتعايش معهم، حتى لو تطلب الأمر تنازلات مؤلمة متبادلة.  ولكن لكي يكون في العلاقة شيء من التكافؤ، لا بد من عراق قوي، والجيران يبقون جيراناً لا من أهل البيت.

 

أخيراً، هل مقياس علاقتنا مع إيران هو ممارسات الأنظمة العربية؟  الأنظمة العربية علاقتها ذيلية بالطرف الأمريكي-الصهيوني، وإيران المحافظين تسعى لعلاقة ندية مع الطرف الأمريكي-الصهيوني، ولاستبدال الهيمنة الأمريكية-الصهيونية على الإقليم بهيمنتها، ولكن في الحالتين على حسابنا. 

 

باختصار، تبعية الأنظمة العربية الذليلة للأعداء ليست مقياسنا.  مقياسنا هو مدى تمثيل هذه القوة أو تلك لمصالحنا كأمة، وحالياً، تعبر قوى المقاومة العربية عن مصالحنا كأمة، وأهم عنصر فيها اليوم على الإطلاق هو المقاومة العراقية.  فالمقارنة إذن تكون بين المقاومة العراقية وإيران، وليس بين إيران والأنظمة العربية.  وعلى كل حال، الأنظمة العربية سجلها معروف ولم يطرح أحد في الشارع العربي مشروعاً للتضامن مع الأنظمة العربية، كما طُرح مشروع للتضامن مع إيران، حتى نناقش الأنظمة العربية.