(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
في مفهوم الحرية ضمن حدود الثوابت
(ملاحظة لمن يهمه الأمر: هذه المادة موجهة، وتحمل أجندة سياسية واضحة، ولا تراعي مشاعر دعاة النزعة الفردية أو قبول "الرأي الأخر" على حساب الثوابت، فقط للعلم والخبر كي لا يصيبك وجع رأس أو عسر هضم وأنت تقرأها إن كنت منهم لا سمح الله)
د. إبراهيم علوش
ثمة أشياء لا نستطيع أن نحققها بمفردنا. فعندما يتعلق الأمر بمشكلة عامة، فإن التصدي لها يحتاج إلى أدوات أو حلول عامة، أي إلى إرادة جماعية، لا يبقى فيها مجال لل"سوبرمانات" والعنتريات الفردية إلا في أفلام هوليود.
مثلاً، إذا أخذنا مشكلة عامة اقتصادية مثل البطالة أو غلاء المعيشة، أو مشكلة سياسية كبرى مثل الاحتلال أو نهب الحكام لأموال الشعب (الفساد)، أو مشكلة اجتماعية-ثقافية مثل التخلف بأشكاله المختلفة أو الجهل والأمية، أو أية مشكلة عامة أخرى تمس الأمة بمجملها أو قطاعاً واسعاً منها، فإن التصدي لها يتطلب استنفار موارد وإمكانات ووقت وجهود وتضحيات عدد كبير من الأشخاص الذين يجتمعون على: 1) اعتبار المشكلة أولوية تستحق التضحية من أجلها، 2) حد أدنى من الاتفاق على تشخيص أسباب المشكلة، 3) حد أدنى من الاتفاق على خطة عمل أو برنامج أو إستراتيجية ما لحلها.
وفي مجال العمل السياسي بالتحديد، تنشأ الحركات السياسية، سواء كانت جماعة هلامية أو جبهة عريضة أو حزباً نخبوياً أو عصبة مغلقة، بالضرورة على أساس أرضية ما مشتركة من القيم والمفاهيم، وعلى أساس تشابه التصورات العامة على الأقل واللقاء على برنامج عمل محدد ما، حتى لو كان مؤقتاً.
وبدون وجود مثل هذه الأرضية المشتركة، التي قد تضيق أو تتسع حسب نوعية وهدف الجماعة التي نتحدث عنها، فإن ما يبقى هو لقاء صدفة عابر بين مجموعة من الأفراد الذين لا يربط بينهم رابط. وكم هي كثيرة جماعات الأفراد التي تعجز عن التحول إلى أداة عامة لمعالجة مشكلة عامة بسبب افتقادها لوحدة الرؤيا ووحدة الهدف ووحدة الانتماء!
فالجماعة لا تساوي مجموعة من الأفراد فحسب، بل مجموعة من الأفراد الذين تربطهم قواسم مشتركة ما. فحتى لو كان المطلوب هو تشكيل فريق رياضي هدفه ربح مباراة فحسب، مثلاً، فإن الفريق لن يكون فريقاً على الإطلاق إذا كان هدف بعض أفراده هو ربح المباراة، وهدف بعض أفراده خسارة المباراة (لأنه يفضل الفريق الأخر في سره)، وهدف الأفراد الباقين هو استعراض تميزهم الفردي في المباراة بغض النظر عما سيحدث لفريقهم وما إذا كان سيربح أم سيخسر. ولن يكون الفريق قادراً على اللعب أصلاً إذا كان بعضه يرغب بلعب كرة القدم والبعض الأخر كرة السلة والبعض الأخر كرة الشبكة، كما أن الفريق لن يلعب إذا كان بعضه يصر أن يكون اللعب صباحاً، والبعض الأخر مساءً، والبعض الثالث فجراً، والبعض الرابع ظهراً.
وعندما تكون "اللعبة" هي تحرير وطن أو توحيد أمة أو استنهاض شعب، وعندما يكون الأمر ملحاً حتى الموت، فلا تجد، كما قال القائد جمال عبد الناصر في "فلسفة الثورة"، رجالاً ملائمين في الظرف الملائم للثورة، فإن غياب الأداة العامة، الثورة، أو حركة الوحدة أو النهضة، أو سمها ما شئت، يعني فعلياً أن العائق الرئيسي لحل المشكلة العامة، التي تمس الأمة بمجملها أو أوسع قطاعاتها، لا يعود لعدم توفر إمكانات أو موارد أو مناضلين، بل لعدم وجود أرضية مشتركة يمكن أن تنبثق منها أداة عامة. وعندها تكون المشكلة أن الواقع يصرخ، وأننا كأفراد نكاد يغشى علينا من علو صراخه، ولكننا نفتقر للحد الأدنى من المقاييس المشتركة التي تمكننا من بناء أداة عامة، وهذا يعني عملياً أننا نفتقد للإرادة الجماعية لحل المشكلة العامة التي تواجهنا، بالرغم من حسن نوايانا كأفراد.
وقضية افتقادنا للإرادة الجماعية لم تحدث صدفة، بل هي نتاج لمشروع تفكيك الوعي والانتماء الذي لا يقل خطورة عن تفكيك الأوطان واختراق حركات المقاومة سياسياً أو أمنياً. ولنبدأ بالانتماء والهوية القومية... كيف يمكن أن ننتج أداة عامة على مستوى قومي إذا كان وعينا محكوماً بالانتماء العشائري والطائفي والقطري، وبالنهاية، بالوعي الفردي؟! فالوعي الفردي لا ينتج بالمحصلة إلا بحثاً خاصاً عن مخارج خاصة للأزمة العامة، سواء على مستوى الذات أو على مستوى الزاوية الضيقة جداً التي حشرنا الوطن فيها، ثم تبقى بقايا الوعي الفردي تفعل فعلها في إعاقة بناء أداة عامة حتى بعد أن يدرك المرء أنه في خضم مشكلة عامة وأن حلها لا يكون إلا بأداة عامة.
كيف يمكن أن نكون مواطنين عرباً إذا كنا نفتقد للحد الأدنى من الانتماء الوطني أو القومي – ما فوق الفردي؟! فقبل أن نختلف على تشخيص مشاكلنا العامة وسبل حلها أصلاً، لا بد من وجود حد أدنى من المقاييس التي نتفق عليها كمرجعية، لكي نكون مجرد مواطنين، حتى قبل أن نفكر بالصعود درجة واحدة فوق ذلك إلى التفكير بمشروع وحدة أو تحرير أو مشروع نهضوي عربي... أو بأداة عامة.
ولكن يوجد اليوم من يريد أن يضيع أبسط المقاييس التي يمكن تضفي شيئاً من النظام على فوضانا والتي يمكن أن تفرز الغث من السمين، تحت ذريعة "تساوي الآراء"، و"حق التميز الفردي"، و"مقاومة طغيان الرتابة"، الخ... وإلى ما هنالك من مصطلحات تشترك جميعاً بخاصية واحدة أساسية هي جعل مرجعية الحق والباطل مرتبطة بالفرد وذاته، لا بالجماعة ومصلحتها. وشئنا أم أبينا، هناك مصلحة عامة ومرجعية عامة أكبر من الفرد... وبالتحديد، هناك مصلحة عامة للأمة لا يمكن التصدي لها إلا بوجود إرادة جماعية، خاصة في مرحلة الأزمات الكبرى.
وبالمقابل، زعموا أن خبيثاً أراد أن يفرق شمل جماعة من أعدائه وأن يجعلهم يقتلوا أنفسهم. وعندما رآهم يعبرون جسراً خشبياً ضيقاً مشيداً فوق هاوية صخرية سحيقة، خطرت له فكرة أن يستفز جاهليتهم الفردية. فهمس في أذن من يسير في المؤخرة: "كيف تقبل أن تسير خلف هذا؟!"، فرمى الأخير بنفسه من فوق الجسر لكي لا يقال أنه كان يسير خلف فلان. ثم أومأ الخبيث لمن يسير في الوسط بنفس المعنى، فقام بإلقاء من يسير أمامه من على الجسر لأنه أعتبر أنه أحق منه بتقدم الصفوف، وهكذا، حتى قتل معظمهم نفسه أو صاحبه... ولو كانوا أكثر وعياً لعلموا أن ما قتلهم هو جاهليتهم. وفي زماننا السياسي المعاصر، يكثر بالأخص أن تستهدف الرموز بكل الوسائل بمقدار ما تعبر عن مخزون نضالي، كما حدث مع الرئيس الشهيد صدام حسين مثلاً، فالذين يتنكرون لأكثر أبناء الأمة إخلاصاً لا يختلفون عمن يلقي بنفسه إلى الهاوية لكي لا يقال عنه أنه يسير خلف فلان...
المهم، أن تضييع أبسط المقاييس يمنع أو على الأقل يعيق تكون: 1) موقف سياسي، 2) وعي سياسي، 3) عمل سياسي.
بالتالي، الأمم التي تريد أن تكون حرة فعلاً، والتي يرى أفرادها أنهم لا يمكن أن يكونوا أحراراً إلا في أمة حرة، لا تتسامح مع "الشطحات" الفردية التي تقتات على المصلحة العامة. على سبيل المثال، لا يمكن أن تتعامل أمة مع الذين يتعاونون مع الاحتلال أو يتماشون مع مخططاته باعتبارهم مجرد "حملة وجهة نظر أخرى"!! وبالتالي، الوضع الطبيعي أن لا يكون هناك أي قدر من التسامح مع الذين يسوقون لأية عملية سياسية أو انتخابات في ظل احتلال... فالتعاطي مع الاحتلال ككيان طبيعي جريمة لا تغتفر. وهذه ليست وجهة نظر، بل حق للأمة لكي تتمكن من الحياة.
وكذلك الأمر عندما يتعلق الأمر بقضية حق الغزاة بالتواجد على أرضنا. فلا يمكن أن نكون ضد الاحتلال مثلاً ومع حق الغزاة بالتواجد على أرضنا. ومن عجائب الزمان أن تسمع من يقول أنه ضد الصهيونية ولكنه لا يعترض على التعايش مع اليهود الذين أتوا إلى فلسطين على خلفية الغزو الصهيوني، وكأن الصهيونية تعني شيئاً أخر غير مجيء اليهودي من بولندا وروسيا إلى فلسطين... فقبول الغزو (لأنها لم تكن مجرد هجرة) اليهودي لفلسطين، مع زعم مناهضة الصهيونية، ليس مجرد تناقض منطقي فحسب، بل مخرجاً فردياً انتهازياً للتعايش مع "أنصارنا في الغرب" يستحق أن يذل صاحبه علناً.
وكذلك يستحق أن يداس بالأحذية من يروج أيديولوجياً لتغيير هوية فلسطين، أو أي قطر عربي أخر، من عربية إلى ثنائية أو ثلاثية أو رباعية القومية... أو من يحول الدخول إلى الكنيست الصهيوني، والسمسرة السياسية على خطوط الصراع العربي-الصهيوني كاسباً الكثير من المال من جراء ذلك، أشبه بالعمل الوطني مثل المنافق عزمي بشارة!!!
وضمن وضع طبيعي، عندما تستعيد قوى الأمة مناعتها السياسية، فإن من يعترف بالكيان الصهيوني بأي شكل، أو يقيم العلاقات معه، يفترض ببساطة أن يعدم، كما يجب أن يحدث مع كل خائن، خاصة إذا كانت الذريعة هي "اليهود التقدميين" الذين يفترض بنا في الواقع أن نسحلهم أولاً. وكم من تنازل سياسي، وكم من علاقة انتهازية أو مشبوهة أقيمت تحت عنوان "استقطاب أولاد الستين كلبة اليهود التقدميين"، خاصة من النوع الذي يحب أن يملي علينا برنامجنا السياسي، باتجاه التخلي عن العمليات الاستشهادية مثلاً، كبداية، "حتى لا نخسر الرأي العام الغربي" بالتأكيد!!! .
وفي مثل حالة الفوضى والتهتك السياسي وضياع المقاييس التي نعيشها، وفي الوقت الذي تظهر الأحداث من السودان إلى العراق مقدار افتقادنا للإرادة الجماعية، فإن الحري بنا أن نجعل من الثوابت كحد أدنى 1) التمسك بالهوية القومية العربية، و2) التمسك بالمقاومة المسلحة ضد المحتلين، خاصة الاستشهادية، و3) رفض التعاطي مع أعداء الأمة وكل مشاريعهم السياسية وإفرازاتها.
وفقط بعد مراعاة الثوابت، تأتي حرية الرأي لتغني العمل وتصوب اتجاهه وتنقي الشوائب والأخطاء وتكشف الانتهازيين وتحاسب المقصرين، ولكن من أجل مصلحة الأمة، وليس من أجل إبراز التميز الفردي. والحديث عن حرية الرأي خارج سياق الولاء للمصلحة العامة لن يعني سوى المزيد من الفوضى والاختلاط الذهني والتفكك. بالتأكيد ليس هناك شخص أو رمز مقدس، وليس هناك أحد فوق النقد، ولكن استيعاب الخلاف وتعدد الآراء على قاعدة الثوابت يختلف تماماً عن استيعاب الخيانة والانحراف كوجهة نظر، والاختلاف المشروع للآراء يختلف تماماً عن اختلاف الولاء وتشتت الانتماء.
وفي النهاية، نقتطف تعريف الثوابت فيما يلي من بيان لقاء لائحة القومي العربي في الخليج العربي في 23/9/2005، وقد أكدها لقاء لائحة القومي العربي في الأردن في 18/3/2006:
"وأكد المجتمعون أن الصيغة المثلى لقيام مثل تلك الحركة الشعبية العربية المنظمة ليست تنظيماً أو حزباً، بل صيغة تيار عريض يقوم على مبدأ التعددية ضمن حدود الثوابت، وعلى رأس تلك الثوابت: 1) عروبة كل الأرض العربية، و2) رفض التعامل مع أعداء الأمة ومشاريعهم السياسية أو غير السياسية، 3) التأكيد على الهوية الحضارية العربية-الإسلامية للوطن العربي، و4) اعتبار اليهود في فلسطين قاعدة المشروع الصهيوني بغض النظر عن أية نوايا أو رغبات يسارية أو إنسانية، و5) الالتزام بنهج المقاومة في الموقف السياسي والممارسة العملية."