(صوتك في عالم أسكتت فيه المال والحديد والنار صوت العدالة)
[نشرت المادة أدناه في مجلة الآداب اللبنانية العدد 7/8/9 تموز/ آب/ أيلول، يوليو/ أغسطس/سبتمبر، 2006، السنة 54]
د. إبراهيم علوش
ثمة صحف ووسائل إعلام تنقبض روحك حتى قبل أن تقرأها أو تشاهدها. وثمة أسماء يصيبك مجرد ذكرها بالغثيان لأنها تحترف كل شيء إلا الحقيقة، فهي تلمع تحت شمس الثقافة، ولكنه أشبه بلمعان بطون الأسماك النافقة على شاطئٍ ملوث. ومشكلة تلك الأسماء ووسائلها الإعلامية، بالأساس، أنها قرأتك، أنت القارئ، خطأً، فقررت أن تستخف بك من هناك، من عالمها الآخر، بعد أن تحولت إلى أشباحٍ.. أو لظلالٍ لشيءٍ ما، قد تعرفه أو لا تعرفه، ولكنك تشعر تماماً، في أعماقك، أنه مصدر ذلك التلوث، وأنه موات الروح بحد ذاته.
بالمقابل، كم تساءلت: لماذا قاتل وجرح واستشهد عددٌ كبيرٌ من المثقفين الغربيين، البارزين والمغمورين، في الحرب الأهلية الإسبانية بين عامي 1936 و1939؟ لماذا ذهب إرنست همنغواي مثلاً ليقاتل في إسبانياً؟ حتى جورج أوريل الذي ارتبط اسمه في سنين الحرب الباردة فيما بعد برواياتٍ أيديولوجيةٍ مناهضةٍ للاشتراكية مثل "مزرعة الحيوانات" Animal Farm ورواية 1984، كان قد قاتل في منطقة كاتالونيا في إسبانيا، حيث اخترقت رصاصة رقبته قبل أن يعود إلى بريطانيا ليؤرخ تلك التجربة في رواية Homage to Catalonia أو تقديراً لكاتالونيا.
وقد قرأت مرة أن تحول الشاعر التشيلي بابلو نيرودا من الفردية والتمحور على الذات في أعماله الأولى، إلى الالتزام السياسي حتى النخاع في أعماله اللاحقة، حدث بسبب الحرب الأهلية الإسبانية وفي خضمها. وثمة عشرات غيره، شعراء وروائيون وكتاب وصحافيون، تركوا كل شيء وذهبوا لحمل السلاح أو للانخراط - بشكل أو بأخر - في صفوف المعسكر المناهض للفاشية في إسبانيا. وإنك، من دون أن تعرف شيئاً عن سجل الكاتب الشخصي وتاريخه السياسي، لتشعر بالفرق مرة أخرى في أعماق روحك ما بين النص الذي تخطه يد طحلب على هامش الواقع ويد تكتب بدمها؛ بين الخروج من الذات إلى الزمن، وبين التقهقر من الوطن إلى صدفة الذات. والفرق ليس في الموقف السياسي فحسب، بل في الموقف من الحياة أيضاً، أي في طبيعة علاقة المبدع بالواقع، وبالتالي في بنية النص الأدبي أو الفكري نفسها.
ولأوضح الفكرة، سآخذ مثالاً أخر عن علاقة المبدع بالواقع، لا علاقة له مطلقاً بالنضال، من رواية جاك لندن المعروفة "نداء البراري" The Call of the Wild. فقد كان كاتبها قد ذهب يافعاً إلى المناطق القطبية الشمالية وعاش أشهراً قاسية هناك للتنقيب عن الذهب، فلم يجد شيئاً، وعاد بخفي حنين، ولكنه عاد لينتج "نداء البراري" من وحي تلك التجربة المرة. فباتت تلك الرواية هي الذهب الذي لم يجده جاك لندن يوماً، وواحدة من أكثر الروايات المقروءة والمترجمة في العالم. إن الكتابة العظيمة ليست تجربة كيميائية يمكن أنتاجها في المختبرات المعقمة أو المحميات غير الطبيعية. صحيح أن رواية "نداء البراري" حكاية قصة كلب في الحقيقة يتوق للحرية على أطراف الصحارى الجليدية، ولكنها جاءت مخضبة بمعرفة حميمة بالواقع، والأهم أنها جاءت لتعكس علاقة مع الواقع يلعب فيها الكاتب دوراً فاعلاً إيجابياً، أي لتعكس منظور من يؤمن أنه ندٌ للتحدي ومن يستطيع صناعة التغيير حتى في أقسى الظروف، ولو ضمن أفقٍ فردي.
فلماذا لا تأتي أعمالنا الإبداعية العربية معجونةً بوحل الواقع على ذلك النحو إلا عندما يكون موضوعها التجارب العاطفية؟!
لقد انقسم المثقفون العرب في علاقتهم الوجدانية مع المقاومة اللبنانية إلى طرفين نقيضين، وسقط كثيرٌ منهم ما بين بين. فإما أنهم كانوا قد باعوا أرواحهم للشيطان سلفاً لينعوا "الأعمال المغامرة" [أعمال المقاومة] بأرخص الأثمان في الصحف الصفراء، أو الخضراء، أو في فضائيات البترودولار، أو فضائيات الدولار (بدون البترو)... وإما أنهم صعدوا مع الموجة الجماهيرية بكل حسن نية على كتف إنجازات المقاومة دون أن يكونوا من روافعها. فبقوا، في أحسن الحالين، وما بينهما، رغم الفروق الجوهرية من الناحية المبدئية، على هامش الواقع، وفي علاقة سلبية به، أي في موقع المتلقي المنفعل... خارج المكان والزمان.
أين ذهب إرث ناجي العلي وريشته، وإرث غسان كنفاني وإبداعه المقاوم؟ بل قل أين ذهب الشعر الفلسطيني المقاوم قبل أن يهجره ويهشمه أربابه ليتشرنقوا في الذات؟ والسؤال هنا ليس عن الأعمال الإبداعية في الأساس، ولا عن ميل المثقفين السياسي أولاً، مع أنه عن كل ذلك أيضاً، بل عن دور المثقفين العرب العملي. لم نجدهم كجماعة، كموقف، أو كشريحة، أو كدور، كما وجدنا المثقفين الغربيين في الحرب الأهلية الإسبانية مثلاً. كان الوقت وقتهم ولم يكونوا. والوقت، عندما يأتي ولا يجد من ينتظره، يصبح مقبرة. والمقبرة تصبح شاهداً على مقبرةٍ أخرى، هي في الواقع صحراء جليدية كبرى قرب خط الاستواء. وتلك الصحراء تصبح وطننا، نحن الأحياء سكان تلك المقبرة...
أين ذهب إرث ونموذج الشاعر العربي الفلسطيني عبد الرحيم محمود الذي استشهد عن خمسٍ وثلاثين عاماً في معركة الشجرة بين العرب والصهاينة؟ حدث ذلك في 13 تموز/يوليو 1948 (ويا له من تموز مقاوم دوماً!). وكان عبد الرحيم محمود قد جسد في حياته واستشهاده، بعد أن قاتل في فلسطين وفي العراق في ثورة رشيد عالي الكيلاني، جوهر ما قاله في مطلع رائعته:
"سأحمل روحي على راحتي/ وألقي بها في مهاوي الردى/ فإما حياةٌ تسر الصديق/ وإما مماتٌ يغيظ العدى/ ونفس الشريف لها غايتان/ ورود المنايا ونيل المنى/ وما العيش؟ ما عشت إن لم أكن/ مخوف الجناب حرام الحمى/ إذا قلت أصغى لي العالمون/ ودوى مقالي بين الورى/ لعمرك إني أرى مصرعي/ ولكن أغذّ إليه الخطى/ الخ..."
...إلى نهاية تلك القصيدة-الموقف التي يتحد فيها الشاعر بجسده وروحه، قبل استشهاده وبعده، بصورةٍ تشرف تراثنا العربي الحديث حتى بالمقارنة مع تراث المثقفين الغربيين في الحرب الأهلية الإسبانية.
ولكنها تبقى حالات فردية عندنا، موجودة، ولكن دون أن تشكل موقفاً لشريحة قررت أن تنبذ استلابها لتلتحم بالواقع مهما كان الثمن، لتنحته بأظافرها وتطليه بدمها، ولينعكس ذلك على جودة إنتاجها، فتلهم الناس بموقفها وبتضحياتها، وليس بموقفها فقط... مع أن هذا أيضاً شحيحٌ، إلا من رحم ربي. وهو شحيحٌ كذلك على مستوى الإبداع، بالمناسبة، وليس فقط على مستوى الموقف السياسي، كما يلاحظ المرء من أداء المثقفين العرب خلال تجربة المقاومة اللبنانية في صيف عام 2006، وتجربة انتفاضة الأقصى والمقاومة العراقية، باستثناء بعض الأغاني ربما.
ولا أقول أن الموقف النضالي، وممارسته على أرض الواقع، يكفيان بحد ذاتهما لإنتاج كتابة أو إبداع متميزين، ولكنها شرطٌ ضروريٌ غير كافٍ- شرطٌ لا بد منه للتميز التاريخي، إن لم يكن شرطاً للتميز الفردي. وأعترف بأني، كقارئ عربي عادي، أبدأ منحازاً دوماً للمثقف الذي: 1) يلتحم بالواقع، 2) يستعد لدفع الثمن- وهو ما يميز كتابةً عن كتابة وإبداعاً عن إبداع في نهاية المطاف. فالمثقفون الغربيون لم يتطوعوا في إسبانيا لأنهم كانوا مأجورين للدول الغربية مثل بريطانيا أو فرنسا أو للإتحاد السوفياتي، بل لأن الفاشية الإسبانية - برأيي المتواضع- كانت تستفز التقليد الديموقراطي في أعماق بنيتهم الثقافية، ولأنهم كأفراد وكشريحة كانوا مخلصين لقناعاتهم حتى الموت.
وهنا بيت القصيد: ثمة دور اجتماعي للمثقف العربي في هذه اللحظة التاريخية، وهو دور نضالي مقاوم. فإن رفض المثقف دوره، وأصر على الغربة عن المقاومة، فإنه لن يحق له بعدها أن يتأفف وأن يتذمر من النموذج البديل الذي تنتجه أرضنا ألا وهو نموذج العلماء المجاهدين. فالزمن لا ينتظر من لا ينتظره.