(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


 

يعالج المؤامرات النفطية والشركات الكبرى

فيلم "سيريانا" دعوة ليبرالية يائسة لتفاهم الحضارات

 

د. إبراهيم علوش

 

فيلم سيريانا Syriana، من بطولة الممثل الهوليودي المعروف جورج كلوني وكتابة وإخراج ستيف كيغان، اعتبره النقاد أحد أهم الأفلام الأمريكية - وبالتالي العالمية - لعام 2005.  ولكن بوجود قنوات الأفلام المجانية وأقراص الدي في دي DVD لم يعد تاريخ إنتاج أي فيلم أكثر من تاريخ ميلاده، أما مدى جِدته وتأثيره وفترة حياته فتقاس فقط بمدى جودته لأن الأفلام الجيدة، مثل الأغاني الجيدة، تعيش دوماً بعد العام الذي تولد فيه.

 

فيلم سيريانا، بالرغم من ذلك، ليس من الأفلام المسلية أو الترفيهية التي يود المرء أن يشاهدها بعد قضاء يوم عمل متعب.  فهو فيلم معقد في حبكته وفي رسالته السياسية، ويحتاج لبعض الجهد الذهني لربط خيوطه المتشابكة - تماماً بعد الاسترخاء لمشاهدته- مما يخلق فيك الرغبة في النهاية لمشاهدته من جديد. 

 

ولكن لا ضرورة!  فتعقيد الفيلم لا ينبع من معمعان التفاصيل الجاسوسية والتآمرية التي تنبثق منها أحداث الفيلم، والغموض ليس سببه أنك لم تنتبه لدليل مهم أو ملاحظة مفصلية في الحوار في لحظة منسية، بل لأن الفيلم يتألف من حبكات متعددة لا من حبكة واحدة، ولأن المخرج أراد أن يترك لدى المشاهد ذلك الشعور المخيف بالغموض الشرقي الذي يحيق بالصراع على الجغرافيا السياسية لحقول النفط.

 

وحسب أحد النقاد السينمائيين الغربيين، فإن غموض سيريانا مفتعل ولا مبرر له سوى خداع النقاد ليعتقدوا أن الفيلم الذي كلف خمسين مليون دولار أعظم مما هو في الواقع!  ولكن ثمة صورة سيريالية يتم تركيبها عملياً في سيريانا من أجزاء درامية مفككة، أو ثمة محاولة حقيقية، إن افترضت حسن النية، لرسم صورة غير مسطحة للحياة لا تتشكل من أشرار مقابل أخيار، بل من قوى تتحرك من خلال منظومة العولمة لتصنع الشر على أيدي أفراد قد لا يقصدون عن سابق إصرار صنع الشر.

 

والفريد في التصوير هو استخدام عدسة الأفلام الوثائقية أحياناً لإعطاء قدر من الواقعية للبنية  الدرامية المفككة، وبعد انتهاء الفيلم تجد نفسك تتساءل أيضاً لماذا سمي سيريانا، نسبةً إلى سوريا، والمقصود في الواقع نموذج خيالي لأي بلد عربي مصدر للنفط.. أو ربما أي بلد عربي.  وقد صور معظم الفيلم في الإمارات العربية المتحدة، والباقي في المغرب (أي من المحيط إلى الخليج)..

 

والفيلم يدين في النهاية الشركات النفطية العملاقة التي تدعمها حكومة الولايات المتحدة الأمريكية للمحافظة على هيمنتها على النفط العربي في وجه شركة صينية تحصل على امتياز استخراج الغاز الطبيعي من الأمير ناصر الطامح للتحديث، فترسل وكالة الاستخبارات المركزية CIA عميلاً لها (الممثل جورج كلوني) لاغتيال ذلك الأمير لمصلحة أخيه الأمير مشعل الأكثر تعاوناً مع الولايات المتحدة.  وفي النهاية يكتشف ذلك العميل أنه يقوم بعمل لا أخلاقي مخالف لقناعاته فينقلب على مهمته ويدفع الثمن غالياً.

 

ولكن هذا الخط الدرامي في سيريانا ليس إلا أحد الحبكات التي يتشكل منها الفيلم، وتتلازم معه حبكة أخرى في الولايات المتحدة عن شركة نفطية كبرى تسعى للاستيلاء على شركة نفطية صغرى، عليها مخالفات وخاضعة للتحقيق ولكن تملك حقوقاً للتنقيب عن النفط في كازخستان، فينجح محاموها بالحصول على موافقة وزارة العدل الأمريكية لاندماج الشركتين (حسب القانون الأمريكي الذي يخضع اندماج الشركات لتدقيق مراقبي قانون مكافحة الاحتكار)، وهو ما يزيد القوة الاحتكارية للشركة الكبرى، ويكشف دور اللوبيات ومحاميها في النظام السياسي الأمريكي، ولكن دون تحويل المحامي المشرف على إخراج الصفقة إلى شيطان بقرنين وذنب.

 

وهناك أيضاً المحلل النفطي الأمريكي (الممثل المشهور مات ديمون) في خدمة الأمير ناصر الذي يُقتل ابنه الصغير خطأً في حفلة في قصر الأمير فتنتابه أزمة معنوية حول صوابية الدور الذي يلعبه في استشارة الأمير وكيف يتعامل مع مأساته العائلية، وهنالك بالطبع الجانب المتعلق ب"الأصولي" (الممثل المصري عمرو واكد) الذي يستقطب عاملاً باكستانياً يفقد وظيفته في الحقل النفطي ويصبح مهدداً بالترحيل إلى باكستان للقيام بعمل إرهابي.   

 

وتتداخل خيوط كل هذه الحبكات في النهاية لتنتج مشهد عولمة في الشرق النفطي أجزاؤه الرئيسية من الشركات النفطية الكبرى، وحكومة وأجهزة أمنية أمريكية تتدخل في الخارج بذريعة حماية الأمن القومي الأمريكي (تدفق النفط ومصالح الشركات الكبرى)، وأمراء يتصارعون على السلطة في دول نفطية غير ديموقراطية، ومشروع تحديثي ينطلق من القصر، وشعب مهمش، وأصولية تنتج الإرهاب وتغذيها النقمة، وأفراد أمريكيين يسعون لتحقيق سعادتهم ومصالحهم الفردية بلا أجندة سياسية أو وعي اجتماعي ليصبحوا مجرد قطع غيار في الآلة الكبرى التي يتشكل منها الاقتصاد السياسي للنفط، وعلى الهامش، يعيش هؤلاء مآسيهم الفردية كحالات خاصة ليس إلا..

 

وبالرغم من التناول النقدي للشركات النفطية الكبرى وللحكومة الأمريكية في الفيلم، وخروجه عن المألوف في البنية الدرامية وفي عدم إظهار العرب كإرهابيين أشرار يحصدهم بالعشرات  "البطل الأمريكي الطيب"، فإن الرسالة الأساسية للفيلم مخضبة بمفاهيم صراع الحضارات (الشرق مقابل الغرب)، وبنفس الوقت إلى دعوة ليبرالية يائسة لتفاهم الحضارات بسبب شدة اعتمادها على بعضها!  فنقد الشركات الكبرى والحكومة يتم من منظور غربي وللغربيين، أما الشرق، فيتم تناوله عملياً في الفيلم من منظور استشراقي بالكامل، على هيئة حكم مطلق وفساد وتخلف وإغراق في التطرف والغيبيات، والأهم، أن هذا النقد لمنظومة العولمة، مثل فيلم فهرنهايت 9/11 من قبله، ينتقد كل شيء إلا اللوبي اليهودي ودوره الذي يغفله تماماً، وهو الأمر الذي يصل إلى حد التواطؤ عندما يتعلق الأمر بالسياسية الأمريكية في الوطن العربي.