(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


"القارئ" The Reader:

 ذنب "المحرقة" أكبر من الإنسان

 

د. إبراهيم علوش

لم تتوقف استديوهات هوليود عن ضخ الأفلام المروجة لأساطير "المحرقة" بالعشرات والمئات على مدى عقود.  لا بل شكلت هوليود رافعة أساسية لدفع مقولات "المحرقة" (والعداء لنازية لم تعد موجودة) إلى واجهة الأجندة الإعلامية والحوار السياسي اليومي في الغرب، ومن ثم في بقية العالم، بمقدار ما باعد الزمان بيننا وبين الحرب العالمية الثانية.  فهذا "الحدث التاريخي" وحده اكتسب أهمية أكبر – لا أقل - مع مرور الزمن، بالأخص بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ودول المنظومة الاشتراكية، ومع انقراض الأجيال التي عايشت الحرب العالمية الثانية... ويذكر هنا أن مذكرات القادة الغربيين الذين عاصروا الحرب العالمية الثانية، من تشرتشل إلى ديغول، لم تحتوِ كل مجلداتها كلمة واحدة عما يسمى "المحرقة" كما يذكرنا دوماً المؤرخون المراجعون!

 

فهذه "المحرقة" ليست حدثاً تاريخياً بمقدار ما هي أيديولوجية تبرير السطوة اليهودية في النظام العالمي الجديد، وأيديولوجية القوة الصهيونية في العالم.  وبالتالي، فإنك تجد هوليود تنتج دوماً المزيد من أفلام "المحرقة" ومعاداة نازية غير موجودة كلما شعرت النخبة اليهودية المعولمة باهتزاز عقدة الذنب الغربية والعالمية تجاه "المحرقة"، وكلما تزايد النقد الشعبي غربياً وعالمياً لدولة العدو الصهيوني وسياساتها. 

 

وقد شهدت نهاية عام 2008 وبداية عام 2009 طفرة جديدة في إنتاج أفلام "المحرقة" ومعاداة النازية، منها مثلاً فيلم فالكيري Valkyrie و"تحدي" Defiance وغيرها.  غير أن فيلم "القارئ" The Reader برز بين هذه الأفلام لكونه يتناول أو يروج لعقدة ذنب "المحرقة" بطريقة جديدة، أكثر حساسيةً، وأقل مباشرة، طريقة مرهفة أكثر نضجاً تركز على البعد الإنساني وحساسية المشاعر فقط لتنفيهما وتقبرهما في الكليات المطلقة لذنب "المحرقة"، فتعيد تأكيد عقدة الذنب من جديد لدى جمهور ملّ الخطاب الإعلامي الشعاراتي المباشر... وهي طريقة يبدو أنها أثرت حتى ببعض المشاهدين العرب على ما يبدو.

 

ومع كل فيلم عن "المحرقة"، ومنه فيلم "القارئ" الذي رُشح لعشرات الجوائز العالمية، ونال عدداً منها طبعاً، يخرج النقاد السينمائيون اليهود في النيويورك تايمز وغيرها بين مؤيد ومعارض من أجل إثارة الضجيج حول قضية "المحرقة" المقدسة مجدداً، فيؤكد بعضهم دوماً أن الفيلم لم يعطِ "المحرقة" حقها، ولا يمكن لأي فيلم أن يعطي "المحرقة" حقها، مهما حاول...  أما تناول حارسة ألمانية للقسم النسائي من معتقل "أوشفيتز" من منظور مشاعرها الإنسانية فلا يجوز... لأنه قد يثير التعاطف معها، وهي الزاوية المميتة بالضبط التي سقط فيها بعض المشاهدين العرب ممن ظنوا أن الفيلم يتناول قضية "المحرقة" من منظور أكثر عمقاً من التقليد الهوليودي.  لكنه مجرد فخ سينمائي.  فرسالة الفيلم ليست أبداً التعاطف مع حارسة نازية لسجينات يهوديات، لمجرد أنه لم يمسخ شخصيتها كما جرت العادة، بل أن رسالته ضرورة إدانة تلك الحارسة بالرغم من إمكانية وجود أبعاد إنسانية غنية ومعقدة في بنيتها النفسية.  فذنب "المحرقة" أكبر من الإنسان، وأكبر من الحب، ومن أية مشاعر إنسانية.  وتلك رسالة... أكثر خطراً.

 

فيلم "القارئ" تم إطلاقه في 10/12/2008 أولياً، وعلى نطاق واسع في 9/1/2009، وقد كلف 32 مليون دولار، وعاد على منتجيه حتى 4/9/2009 بحوالي 110 مليون دولار، أكثر من ثلثيها من خارج الولايات المتحدة، وهذا غير مبيعات الدي في دي DVD طبعاً.  ومن المهم الانتباه هنا، من توزيع مبيعات التذاكر بين أمريكا والعالم، للجهود المبذولة لتعميم عقدة الذنب عالمياً، وليس فقط غربياً.  وقد بلغ استثمار عقدة الذنب مبلغاً مكن الشركة الخاصة المنتجة للفيلم من الحصول على 4،1 مليون دولار كمساعدات لتمويله من جهات رسمية ألمانية مختلفة!  الإنتاج التنفيذي وتسويق الفيلم تولته شركة الأخوين اليهوديين واينشتاين...  مع العلم أن إنتاج الفيلم تولاه رجلان أحدهما الممثل والمخرج والكاتب الهوليودي المعروف سيدني بولاك Sydney Pollack، وهو أيضاً يهودي، وقد مات قبل أن ينجز الفيلم.  

 

قصة الفيلم باختصار تدور حول مراهق ألماني اسمه مايكل بيرغ يقع في حب امرأة أكبر منه سناً اسمها آنا شميتز (الممثلة كايت ونسلت من فيلم تايتانك).  وبعد أشهر قليلة، تختفي شميتز من حياته فجأة ولتعود للظهور بعدها بسنوات عندما أصبح طالباً بكلية الحقوق، ليكتشف أنها متهمة بالمشاركة بحراسة سجن للنساء اليهوديات في معسكر نازي، وهو ما يوقعه في أزمة نفسية تقوده لرحلة يتعرف من خلالها، ويتعرف معه المشاهد، على "المحرقة" المزعومة. 

 

إذن الفيلم جزئياً قصة انتصار مراهق على تعلقه بنجمة فاتنة من نجوم هوليود من أجل "المحرقة"، وكيف ينقلب جمالها قبحاً، بفعل الماكياج طبعاً، كلماً اكتشف أكثر وأكثر مدى تورطها في "المحرقة"!   وونسليت تروي كيف كان يتم تحضيرها ساعات قبل التصوير كل يوم، لتبدو أكثر بشاعة... وهذا هو التمرين السياسي الأول الذي يخضع له المراهق الذي أقام علاقة غرامية مع الممثلة وينسلت وهو لا يزال في السادسة عشرة من عمره، خلف باب شقتها الزجاجي الذي تركز عليه الكاميرا بشكل مباشر عدة مرات، لكن بسرعة شديدة، ومن ينتبه جيداً، سيجد أن ذلك الزجاج غير الشفاف موشى بصفوف كاملة من نجمة داوود بأحجام صغيرة جداً!  ليست صدفة طبعاً، فالعين تلتقط  الصور بسرعة أكبر بكثير مما يستطيع العقل تفسيرها، مما يُحدث عملية ربط لا واعية بين الغرام ونجمة داوود، كما في الدعايات والإعلانات.  وهو ما يسهم باتخاذ موقف إيجابي إزاء نجمة داوود وما تمثله... أو فلنقل موقفاً إيجابياً جدا!

 

ماشي!  يكبر المراهق مايكل بيرغ لنجده في الثالثة والعشرين الآن في كلية الحقوق وقد أخذه أستاذه مع زملائه لمشاهدة محاكمة ست نسوة يفترض أنهن مسؤولات عن احتراق 300 سجينة يهودية داخل كنيسة خلال عملية نقلهن من معسكر أوشفيتز... هناك في قاعة المحكمة يسمع اسم حبيبته الهاربة، الحارسة آنا شميتز، ويراها لأول مرة بعد سنوات تقف متهمة في تلك القضية.  لقد قُصفت الكنيسة (ممن؟ لا نعرف!) فاحترقت، ولم تسمح الحارسات الستة للسجينات بأن يخرجن خوفاً من هروبهن، فاحترقن فيها.  ونسمع تكراراً في حوارات الفيلم عن احتراق اليهوديات في كنيسة (لاحظ: ليس في غرفة غاز)... فالإدانة هنا لا تتناول الحارسات النازيات الستة فحسب، فالكنيسة هي مكان احتراق اليهود، فهنا تم تكريس فكرة احتراق اليهود أولاً، ثم يتم تكريس عدم قيام العالم بإنقاذهم ثانياً، وتتم إدانة الغرب المسيحي لأن الاحتراق تم عنده ثالثاً، وبالتالي تصبح الإدانة لكل العالم، كما أن الإدانة لكل الألمان بلا استثناء، إذ نسمع في قاعة المحاضرة في كلية القانون نقاشاً حول مسؤولية كل الألمان عما جرى، لا الحارسات الستة فحسب.    في الواقع، "المحرقة" مسؤولية كل العالم، لأنها التعبير المكثف عن "لا سامية" هذا العالم، ولأنها قمة الجبل، لا حادثة منفردة، كما يستطيع أن يرى من يقرأ أدبيات "المحرقة" جيداً.

 

إذن، كانت العلاقة بين المراهق مايكل بيرغ والحارسة النازية آنا شميتز عملية نقل للذنب من جيل ألماني إلى أخر، والكل مسؤول، ولذلك نرى مايكل بعدما أصبح في الخمسينات في عام 1995 يقدم التعويضات المالية، من الحارسة آنا، إلى ابنة إحدى اليهوديات اللواتي نجين من الحريق المذكور (المعتمد على رواية، لا على حقيقة تاريخية).   في الواقع، لا يقدم مايكل التعويضات لتلك اليهودية فحسب، بل يعري نفسه عاطفياً أمامها، بدون ابتذال، ويكشف لها بعد مرور عشرات السنين عن ماضي علاقته مع الحارسة النازية، والدمعة تكاد تطفر من عينه.  فهو يقر بالذنب ضمنياً، مع أنه لم يكن يعرف ماضي آنا عندما أغرم بها، ومع أنه تركها عشرين عاماً في السجن دون أن يزورها، لكن اليهودية ترفض أن تمنحه الغفران، فلا شيء يمكن أن يمحو ذنب "المحرقة"!  وهي ترفض أن تستلم أموال التعويضات لأن هذا قد يوحي بأن قصة "المحرقة" انتهت، ومنزلها في الفيلم يوحي بقدرٍ من الثراء أصلاً، لكن مايكل ملزم بتقديم هذه التعويضات المالية على أية حال، ولذلك عليه أن يبحث عن منظمة يهودية يقدمها لها... وتتنازل اليهودية لتقبل بهذا الحد الأدنى، بعد أن توضح جيداً بأن هذا لا يمكن أن يمحو ذنب "المحرقة" طبعاً!!

 

ولا بد أن نلفت النظر هنا إلى أن مايكل المراهق في الفيلم تجده خلال علاقته مع آنا يتعرض للمياه كثيراً، للاستحمام، وفي السباحة، الخ... وكأنه فرض طقوسي ضروري لتطهير نفسه من العلاقة مع حارسة سابقة في سجن نازي.  ولعل ما يؤكد ذلك هو مشهد خارج السياق لنزوله للسباحة كما خلقتني يا رب، بعد خلع ملابسه الشتوية في الخريف، بعدما اكتشف أنها هربت واختفت، أي ليس في سياق العلاقة نفسها.

 

أما المحور المركزي في الفيلم الذي يمنحه اسم "القارئ"، فيتعلق بشعور الحارسة آنا شميتز الدائم بالعار لأنها لا تعرف القراءة.  ولذلك كانت تطلب من مايكل بيرغ خلال علاقتهما أن يقرأ لها دوماً، فراح يقرأ لها روايات من الأدب العالمي، ومسرحيات، وقصص شعبية... وهو لا يعرف أنها لا تعرف القراءة.  ويدرك هذا الأمر فقط عندما ترفض أن تقدم نسخة من خط يدها في المحكمة بناءً على طلب القاضي، لمقارنتها بالتقرير المودع لدى الحكم النازي حول الاحتراق المزعوم للسجينات اليهوديات الثلاثمئة في الكنيسة، وتفضل عوضاً عن ذلك أن تعترف بكتابة ذلك التقرير عن طريقة موتهن، بالرغم من كونها أمية.  فقط مايكل يدرك بأن اعترافها بالذنب غير حقيقي لأنها لا تعرف القراءة والكتابة، فيذهب إلى أستاذ القانون ويطرح القضية عليه.  كان بإمكانه أن ينقذها من حكم المؤبد لو أدلى بالمعلومات الموجودة بحوزته كشاهد عن أميتها.  لكنه لا يفعل.  لماذا؟  "لأنها لا تريد أن يعرف أحد أنها أمية"، واحتراماً لرغباتها، لا يكشف ما لديه عنها، ويتركها تتلقى الحكم المؤبد عشرين عاماً!  ومن شدة حرصه على مشاعرها، لا يزورها بالسجن طوال تلك السنوات... فيا لشدة حرصه عليها وعلى العدالة!  "العدالة" إذن هي معاقبة كل مشتبه بالمشاركة في "المحرقة" بغض النظر عن مثل هذه الحقائق القانونية الصغيرة... و"المحرقة" تبقى أقوى من الحب والإنسان. 

 

وفي النهاية، يقدم لنا الفيلم مايكل كضحية أخرى لآنا شميتز، هو شريك لها في آنٍ معاً...