(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


 

فيلم وادي الذئاب، أو دعوة الهيمنة التركية على شمال العراق والمنطقة

 

 

 إبراهيم علوش وأحمد الرمحي

 

فيلم وادي الذئاب، أكثر فيلم تمويلاً في تاريخ تركيا، أي أنه مدعوم من المؤسسة العسكرية التركية، فيلم يدغدغ عواطف العرب والأكراد لأنه يقدم الاحتلال التركي بديلاً للاحتلال الأمريكي لشمال العراق بالتحديدفالفيلم يقول أساساً أن العودة لتركيا هي الحل، لا العمل المقاوم ولا الاحتلال الأمريكيوهنا نلفت النظر أن تركيا أكثر خطراً على العراق من فارس لأن تركيا السنية المقبولة أمريكيا وصهيونياً ستكون أكثر قبولاً في وسط وشمال العراق من فارس.

 

والفيلم يبدأ من قصة حقيقية بالمناسبة عن اعتقال مجموعة من القوات الخاصة التركية في السليمانية من قبل الأمريكان وإساءة معاملتهم، مما سبب جرحاً حقيقياً لكرامة الأتراك، فجاء  الانتقام معنوياً و"عصرياً" بفيلم على الطريقة الهوليودية مع ثلة من نجوم أمريكان من المعروفين في هوليود.  ولكن منذ البداية حتى النهاية هناك تمجيد للأمة التركية، حتى قبل أن يقدم ضابط القوات الخاصة على الانتحار في بداية الفيلم يكتب لأخيه عن شمال العراق قائلاً ما معناه: هذه المنطقة (يعني شمال العراق) عرفت طاغية تلو طاغية اضطهدوا سكانها عندما حكموهم، إلا أجدادنا!

 

فمنذ البداية تتضح شهية المؤسسة العسكرية التركية للهيمنة على العراق وشماله بالتحديد، وبالتحديد أكثر نفط الشمال، ولذلك يتوجه الفيلم منذ البداية للعرب والأكراد لكي يرحبوا بهذه الهيمنة باعتبارها خلاصاً من الاحتلال والفوضى. ومن هنا الترجمة العربية والكردية في النسخة الأصلية في الفيلم، مع العلم أن الكردية ممنوعة في تركيا، ولم يسمح بها على إذاعة خاصة إلا مؤخراً!  ولكن ربما ليست هناك حاجة لأية ترجمة، ففقط نحن العرب من بين شعوب الأرض نحب الاحتلالات الخارجية، ونحن إليها، خاصة إذا كانت من النوع الذي يبقينا في حالة من التخلف المزمن على النمط العثماني.

 

والفيلم ضد العمليات الاستشهادية بامتياز، وهو يعمل ضدها بدوام إضافي، أوفر تايم، بالصورة والكلمة، ومنها خطاب غسان مسعود المشين والمدفوع الثمن ضد العمليات الاستشهادية عندما يلعب دور رجل الدين التقي في الفيلم، ويركز خطابه على نقطتين، أولاً أنها ضد الإسلام، ونحن نعلم أن هذا غير صحيح من خلال فتاوى عشرات العلماء المجاهدين، وثانياً أنها تخدم العدو سياسياً، ونحن نعلم أن هذا أيضاً غير صحيح لأن العدو لم يخسر بشرياً ومعنوياً كما خسر من العمليات الاستشهادية، فيا عيب غسان مسعود على تبني هذا الموقف! 

 

وغسان مسعود الشيخ التقي جداً ينقذ رهينة أمريكية من القتل في الفيلم عندما يدخل على خاطفيه وهم على وشك ذبحه، فيأخذ السيف من أيديهم ويحل وثاقه، ثم يعطيه السيف ويقول للرهينة الأمريكي: "إفعل ما تشاء بهم!"، فيرد الأمريكي بعد أن يرمي السيف أرضاً: "ولكني مجرد صحافي، صحافي، هل تفهم هذا؟".  ولكي لا نأخذ فكرة خاطئة عن الشيخ الوسطي غسان مسعود، يتم فوراً تصوير موقفه أنه أخطر على الأمريكان المحتلين من المقاومة، وتتم مهاجمة غسان مسعود من قائد القوة الأمريكية بالقول وبالقنابل... لإنقاذه وإنقاذ موقفه من تهمة العمالة.

 

     وتتكون بعدها حلقة رقص صوفية حول الشيخ غسان مسعود تصور بطريقة روحانية جذابة، كبديل بالطبع للإسلام السلفي الجهادي.

 

وبالطبع لم يتم اختيار غسان مسعود لهذا الدور صدفةً، فهو الذي لعب دور صلاح الدين في فيلم "مملكة السماء" من قبل!

 

بالصورة، عندما ينفذ أحد المقاومين عملية استشهادية بالجنود الأمريكان، تركز الكاميرا بالبداية على الجرحى والشهداء من بين المدنيين العراقيين، ثم على قتلى وجرحى الجنود الأمريكان، ثم من جديد على الضحايا من المدنيين العراقيين، وبعدها يتم تمجيد الإسلام التركي القائم على الوسطية من خلال شخصية الشيخ الوسطي غسان مسعود.

 

ولكن لا يغرنك هذا!  فالعدو الأول لقائد القوات الخاصة التركية بطل الفيلم، أي مسئول المنطقة الأمريكي، مسيحي أصولي، أما الطبيب الذي يتعاون معه لسرقة الأعضاء من أسرى المعتقلات الأمريكية وبيعها في أمريكا، فيهودي...

 

فالإسلام هنا يمر من خرم إبرة المؤسسة العسكرية التركية ومنظورها السياسي والأيديولوجي، ومشروعها للهيمنة على المنطقة، خاصة شمال العراق.  ومنذ البداية حتى النهاية، يتم تصوير القوات الخاصة التركية الذاهبة للاقتصاص من الأمريكان في العراق كممثل رسمي للمؤسسة العسكرية التركية بدون أدنى مواربة، وعلينا كعرب أو كأكراد أن نقبلهم هكذا.  وهؤلاء الجنود "الأبطال" على طريقة رامبو، الذين لا يموت منهم أحد بالمناسبة وهم يقتلون جندي أمريكي تلو أخر، يبدؤون رحلتهم بقتل "الانفصاليين الأكراد" قبل أن يدخلوا أي معارك مع الأمريكان دفاعاً عن المدنيين الأكراد، ومن ثم يتم إرسال رسائل متكررة ضد قيام دولة كردية في شمال العراق، وهو ما يشكل هاجساً كبيراً للمؤسسة العسكرية التركية.   

 

باختصار، هذا الفيلم، مثل أفلام هوليوود، يشكل مشروعاً لاختراق العقل والفؤاد، ولكن لمصلحة المؤسسة العسكرية التركية هذه المرة، والكردي أو العربي الوحيد المقبول في الفيلم هو ذاك المستعد للتعاون مع المؤسسة العسكرية التركية.  ففي نهاية الفيلم، عندما يلعن أحد أفراد القوات الخاصة التركية الثلاثة الأكراد، يجيبه العضو الأخر من القوات الخاصة التركية: "ولكني أنا كردي"، فيرد الأول، جريحاً ونازفاً: "ولكنك مختلف!" (اقرأ: متعاون معنا).

 

ولننتبه أن الفيلم يخلط ما بين التقاليد العربية والكردية، فالعروس ليلى التي يقتل الأمريكان عريسها ليلة العرس والتي يقنعها الشيخ الوسطي غسان مسعود بعدم القيام بعملية استشهادية ضد المحتلين الأمريكان تلبس ثياباً كردية ولكنها تتحدث بالعربية كإنسانة عربية، وهي تحمل خنجر صلاح الدين الذي تحاول قتل قائد القوة الأمريكية به، ولكنها تفشل، فيقوم قائد القوات الخاصة التركية بقتل قائد القوة الأمريكية في معركة بالأيدي بخنجر صلاح الدين الذي يأخذه من ليلى، ويذرف دموعاً مريرة فوقها عندما تموت بين يديه، والرمزية هنا أن المؤسسة العسكرية التركية تصادر إرث الأكراد وقضية العرب لمصلحتها، بينما تصور نفسها كمنقذ وحيد للعرب والأكراد من فظائع الاحتلال الأمريكي.