(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


Walker Payne ووكر باين:

 فيلم عن فشل الرأسمالية الأمريكية حُكم عليه بالفشل الفني

د. إبراهيم علوش

 

أحياناً، يكون الدليل على نجاح العمل الفني هو فشله التجاري، أو وأده عمداً بالأحرى.  ففي ظل هيمنة منظومة قيمية محددة في الأفلام السينمائية التي تنتجها هوليود، وفي ظل تحول هوليود إلى أداة من أدوات السيطرة الثقافية العالمية وقدرتها المتميزة على إنتاج المعاني الرمزية المحابية لما يسميه الساسة الأمريكيون "نمط الحياة الأمريكية" The American Way of Life على نطاق جماهيري كوني، فإن خروج إحدى الأفلام الهوليودية عن الخط المرسوم أكثر من اللازم يصبح  جريمة تستحق وأد ذلك العمل السينمائي، ولو بلغت موازنته ملايين عديدة من الدولارات.

 

فيلم ووكر باين Walker Payne، من إخراج مات وليمز، عُرض في 27/4/2006 في  مهرجان تربيكا السينمائي السنوي في نيويورك -  وهو مهرجان أطلق عام 2002 كإحدى النشاطات التضامنية مع المدينة بعد أحداث 11 سبتمبر –  فاكتشف أصحاب القرار في هوليود على ما يبدو أنه "خارج عن الخط السياسي" للمؤسسة، فتم خنقه بالإهمال المتعمد وأقلام النقاد... وبإبقائه طي الأدراج أكثر من عامين بعد إنتاجه، ليتم عرضه في بعض الصالات الأمريكية على نطاق ضيق في 26/8/2008، مع نصيحة من النقاد بعدم مشاهدته، حيث تتوفر معلومات عن الفيلم على الإنترنت...  وهي شحيحة جداً، بالرغم من مشاركة عددٍ من الممثلين الأمريكيين المعروفين في الفيلم من الصف الثاني، وبالرغم من الإنفاق على تشييد خلفية للفيلم من الخمسينات.

 

حتى إحدى القنوات الفضائية العربية التي عرضته في شهر حزيران 2009 قدمته بعيداً عن أوقات الذروة، ربما لأن المسؤولين عن قرار البرمجة قيل لهم أن الفيلم فاشل ويمكن استخدامه لملء الأوقات "الميتة" أو قليلة المشاهدة. 

 

ووكر باين فيلم يدخل في فئة "الدراما الاجتماعية" ولكن على خلفية أزمة اقتصادية خانقة تصيب بلدة صغيرة في ولاية إيلينوي الأمريكية عام 1957 بسبب إغلاق منجم الفحم الذي يشكل محور الحياة الاقتصادية فيها.  

 

في الواقع، النتيجة الموضوعية للفيلم هي النقد اللاذع للرأسمالية الأمريكية، وكشف نقاط ضعفها، وكيف تفقِد البشر إنسانيتهم في صراعهم من أجل البقاء، خاصةً في زمن الأزمة...

 

بطل الفيلم ووكر باين (الممثل جيسون باتريك) سجين سابق كان من شروط الإفراج المشروط عنه Parole  بقاؤه ضمن حيز جغرافي محدد حول البلدة، وهو عامل في المنجم الذي يتم إغلاقه مما يؤدي لتسريح كل عماله وموظفيه.  وعندما يخسر وظيفته، يحاول جاهداً الحصول على وظيفة أخرى في البلدة المنكوبة اقتصادياً، لكن بلا جدوى... وفي نفس الوقت، تبدأ طليقته الشرسة بمطالبته بدفع مستحقات النفقة والإعالة إذا أراد أن يرى ابنتيه ويلتقي بهما.   الطليقة لو أن (الممثلة دريا دوماتيو) تعمل نادلة في مطعم صغير، وتعاني من ضائقة مالية بدورها، وفي النهاية تقدم عرضاً واضحاً لطليقها ووكر باين: بإمكانه أن يحتفظ بالبنتين بصورة دائمة، لا أن يراهما فقط، لو قدم لها خمسة آلاف دولار لكي تترك البلدة الصغيرة التي سرقت منها أحلامها ولتتابع دراستها في الجامعة.  والحديث يدور عن العام 1957 طبعاً، حيث القوة الشرائية لخمسة آلاف دولار أكبر بكثير مما هي عليه اليوم.  لكن من أين لووكر باين أن يحصل على هذه الآلاف وهو عاطل عن العمل؟! 

 

هنا تتركب العقدة التي تدفع بووكر باين تدريجياً للتخلي عن إنسانيته بعدما دفعت الأم للتخلي عن ابنتيها لطموحها بالخروج من واقعها البائس:  ووكر باين كان لديه صديق وحيد في الحياة يذهب معه إلى كل مكان، هو كلبه "بروت"، أي الوحش،  وهو كلب من فصيلة البت بلPit bull، وتشكل طبيعة علاقة ووكر باين مع بروت واحدة من أهم علامات إنسانيته التي يفترض أن تحبب الجمهور فيه، خاصة الجمهور الغربي، بينما كل شيء حوله يتهاوى، وهو يتصرف في الظاهر بطريقة لا مبالية ومستهترة.

 

وخلال مشاهدته لإحدى مباريات لعبة البيسبول، يتعرف ووكر على مقامر نصاب من عالم الظلال اسمه سايروس (الممثل سام شيبرد) كان يدير عمليات مراهنة على اللعبة، فيحاول سايروس إقناع ووكر بأنه يمكن أن يجني الكثير من الأرباح لو قبل بإشراك كلبه "بروت" في حلبات قتال الكلاب، التي تجري مراهنات كبيرة حولها، على الهامش... يعيش ووكر بأين أزمة حقيقية هنا، لكنه في النهاية يوافق على إشراك "بروت" في تلك المباريات الوحشية التي يستنكر النقاد إظهارها في الفيلم، وكأن باقي أفلام هوليود تخلو تماماً من العنف والوحشية والقتل، ولم تبقَ وحشية أبداً إلا في هذا الفيلم!!

 

على كل حال، سنترك ما يجري بعدها للمشاهد كي لا نفسد عليه الفيلم، لكن النقطة المفصلية هنا، الموجودة في أفلام أخرى، هي انهيار الرأسمالية المنتجة (المنجم)، وتحول النشاط الاقتصادي إلى المضاربة والمقامرة (جني المال من الراهنات على لعبة قتال الكلاب)... وهذه الخيط الدرامي يعكس الواقع الاقتصادي الأمريكي في عدد من أفلام هوليود، منها مثلاً فيلم Walking Tall من العام 2004 عن عودة جندي أمريكي من القتال إلى بلدته ليجد أن مصنع الخشب الذي يشكل محورها الاقتصادي قد أغلق وحل محله نادٍ للقمار...   لكن في تلك الأفلام، التي تعالج نفس الموضوع، ينبري شخص من داخل النظام، أو يتحول البطل إلى شرطي أو رئيس بلدية أو ما شابه ليكافح الفساد التي تتم نسبته لأشخاص، وليس لبنية النظام.  هنا، في فيلم ووكر باين، لا يوجد شيء من هذا القبيل: النصاب المقامر يجني المال، والأم تبيع ابنتيها، ووكر باين يلاقي نهاية غير سعيدة بعد فشل كل جهوده لإيجاد حل فردي خارج إطار القانون.  ومن هنا إدانة الفيلم ووأده حياً.

 

البحث عن الحل الفردي، على أنقاض الآخرين، عنوان هوليودي دائم، وإلى هنا لا يختلف فيلم ووكر باين عن غيره، لولا أن نهايته تظهر فشل وعقم الحل الفردي...  وهذه النهاية غير السعيدة كانت واحدة من الأشياء التي استفزت النقاد كما أشار أكثر من واحد منهم مباشرةً...  وهي تظهر عملياً عجز الرأسمالية الأمريكية عن إيجاد حلول عملية للناس في أوقات الأزمة، حتى لو كان من الممكن أن يفسر المرء تلك النهاية غير السعيدة بأنها عاقبة السلوك غير الأخلاقي أو غير القانوني لووكر باين، وهو تفسير ممكن أيضاً للفيلم.  لكن النهاية تترك هامشاً واسعاً لإثارة حقد حقيقي على النظام الذي يجعل البشر يفقدون إنسانيتهم ويدخلون في علاقات ذئبية مع بعضهم البعض، ليس لأنهم أشرار بطبيعتهم، بل لأن الرأسمالية الأمريكية تدفعهم ليصبحوا كذلك...  فحتى النصاب المقامر سايروس لا يظهر كشخص شره أو متوحش، على العكس، يظهر كجنتلمان يعرف الأصول ولا يغش أحداً، بل يجري صفقات تدر الربح المتبادل على الجميع لو أن القانون لا يقرها.  أما ووكر باين فيمثل صراعه مع ذاته ضد المسار اللاإنساني الذي يجد نفسه سائراً في ركابه واحداً من أهم المعالم الدرامية للفيلم، وهو لا يصل في أي نقطة لمرحلة اللاعودة في بيعه لإنسانيته من أجل المال، كما حدث مع طليقته.

 

باختصار، ووكر باين فيلم يفتح الباب واسعاً أمام نقد حقيقي للرأسمالية الأمريكية، ولا يترك منافذ أو مخارج مقنعة لها في تدميرها للصناعة، وللإنسان، وهو ليس فيلماً ثورياً مثلاً أو تعبوياً، ولا يمكن اعتباره فيلماً مسييساً حتى، لولاً أنه يضع الرأسمالية الأمريكية على مقعد الاتهام كنتيجة موضوعية بدون أي ملطفات.