(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


غزة!

 

د. إبراهيم علوش

 

لا يجوز اختزال الحصار الظالم المفروض على أهلنا في غزة إلى بعد إنساني فحسب، بل هو قرار سياسي يشترك به أكثر من طرف عربي ودولي، والأهم، أن السلطة الفلسطينية طرف رئيسي في هذا الحصار كما رشح أكثر من مرة من خلال وسائل الإعلام العبرية والعالمية.

 

والمعادلة التي تتبناها بعض قوى المقاومة الفلسطينية بأن "حكومة الوحدة الوطنية" هي وحدها الكفيلة بإسقاط الحصار على غزة تعاني من خلل جوهري على أكثر من صعيد، وكأن من يطلق هذا الحكم يعيش في الغيوم خارج هذا الواقع، فتوسل الحوار مع محمود عباس لا يليق أولاً بقوى المقاومة، ومن جهة أخرى، فإن "حكومة الوحدة الوطنية" كانت مهمتها جر حماس للقبول بشروط الرباعية، خاصة بعد "وثيقة الأسرى" واتفاق مكة والقبول بمرجعية "الشرعية العربية والدولية"، والحديث عن "هدنة مطووووووووووووووولة" مع العدو الصهيوني، وترك ملف التفاوض لجماعة السلطة.  وبالتالي فإن الحديث عن حل مشكلة حصار غزة من خلال "حكومة وحدة وطنية" لا يكتسب أي معنى إلا إذا اقترن بقبول حماس لشروط الرباعية، وإذا تخلت عن كتائب القسام، وسلمت غزة لجماعة التنسيق الأمني مع العدو الصهيوني. 

 

أما طالما لم تقبل حماس بهذه الشروط، فإن الحديث عن "حكومة وحدة وطنية" كمخرج لحصار غزة يصبح ضرباً من تسويق الأوهام.  ويخطئ من يظن أنه يحرج السلطة الفلسطينية بهذا المطلب في الشارع الفلسطيني، أو أنه يمكن أن يدفع السلطة لابتلاع خسارتها لغزة هكذا.   فهذا لن تقف في وجهه دولة العدو الصهيوني فحسب، بل الإدارة الأمريكية أيضاً، وبعض الأنظمة العربية.

 

والسلطة لا تملك قرارها أصلاً، كما أنها تجاوزت مرحلة الإحراج منذ أمدٍ بعيد...

 

وبالتالي، طالما تُقدم حماس والقوى والشخصيات الملتئمة في المؤتمر الوطني الفلسطيني في دمشق، باعتبار برنامجها السياسي يتمحور حول "الوحدة الوطنية الفلسطينية" مع جهة غير وطنية أصلاً هي السلطة الفلسطينية، فإنها تقدم نفسها فعلياً كمعارضة موالية حريصة على تصحيح المسار وليس على قلبه من الأساس، وهو ما قد يوحي بأن التضحيات الجمة المقدمة لهذا الغرض بالذات هي تضحيات مجانية، ويمكن أن تتم الاستعاضة عنها بممارسة الضغوط "السلمية" من داخل أطر السلطة نفسها.

 

ويشار إلى أن النقطة الأولى على بطاقة الدعوة لمؤتمر دمشق هي "دولة فلسطينية بحدود ال67" بالمناسبة... فالسؤال يصبح هنا: إذا كان هذا هو الهدف، فما الفرق الحقيقي ما بين برنامج السلطة وبرنامج المعارضة؟  ولم تتعرض غزة لكل هذا الحصار؟!  وإذا كانت حماس تريد نفس ما تريده السلطة بالضبط، فلماذا لا تسلم أمرها للسلطة؟!

 

لا بد لحماس إذن أن تلتزم رسمياً بخط المقاومة والتحرير، وأن تحسم أمرها مع السلطة الفلسطينية دون الالتفات للوراء، وأن تعلن غزة أرضاً عربية إسلامية محررة على هذا الأساس، كي يكون لهذا الدفق من التضحيات معنى أكبر من معنى التنازع مع السلطة الفلسطينية على احتلال نفس المواقع وتمثيل ذات الشعارات...

 

وعلى هذا الأساس تصبح لدعوة الجماهير العربية للتحرك صدىً أقوى، ومصداقيةً أكبر، وفائدةً أعم.

 

ولنكن واضحين: المطلوب الآن ببساطة هو تحرك شعبي عربي هادر يهز الأرض ويقلب الموازين، تحرك لا يطلب تصريحات رسمية من أحد، ولا يقف عند أي خطوط حمراء، ويتعامل مع كل عائق بيننا وبين العدو باعتباره عدو.

 

هل نريد إنقاذ غزة فعلاً؟  إذا كان الجواب هو نعم، فالمفتاح في شوارع القاهرة وعمان وجدة والرباط والمنامة وصنعاء ونواكشوط... ولنعترف أن الحصار رسمي عربي بالأساس، رسمي مصري عند معبر رفح، ورسمي مصري وغير مصري عند كل المعابر الأخرى المرئية وغير المرئية.  ومثل هذا الحصار لا يفكه إلا تحرك شعبي هادر لا يقف عند حدود، تحرك يغلق السفارات الصهيونية ويشل وزن الطرف الأمريكي-الصهيوني بالكامل في السياسة العربية.  فما هو مستوى الجدية والمصداقية، والشعار السياسي والخطاب، الذي يمكن أن يدفع الشارع العربي فعلاً بهذا الاتجاه؟!