(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
د.إبراهيم علوش
من المنظور الوطني والقومي، تتميز مواقف بعض اليساريين في القضايا المطروحة على الساحة العربية بأنها: 1) أضعف مما يجب تجاه الغزاة اليهود في فلسطين وتجاه الأطراف المستعدة لعقد الصفقات معهم، و2) أنها أقسى مما يجب تجاه تيار الإسلام الجهادي الذي يقارع الطرف الأمريكي-الصهيوني في فلسطين وغيرها.
تنسحب هذه الملاحظة على تيار واسع من اليساريين العرب داخل وخارج الأحزاب الشيوعية العربية من الذين يتذمرون من العمليات الاستشهادية وينادون بالتعايش مع اليهود في فلسطين تحت شعار الدولتين أو غيرها، وممن يعتبرون في الآن عينه أن المشروع السياسي لتيار الإسلام الجهادي لا يقل سوءاً، برأيهم، عن المشروع الأمريكي الذي ذهبت القيادة الرسمية للحزب الشيوعي العراقي إلى حد التعاون السافر معه وهو ما حيته صحيفة الحزب الشيوعي الأردني على سبيل المثال.
ومن البديهي أن هذه السطور لا تتناول اليساريين الذين يمارسون العمليات الاستشهادية، ككتائب الشهيد أبو علي مصطفى مثلاً، كما أنها تستثني بالضرورة اليساريين من أصحاب التوجه القومي الذين يميلون عادةً للتركيز على نقاط الاتفاق مع التيارات الأخرى المعادية للإمبريالية حتى لو اختلفوا عنها أيديولوجياً، والذين تجاوزوا منذ عقودٍ خلت معظم النقاط المطروحة في هذه المعالجة.
وليس القصد هنا تحليل الأبعاد السياسية أو الشخصية لظاهرة رخاوة الموقف "اليسراوي" في القضايا الوطنية والقومية الكبرى، بل القصد إلقاء الضوء على بعض الخلفيات الأيديولوجية لهذه الظاهرة بهدف الإسهام في معالجتها. ولا بد من التذكير هنا أن المناضلين الشيوعيين لعبوا في الماضي دوراً مهماً في عدة بلدان عربية على صعيد: 1) نقابي، و2) مقاومة الأحلاف الإمبريالية، فتعرضوا من جراء ذلك للقمع والاعتقال والتصفية كغيرهم من المناضلين، وهو ما يجب الاعتراف به حتى لو اختلف المرء معهم مثلاً حول فلسطين والعمل المسلح والوحدة العربية، لا بل حول فهمهم للماركسية نفسها. هذا فضلاً عن ما لليسار اليوم من أهمية في مقاومة وفهم ظاهرة العولمة الإمبريالية من أمريكا الجنوبية إلى كوريا الجنوبية. ولذلك، فإن السعي لرأب الصدع وصولاً لإيجاد نقاط اتفاق مع كوادر وقواعد اليساريين العرب يصبح لا غنى عنه لتأسيس تيار شعبي عربي عريض مناهض للطرف الأمريكي-الصهيوني في هذه المرحلة من تاريخنا، مرحلة التحرر الوطني والقومي، وهو ما لا يتعارض على الإطلاق مع، لا بل يتطلب، وضع النقاط على الحروف في الموقف الوطني والقومي.
- حول مشكلة الإسقاط الميكانيكي للنظرية: في الفكر الماركسي، ينقسم المجتمع الرأسمالي إلى طبقة تملك وسائل الإنتاج وأخرى تبيع قوة عملها، أي ينقسم المجتمع أفقياً إلى برجوازيين وبروليتاريين. وينتج عن هذا الانقسام صراعٌ طبقيٌ، مستتر أو ظاهر، يصبح بحد ذاته العقدة المركزية الأهم التي تنعكس بشكلٍ أو بآخر على كل مستويات الوجود الاجتماعي من حيز الفكر إلى حيز السياسة إلى حيز القانون إلى الحيز الأهم، حيز الاقتصاد. ومن هنا، فإن الرؤية الماركسية التقليدية تعتبر أن المشكلة الاجتماعية، أي مشكلة الصراع الطبقي، والمشكلة المتفرعة عنها، أي الصراع على توزيع الثروة والسلطة بين طبقة المستغِلين وطبقة المستغَلين في المجتمع، المشكلة الأهم التي يجب أن تحظى بالأولوية الأولى لدي أي يساري حقيقي.
وباستثناء موقع المرء في الهرم الاقتصادي-الاجتماعي، الذي يحدد موقعه الطبقي في المجتمع من خلال علاقته بملكية وسائل الإنتاج كالمصانع مثلاً، فإن أي تقسيم أخر قومي أو عرقي أو ديني أو ثقافي بين الناس يعتبر ذراً للرماد في العيون، وتقليلاً من أهمية المشكلة الاجتماعية، مشكلة الصراع بين العمل المأجور والرأسمال. ومن هنا، اعتبر ماركس أن عمال العالم أخوة لا تفصلهم حواجز قومية بل يوحدهم العمل المأجور في مواجهة مالكي وسائل الإنتاج على مختلف قومياتهم، وأطلق إثر ذلك دعوته الأممية تحت شعار: يا عمال العالم اتحدوا!
وفي الحرب العالمية الأولى بين عامي 1914 – 1918، وقف معظم قادة الأحزاب الاشتراكية-الديموقراطية في أوروبا الغربية مع برجوازياتهم القومية التي استخدمت العمال وقوداً لمنافسة دموية بين هذه البرجوازيات، وهو ما اعتبره لينين خيانة للماركسية والطبقة العاملة، الأمر الذي عزز من موقف الماركسيين السلبي عموماً من قضية الحس الوطني والانتماء القومي.
وقبل الدخول في موقف لينين والأممية الثالثة التي أسسها الإيجابي جداً من حركات التحرر المناهضة للإمبريالية في الدول المستعمرة وشبه المستعمرة، لا بد من التوقف لحظة عند هذا المفصل الحساس، أي عند التطبيق الحرفي للموقف المبدئي القائل أن القضية الاجتماعية تأتي أولاً، وأن الحس القومي يغطي على التناقض الطبقي بين المستغِل والمستغَل ضمن المجتمع، إذ يبدو أن بعض اليساريين العرب انزلق لممارسة مثل هذا الإسقاط الميكانيكي على واقعنا خارج السياق...
مرة أخرى لا نعمم، ولكن العاقبة المنطقية لذلك الإسقاط أمست عند بعض اليساريين السعي للتجرد من كل انتماء قومي وحضاري توهماً أن في ذلك ما يخدم قضية المستغَلين التي تبنوها. فهنا تصبح الهوية القومية والحضارية شائبة وعائقاً لا بد من التخلص منه، فباتوا كأنهم يطبقون بصورة مقلوبة مقولة مظفر النواب: ويزيدك عمق الكشف غموضاً! فصار مقياس الوعي النظري، ومقياس الالتزام بقضية الطبقة العاملة، هو القدرة على التجرد من الارتباط القومي والحضاري، وهكذا أضحى الحديث عن يسار "إسرائيلي" منطقياً ضمن هذا السياق. لا بل أني سمعت من شيوعي قضى سنوات عديدة في سجون أحد الأنظمة العربية أن "التطبيع" مفهوم برجوازي لأنه لا يميز بين الطبقات المختلفة في المجتمع "الإسرائيلي"! وكذلك يصبح منطقياً أيضاً، حسب هذا الإسقاط الميكانيكي، التبرم من التعصب القومي للبعث والناصرية وغيرها من التيارات القومية باعتبارها لا تميز بما يكفي بين المستغِل والمستغَل العربيين، بل توحدهما أحياناً في مواجهة العامل واليساري اليهودي الذي يصبح هنا ضحية، أو مانعة صواعق، لمصلحة شرائح حاكمة في بلدان عربية أو غربية، حسب هذا التحليل.
ونلاحظ التشديد النظري في صفوف هذا التيار على الموقف من الإمبريالية البريطانية ثم الأمريكية التي تستغل، حسب هذا المنطق، "المهاجرين" اليهود لتحقيق مصالحها في المنطقة العربية، الأمر الذي يستدعي تكثيف العمل السياسي فيما بينهم، وليس قتلهم لمجرد أنهم ولدواً يهوداً في فلسطين أو غيرها! ويتحول هذا التشديد النظري على العداء للإمبريالية، الذي يفترض به هنا أن يخفف العداء لليهود أساساً، إلى دعوة للتعاون مع الإمبريالية كما رأينا عند قيادة الحزب الشيوعي العراقي وبعض الماركسيين السابقين الذين يكتبون اليوم في صحيفة الحياة مثلاً...
والسبب بكل بساطة أن الموقف الإيجابي من اليهود في فلسطين يعكس بالأساس خللاً في رؤية الواقع الإقليمي وفي تشخيص تناقضاته الأساسية. فالمجتمع "الإسرائيلي" ليس مجتمعاًَ طبيعياً مثل المجتمع الفرنسي أو الألماني أو غيره، وليس اليهود في فلسطين مجرد مهاجرين حتى تنطبق عليهم قوانين حركة المجتمعات الطبيعية، بل هم غزاة كما القوات الأمريكية والبريطانية في العراق اليوم وكل من أتى معها جزء من حملة غزو، ولذلك يجب التعامل معهم كغزاة بكل الأدوات المتوفرة بأيدينا كمجتمع لا يملك أسلحة متقدمة أصلاً.
المهم، المشكلة هي مشكلة الإسقاط الميكانيكي على واقع غير الواقع الذي أنتج ماركس. فالعقدة المركزية التي تتحكم ببلادنا منذ أكثر من قرن هي الصراع مع الإمبريالية وأدواتها، وعلى رأسها الحركة الصهيونية العالمية التي أنتجت بالتعاون مع الإمبريالية المجتمع اليهودي في فلسطين والهجرة اليهودية إليها (وليس صراعاً طبقياً داخل المجتمع "الإسرائيلي" المصطنع!). ويمكن اعتبار هذه العقدة المركزية، من منظور ماركسي إذا شئتم، صراعاً طبقياً بين الطبقات الشعبية في الوطن العربي من جهة، وبين الإمبريالية وأدواتها المحلية واليهودية من جهة أخرى. ولا يتناقض هذا مع أن لذلك الصراع أبعاداً قومية وحضارية مختلفة، كما أن له أبعاداً جغرافية سياسية، تلعب فيها القوى المناهضة عملياً للطرف الأمريكي-الصهيوني، من بن لادن إلى البعث في العراق إلى حزب الله في جنوب لبنان إلى حماس والجهاد والأقصى في فلسطين، دوراً تقدمياً لمصلحة كل البشرية بقدر معاداتها للإمبريالية، حتى لو اختلفت مع بعضها أو مع القارئ في هذه النقطة أو تلك ...
على كل حال، حتى لا تضيع عواقب الإسقاط الميكانيكي للنظرية الماركسية على الواقع العربي على موقف بعض اليساريين السلبي من القومية العربية، أو من الإسلام كانتماء حضاري للأمة، في زحمة الخلاف حول الاستنتاج الأخير، إليكم مثالٌ آخر: إحدى اليساريات العربيات تقمصت فكر الجماعات النسوية في الغرب حول تقسيم المجتمع البشري على قاعدة الصراع الجنسوي بين الرجل والمرأة، والنتيجة المنطقية لذلك تصبح أن المرأة العربية واليهودية تصبحان أقرب لبعضهما من عدوهما المشترك: الرجل! وهذا الطرح، فضلاً عن أنه يغفل دور المرأة اليهودية التي تشارك باضطهاد المرأة العربية من خلال الهجرة إلى فلسطين ومجرد التواجد فيها، فإنه يصبح مدخلاً لتعهير قضايا المضطهدين عموماً في الوطن العربي بحجج إنسانية ويسارية الظاهر تخدم الطرف الأمريكي-الصهيوني في المضمون، وبالتالي لا يمكن لها أن تخدم المرأة أو الطفل أو البيئة أو الفقراء أو غيرهم في الوطن العربي.
- حول الموقف المختل من فكرة التحرر القومي: وإذ جاء لينين ليعلن أن الحركات القومية التحررية في البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة هي عموماً ذات طابع تقدمي بقدر معاداتها للإمبريالية، وأن النفس القومي الرجعي والشوفيني هو ذاك الذي يغطي النزعة الإمبريالية والنزعة العسكرية في الدول الرأسمالية المتقدمة، فإن ذلك الطرح أسهم بإنتاج صنفٍ من اليساريين القوميين في دول العالم المستعمرة وشبه المستعمرة ممن يطرح أساساً برنامجاً قومياً مناهضاً للإمبريالية. فالتحرير والوحدة والتنمية دون تبعية كانت برنامج الحزب الشيوعي الصيني في ظل ماو تسي تونغ، كما كان التحرير والوحدة برنامج الحزب الشيوعي الفيتنامي وهوشي منه. ويقول الباحثون الأمريكيون في الكثير من مقالاتهم ودراساتهم عن الصين وفيتنام أن الشعب في البلدين كان لا يحب الشيوعية كثيراً ولا يميل إليها لولا أن النخب الشيوعية في البلدين أثبتت قدرتها على تحقيق برنامج التحرر القومي. وكذلك في كوبا، لم يبدأ كاسترو اشتراكياً، ولكنه ورفاقه استنتجوا بالتجربة، وكانت حركة تحررهم قد ولدت خارج الحزب الشيوعي الكوبي، أن كوبا الرأسمالية لا يمكن أن تكون مستقلة عن أمريكا، أي أنهم استنتجوا الاشتراكية من الحس الوطني، وهو نفسه ما أوصل عبد الناصر وغيره من زعماء الدول المستقلة حديثاً في جنوب الكرة الأرضية من القوميين غير اليساريين لاستنتاجات مشابهة حول ضرورة تطبيق إجراءات اشتراكية في تلك المرحلة.
ولكن هؤلاء اليساريين القوميين من النمط الصيني والفيتنامي والكوبي، وحتى من نمط تيتو في يوغوسلافيا، لم يجدوا امتداداً حقيقياً لهم في الوطن العربي باستثناء المساهمة النظرية لمدرسة ياسين الحافظ والياس مرقص ومن تأثر بهم فكرياً، وهي مدرسة يسارية عربية رائدة لم تسقط الماركسية ميكانيكياً على واقعنا العربي، دون أن تفلح في إنتاج حزب وتيار شعبي يؤازره. وكانت النتيجة أن الشعوب الأخرى أنتج يسارها حركات تحرر ووحدة قومية وقادة تاريخيين مثل هوشي منه وفيديل كاسترو، بينما أنتج يسارنا رخاوة وطنية وقومية وانتهازيين صغار جداً مثل ياسر عبد ربه (صاحب وثيقة جنيف للتخلي عن حق العودة) وفخري كريم زنجنة (ممثل الحزب الشيوعي العراقي-الأمريكي).
وليس من المستهجن في جو الاختلاط هذا أن تتغطى بعض الشخصيات والقوى المرتبطة بالطرف الأمريكي-الصهيوني بالخطاب "اليساري" ما دام اليسار ككل لم يقدم على قطيعة سياسية ومعرفية كاملة مع الاتجاهات الليبرالية والانتهازية في صفوفه، وما دام عدم القدرة على تشخيص الواقع العربي بصورة سليمة قد جعل بعض اليساريين العرب أقرب موضوعياً لليسار الصهيوني منهم للتيارين القومي والإسلامي كما يفترض أن يكونوا. فلماذا لا تستغل الأجهزة الأمنية هذه الثغرة، كما تستغل غيرها، وقد أصبح بعض اليساريين أبواقاً لأنظمتهم في مواجهة من يسمونهم بالأصوليين و"المتطرفين" وما شابه؟!
الخلاصة أن تشخيص التناقض الأساسي هو الذي يحدد البرنامج السياسي وطبيعته وخريطة التحالفات. واليساريون العرب الذين يرون في اليهودي الغاصب في فلسطين صديقاً محتملاً ويرون في المجاهد الإسلامي خصماً حقيقياً لا يخدمون قضية الكادحين العرب على الإطلاق. فلو كان الوطن العربي موحد السوق في دولة قومية، ولو لم تتدخل الدول الإمبريالية في النصف الأول من القرن التاسع عشر لمنع محمد علي باشا من إنجاز ثورته الصناعية والمعرفية التي بدأها آنذاك، ولو نتج عن ذلك صناعة هي وحدها القادرة أن تنتج طبقة البروليتاريا، لكان في نموذج الصراع الطبقي الكلاسيكي وجهة نظر.
ولكن عندما يكون الوطن العربي مجزأَ، واقتصاده تابعاً ومتخلفاً ومفككاً، وأرضه محتلة بشكل مباشر أو غير مباشر، ولم تنجز فيه بعض أبسط الإنجازات التي حققتها البرجوازية في أوروبا، وعندما تتجدد في ظل العولمة الهجمة على الهوية القومية والانتماء الحضاري (أي على العروبة والإسلام) لمصلحة الشركات متعدية الحدود، فإن تشخيص التناقض الرئيسي يجب أن يختلف بالضرورة، ومعه تشخيص المهمات والمرحلة.
- خلاصة حول الصراع الأيديولوجي: فاليوم كل من يقاومون الطرف الأمريكي-الصهيوني حلفاء موضوعيون. وعلى اليساريين، كما على غيرهم، أن يروا أن المعركة لم تعد أيديولوجية الطابع أساساً بين التيارات الماركسية والقومية والإسلامية في الوطن العربي. بل أن انتقال مركز ثقل الصراع السياسي في بلادنا من الميدان الاجتماعي الداخلي (القطري؟) الصرف إلى حلبة الجغرافية السياسية والتأثيرات الإقليمية عبر الحدود جعل الصراعات العقائدية الأهم تلك الدائرة بين النزعات الانتهازية والنزعات المبدئية داخل كل واحد من هذه التيارات؛ بين الإسلام "المعتدل" الذي تعمل أمريكا لإنتاجه من جهة والإسلام الجهادي الذي يناهض الطرف الأمريكي-الصهيوني من جهة أخرى؛ وبين القوميين الرسميين من جهة، ومنهم من يدعي القومية ويطرح ثنائية القومية في فلسطين وهي التي تنفي عروبة فلسطين، وبين قوميي المقاومة والموقف المبدئي؛ وبين اليسار الانتهازي من جهة واليسار الثوري من جهة أخرى، وهي المعادلة القائمة منذ نشأ اليسار.
ولنلاحظ أن محور الصراع بالنسبة للتيارات الثلاث كان وسيبقى في المدى المنظور موقف كل فرد أو جماعة من الطرف الأمريكي-الصهيوني وأدواته سياساته ومشاريعه، أي موقف كل فرد أو جماعة من الثوابت الوطنية والقومية في هذه المرحلة من تاريخنا. فمن تساهل خان، ومن ثبت صار المعبر الحقيقي لا عن تياره فحسب، بل عن طموحات الشعب وآماله، خاصة المستضعفين فيه. وبما أننا في سياق الحديث عن اليسار، فإن المسائل المطروحة على بساط البحث لم تعد الوحدة العربية والاعتراف بحق دولة العدو بالوجود فحسب، بل الموقف من العمليات الاستشهادية ومن الإسلام الجهادي والعوائق الموضوعية في الصراع المستعر اليوم مع الطرف الأمريكي-الصهيوني. أما من الذي سيملك في النهاية أن يطبق برنامجه الثقافي الاجتماعي والاقتصادي، فليست مسألة تحسم بالقلم أو في الغرف المغلقة، بل على الأرض، والطرف الذي سيكسب مصداقية أكبر في الصراع مع العدو، هو الطرف الذي سيتبنى شعبنا برنامجه، تماماً كان الحال في فيتنام والصين وكوبا.