(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


حول أوهام العمل العربي والإسلامي من داخل النظام السياسي الأمريكي

بقلم: محمد أبو نصر/ كاتب مقيم في الولايات المتحدة

ترجمة: إبراهيم علوش



وزع مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (كير) مقالة على الإنترنت يوم 5 أيار/مايو 2003 حول صعود قوة اللوبي اليهودي في الكونغرس الأمريكي، وكانت تلك المقالة مثالاً نموذجياً للأضاليل الذي تلقي بها كير فوق رؤوس العرب والمسلمين في الولايات المتحدة. والفحوى دائماً يدور حول الفكرة نفسها: "اليهود يملكون نفوذاً وتأثيراً كبيرين، ولذلك يجب أن نتعلم منهم كيفية التأثير على مؤسسة الحكم الأمريكية لتحقيق مصالحنا أو على الأقل لإبطال تأثيرهم على تلك المؤسسة، والقضية كلها تتخلص بالاندماج بالنظام السياسي من أجل ممارسة حقوقنا الديموقراطية في أمريكا". نعم، هذا هو الفحوى الأساسي لمقالة كير عن صعود قوة اللوبي اليهودي، والفحوى الأساسي لآلاف المقالات والتصريحات الأخرى من كير واللجنة العربية الأمريكية لمكافحة التمييز وغيرها من المنظمات والشخصيات الليبرالية التي تروج بين العرب والمسلمين فكرة العمل من داخل النظام الأمريكي. ويأتي هذا الرد على مقالة كير، التي تجدونها أدناه، كمدخل للرد على كل الدعوات العربية والإسلامية للعمل من داخل النظام السياسي الأمريكي.



في البداية، نشير إلى أن مقالة كير الأخيرة عن اللوبي الصهيوني تعكس قبولاً ساذجاً للنظرية السياسية الأمريكية حول تشكل ما يسمى باللوبي ومجموعات الضغط. وهي نظرية تتجاهل تماماً، جرياً على عادة القيم السياسية الأمريكية السائدة، الشروط الاجتماعية-الاقتصادية والطبقات الاجتماعية التي تعمل ضمنها اللوبيات في الكونغرس.



فمؤلفة الأطروحة التي يعتمد عليها السيد علاء البيومي في مقالته، واسمها كارول سيلفرمن، هي على الأرجح يهودية كما يوحي اسمها، وبالإضافة إلى ذلك العامل، فإن حقيقة كون دراستها قد عرضت في جامعة أمريكية يدل بالضرورة على أن تلك الدراسة لن تتطرق إلى منطقة محظورة أو غير مقبولة سياسياً في الجامعات الأمريكية الأساسية وهي منطقة مصالح الطبقات الاجتماعية.


وما تهمله دراسة سيلفرمن، بالتالي، هو كامل أبعاد القوة الاقتصادية اليهودية في الولايات المتحدة، خاصة في ظل الاقتصاد المعولم الجديد. فهذه هي بالضبط القوة الاقتصادية التي سهلت قيام اللوبي اليهودي-الصهيوني. فالقوة الاقتصادية اليهودية تشكل مفتاحاً ضرورياً لفهم كل ظاهرة الدور اليهودي في الحياة السياسية الأمريكية.



بالرغم من ذلك، عندما نذهب إلى نهاية مقالة الأستاذ بيومي حيث يقدم لنا ستة دروس في كيفية قيام العرب والمسلمين في أمريكا بمحاكاة اليهود والتفوق عليهم، على حد قوله، فأنه يتبع منهج سيلفرمن، فيهمل الإشارة إلى الشرط الأساس، وهو أن المسلمين في أمريكا، إذا أرادوا تقليد اليهود، فإن عليهم أن يصلوا أولاً إلى نقطة ممارسة قوة اقتصادية هائلة كجالية متحدة تكون في الآن عينه جزءاً لا يتجزأ من المؤسسة الإمبريالية الأمريكية.



ثانياً، إن القوة اليهودية-الصهيونية في أمريكا لا تتلخص فقط في أيباك أو اللوبي الصهيوني في الكونغرس الأمريكي، بل أن هذا اللوبي نفسه ليس سوى أحد الأجزاء الأوضح نسبياً في ظاهرة أكبر بكثير هي ظاهرة القوة اليهودية في الولايات المتحدة. فبالإضافة إلى الأيباك، تلمس القوة اليهودية-الصهيونية مثلاً في سيطرتها على وسائل الإعلام والترفيه، وهي حقيقة عبرت عن نفسها مراراً في السنوات الأخيرة. وبفضل هذا التأثير وحده يستطيع اللوبي اليهودي-الصهيوني أن يقولب الآراء السياسية للمواطن الأمريكي من الرأس حتى أخمص القدمين، ونتيجةً لذلك التأثير، على سبيل المثال، أصبح "طبيعياً" اليوم في أمريكا أن تعتبر "المحرقة" الأسطورية نقطة تحول كل التاريخ المعاصر بحيث أن كل البشرية، خاصة العرب والمسلمين، عليهم أن يتنحوا جانباً وأن يسمحوا لليهود باحتلال فلسطين وبالسيطرة على المنطقة العربية بحجة أنهم عانوا كثيراً على يد النازيين في "المحرقة" المزعومة.



بيد أن القوة اليهودية الصهيونية ليست مقتصرة على وسائل الإعلام والترفيه فحسب. فالمال اليهودي تركز تقليدياً في القطاعات غير المنتجة، لا في الصناعات الثقيلة مثل صناعة السيارات مثلاً أو في البناء أو الفولاذ، بل في المصارف والتمويل والأسهم والسندات والعملات الصعبة. وبعد أن فك الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون ارتباط الدولار بالذهب عام 1973، ازدهر رأس المال المضارب، مما دفع بالمصالح اليهودية إلى الأمام قطاعاً بعد قطاع في الاقتصاد المتعولم والمضارب بتسارع كبير في الثمانينات والتسعينات.


فاليوم لا يتمثل النفوذ اليهودي-الصهيوني ببساطة بمجموعة خبراء العلاقات العامة اليهود القادرين على التحدث بلباقة، على ظن البعض، الذين يدعون نواب الكونغرس إلى الغداء ويقدمون لهم رحلات مجانية إلى فلسطين المحتلة. بل أن هذا النفوذ اليوم موجودٌ كما نعلم داخل البيت الأبيض ووزارة الدفاع كما لم يوجد من قبل، وهي الظاهرة التي أفصحت عن نفسها في ظل بيل كلينتون، ولكنها أيضاً الظاهرة التي تفاقمت في ظل الرئيس الحالي بوش الابن. والمسؤولون الأمريكيون مثل ريتشارد بيرل وبول ولفوويتز ودوغلاس فيث وغيرهم ليسوا أعضاءً في اللوبي اليهودي، بل هم أعضاء كاملو العضوية في الحلقة الداخلية التي تصنع السياسة في واشنطن، وهم صهاينة إلى درجة أنهم كانوا مستشاري نتنياهو في الوقت نفسه الذي عملوا فيه في الحكومة الأمريكية.



ثالثاً، يهمل الأستاذ البيومي هذه الحقائق الجوهرية، وهو عندما يفعل ذلك، ولكنه يوعظ في الآن عينه العرب والمسلمين بالحاجة إلى "المشاركة" في الحياة "الديموقراطية" الأمريكية، بالاعتماد على خبراء ضالعين في الآلة السياسية الأمريكية، على حد قوله، مع أخذ وجهة نظر واسعة الأفق حول الدور الإسلامي في الحياة الأمريكية، فإنه يكون قد قدم وصفة لانتحار الجالية الإسلامية سياسياً في الولايات المتحدة الأمريكية، لا لتعزيز قوتها ونفوذها.


فإنك لا تستطيع أن تقارن موقع اليهود في أمريكا الذين يملكون حصة أساسية في الاقتصاد الأمريكي، وبالتالي في عدوانية الإمبريالية الأمريكية عموماً، بموقع العرب والمسلمين في أمريكا الذين لا يملكون حضوراً متميزاً في العالم الرأسمالي الأمريكي، على الأقل كجالية متحدة المصالح ومتبلورة الوعي لذاتها مثل اليهود. بالطبع، يوجد أفراد رأسماليون عرب ومسلمون يلعبون دور وسطاء وهؤلاء يتم استيعابهم تماماً من باقي رأس المال الأمريكي، فهو الذي يوظفهم وليسوا هم الذين يوظفوه.



رابعاً، يهمل الأستاذ بيومي حقيقة أساسية أخرى وهي أن سبب دعم الإمبريالية في أمريكا، وفي أوروبا قبلها، للحركة الصهيونية يعود لتقاطع المصالح بين الطرفين، لا بسبب العلاقات العامة الذكية للوبي الصهيوني، حتى لو افترضنا جدلاً عدم وجود قوة اقتصادية يهودية متميزة في العالم. فأوروبا الاستعمارية رأت من مصلحتها أن تنشاً دولة الكيان الصهيوني في أواسط القرن التاسع عشر لمنع قيام الوحدة العربية، والإمبريالية ما زالت مستمرة بدعم الكيان الصهيوني لنفس السبب: تقاطع المصالح والحاجة الإمبريالية-الصهيونية المشتركة لإبقاء الوطن العربي ضعيفاً ومجزأً. وشتان ما بين هذا الموقع وموقع العرب والمسلمين الأمريكيين الذين يضرون بالمصالح الإمبريالية في الهيمنة على موارد وجغرافية المنطقة العربية بقدر ما ينجحون في عملهم لتحرير فلسطين وتوحيد الوطن العربي.



وبيت القصيد هنا هو أن الرأسماليين اليهود الكبار بمصالحهم الصهيونية يتقاطعون تماماً مع المصالح الإمبريالية الكبرى للإمبرياليين الأمريكان من غير اليهود، ويشاركون بشكلٍ كاملٍ بالتالي في صناعة القرار الإمبريالي الأمريكي. وهذا يعني أن اليهود "يشاركون تماماً" في الحياة "الديموقراطية" الأمريكية بالضبط لأنهم أعضاء في "مجلس إدارة" شركة أمريكا المتحدة.

أما حث الأفراد المسلمين، حتى ولو كانوا أثرياء، بأن "يصبحوا جزءاً من العملية السياسية الأمريكية" فيعني فعلياً بأن عليهم أن "يشتروا أسهماً" في شركة أمريكا المتحدة. وهو ما يعني بالضرورة إلحاق العرب والمسلمين الأمريكيين بالنظام الإمبريالي-الصهيوني الذي يستغلهم ويخضعهم.



فما يتبع عادةً دعوات "الانخراط" في النظام السياسي الأمريكي هو إدانة "الإرهاب" واللقاءات مع رئيس الولايات المتحدة التي تظهر ضمناً، إن لم يكن علناً، أن هناك مسلمون أمريكيون جيدون وموالون يؤيدون الإمبريالية الأمريكية. فالمسلمون الأمريكيون يدعون للانخراط في نشاطات الحزبين الديموقراطي والجمهوري مع أن برنامج هذين الحزبين إمبريالي بالكامل يدعم الاحتلال الصهيوني لفلسطين وأمركة المنطقة العربية في ظل سايكس بيكو جديدة.


إن "الرؤية واسعة الأفق" لدور المسلمين في الحياة الأمريكية التي يحث عليها الأستاذ بيومي تترجم مراراً إلى دعوة المسلمين لإعطاء اهتمام أقل بالوضع السياسي في "البلاد" ولأن "يكونوا كالأمريكيين الآخرين" في تركيزهم على الشؤون الأمريكية المحلية مثل الضرائب المرتفعة والقيم العائلية وإصلاح نظام الإعانات للفقراء، وهي قضايا مشروعة بالتأكيد ولكن ليس إلى درجة حجب مسائل الحياة والموت عن أنظارنا التي تواجه أهلنا في العالمين العربي والإسلامي. فإن أهمل العرب والمسلمون هذه القضايا، فلا تعود هناك فائدة من اندماجهم في الحياة السياسية الأمريكية في المقام الأول.


وهذا هو فحوى المسألة: إن ثمن شراء بطاقة للعمل ضمن الآلة السياسية الأمريكية بالشروط الحالية (كما تدعو منظمة كير) هو تخلي العرب والمسلمين عن مصالح مجموعاتهم الحيوية ليثبتوا "ولاءهم" للنظام الذي يرتكب الإبادة الجماعية ضد إخوانهم وأخواتهم في فلسطين والعراق وغيرها.


وبينما تستطيع هذه الرسالة المسمومة أن تدمر أي طاقة سياسية للجاليتين العربية والإسلامية في الولايات المتحدة، فإنها تخدم المصالح الشخصية الخاصة لبعض الأفراد العرب والمسلمين في الولايات المتحدة بصورة جيدة جداً، تماماً كما يحدث في فلسطين حيث يتحمس الوسطاء السياسيون والاقتصاديون والثقافيون للالتحاق بأبي مازن في مسعاه لقتل الانتفاضة والمقاومة والتعامل مع الكيان الصهيوني لأنهم وجدوا مصالحهم الشخصية في ذلك المسار.



بالطريقة نفسها، تدعو جماعة منظمة كير المسلمين في أمريكا أن ينسوا قضاياهم في "البلاد" ليتعهدوا بالولاء التام للآلة الإمبريالية الأمريكية، ولينضموا لمكتب المباحث الفدرالية أف.بي. أي، وليخدموا في وزارة الخارجية، وليعملوا في البنتاغون، أي باختصار، وليثبتوا أنهم مواطنون "نافعون" للدولة الإمبريالية. والإدعاء هنا هو أنهم يستطيعون بهذه الطريقة أن ينالوا القبول في المؤسسة السياسية الأمريكية الأمر الذي سيمكنهم في النهاية من التأثير فيها. ولكن ذلك في الواقع لن يحدث إلا بعد أن يدمروا كل المصالح الحيوية لمجموعاتهم التي تتعارض مع الإمبريالية والصهيونية.

بالمقابل، يمكن أن يأملوا أن يتم الترحيب بهم داخل الطبقة الحاكمة الأمريكية بأذرعٍ مفتوحة! ويستطيعون آنذاك أن يربوا اللحى وأن تلبس زوجاتهم الحجاب بقدر ما يريدون، طالما استعدوا لمصافحة اليد الملوثة بالدماء للرئيس الأمريكي كلما احتاج هذا الأخير للقيام باستعراض إعلامي يثبت أن حملات الإبادة في العراق وفلسطين ليست في الواقع سوى عمليات "تحرير إسلامية"!



ولأوضح موقفي هنا، أؤكد أني لست ضد الانخراط في السياسة الأمريكية. كلا، على الإطلاق! ولكن جماهير المسلمين في أمريكا عليها أن تناضل سياسياً للدفاع عن مصالحها كجاليات وكبشر مضطهدين من قبل الدولة الصهيونية-الإمبريالية الأمريكية، لا أن تبحث عن بابٍ خلفيٍ لهذه الدولة المضطهِدة لكي تتمكن من المشاركة بالغنائم.


إن الملايين حول العالم رفضوا تقديم الدعم لحرب بوش على العراق، ومنهم ملايين الأمريكيين. واحتج الملايين وساروا في المظاهرات ورفضوا التصويت لمرشحين يؤيدون حملة الإبادة في العراق. وهذا هو نوع العمل السياسي الذي يجب أن يقوم به المسلمون في أمريكا.



فعوضاً عن الإصرار بأننا مؤيدون "موالون" لأمريكا الإمبريالية، علينا أن نوضح بشكلٍ قاطع بأن الإبادة والاغتصاب في فلسطين والعراق وأي مكان أخر ستثير مقاومة شرسة لن تبقي أحداً بمأمن، وأن حياة الأمريكان مثل حياة غيرهم تعتمد على تأسيس نظام دولي قائم على حق تقرير المصير والمساواة لا على الاحتلال والاستغلال.



وإذا كان الرئيس وزوجته قد ألغيا لقاءً مقرراً مع الشعراء الأمريكيين لأنهما خافا أن يضطرا للاستماع للنقد الصريح للسياسة البربرية التي يعارضها الشعراء، فكيف اتفق أن الرئيس وزوجته لا يخافان من لقاء "القيادات" الإسلامية-الأمريكية؟



وصحيحٌ أن المسلمين عليهم ن يتبنوا نظرة طويلة الأمد بالنسبة لقضاياهم، ولكن ذلك يعني الانضمام للملايين العديدة من غير العرب وغير المسلمين الذين لا يحملون أوهاماً بصدد العمل من داخل النظام السائد، نظام الهيمنة، والذين يرفضون الإمبريالية والصهيونية، والذين يبحثون عن طرق لبناء بديل لبنية العولمة الاحتكارية التي ما برحت تعتصر شعوب الأرض حتى الموت.



إن الصهيونية هي يهودية العصر الإمبريالي. واليهود الأمريكيون، كجماعة متماسكة، قد ربطوا أنفسهم بنظام السيطرة على واستغلال العالم. والمسلمون كمجتمع عالمي ليسوا في موضع الانضمام للإمبريالية كشريك، ولا يجب أن يسعوا أصلاً وراء "شرفٍ" من هذا القبيل.



فالطريق الذي اختاره اليهود للوصول للقوة الإمبريالية المعولمة لا يمكن أن يخدم الشعوب المسلمة في سعيها نحو التحرر.


دروس مستفادة من قصة صعود الإيباك*

مقال بقلم: علاء بيومي، مدير الشئون العربية بكير

واشنطن: 5 مايو 2003

في عام 1996 أصدرت جامعة فيرجينيا الأمريكية رسالة دكتوراة للباحثة كارول سيلفرمان بعنوان "الصورة في مقابل الحقيقة: جماعات المصالح العرقية في عملية السياسة الخارجية: دراسة حالة للإيباك" تدرس أسباب صعود الإيباك وهي لجنة الشئون العامة الأمريكية الإسرائيلية وأسباب قوتها كمنظمة تقوم بعمل الضغط السياسي (اللوبي) لمصلحة إسرائيل وذات كلمة مسموعة ومؤثرة على صانع القرار السياسي الأمريكي.

أهم ما في الدراسة هو نظرتها الشاملة لأسباب قوة جماعات المصالح الأمريكية، إذ ترفض الدراسة فكرة أن قوة الإيباك أو أي جماعة مصالح أمريكية أخرى تنبع من عامل واحد أو عاملين مثل أسطورة اعتماد الإيباك على قوة أصوات وتبرعات الناخبين اليهود الأمريكيين كمصدر وحيد لقوتها.

وفي المقابل تنظر الدراسة إلى قوة جماعات المصالح الأمريكية كنتاج لتفاعل مجموعة متعددة من العوامل الهامة مثل طبيعة القضايا التي تدافع عنها جماعات المصالح وهوية من يتخذ القرار بخوص هذه القضايا داخل مؤسسات صناعة السياسة الأمريكية، وطبيعة البيئة السياسية والإعلامية التي تعمل فيها جماعات المصالح، وخصائص جماعة المصالح المؤسساتية وطبيعة قيادتها، والاستراتيجية التي تتبناها المنظمة في عملها السياسي والإعلامي.

مصادرة قوة الإيباك

بالنسبة لعامل صانع القرار ترى الرسالة أن الإيباك والتي أسست في عام 1951 أكثر قدرة على التأثير على أعضاء الكونجرس مقارنة بمسئولي الإدارة الأمريكية، وذلك لأن الإدارة الأمريكية تتميز بسلطاتها الكبيرة في مجال صناعة السياسية الخارجية والتي يصعب التأثير عليها أحيانا، بينما يسهل نسبيا التأثير على أعضاء الكونجرس بحكم كونهم أكثر تأثرا بالضغط الجماهيري والإعلامي الداخلي، ولذا تفضل الإيباك أن تمارس ضغوطها على الكونجرس، كما تحب أن تعطي قضايا السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط أبعاد داخلية.

وتقول الدراسة أن البيت الأبيض أكثر قدرة على تحدي قوة الإيباك إذا كان لدى الإدارة الرغبة في ذلك، وإن كان هذا لا يعني أن علاقة الإيباك مع البيت الأبيض هي في شد دائم، فبعض الإدارات (مثل إدارة الرئيس الأمريكي السابق ردونالد ريجان كما ذكرت الدراسة) فتحت أبوابها أمام الإيباك.

ولذا تعلمت الإيباك أن تتجنب أن تضع نفسها في مواجهة مع الإدارة الأمريكية حتى لا تتعرض لخسارة قضاياها أو تتعرض لإهدار حجم كبير من مواردها وطاقاتها في معارضة الإدارة.

وبالنسبة لعامل البيئة السياسية تقول الدارسة أن البيئة السياسية ومكوناتها مثل الرأي العام وأراء النخبة السياسية الحاكمة ومعتقدات الرئيس وكبار مساعديه وقوة الجماعات المعارضة تمثل حدود خارجية على قدرة أية جماعة مصلحة على النجاح، ولذا سعت الإيباك دائما إلى بناء تأييد الرأي العام الأمريكي لإسرائيل كورقة ضغط تستخدمها ضد السياسيين المؤيدين أو المعارضين لها على حد سواء، وقد ساعدها على ذلك ضعف النشاط العربي في هذا المجال.

وتقول الدراسة أن غالبية الشعب الأمريكي لا يبالي بقضايا السياسة الخارجية، ولكن هناك أقلية سياسية معينة تساند إسرائيل بقوة وفي المقابل هناك أقلية محدودة جدا تساند قضايا العرب، وتقول الدارسة التي صدرت في عام 1996 أن انتفاضة عام 1987 وتطورات عملية السلام ونهاية الحرب الباردة لابد وأن تكون صاحبة تأثير هام على الرأي العام الأمريكي وموقفه في قضية الشرق الأوسط، ولذا لا ينبغي على الإيباك أن تعتقد أن تأييد الرأي العام الأمريكي لإسرائيل هو شيء مطلق لا يمكن أن يتغير.

بالنسبة للعامل الثالث المؤثر على قدرة جماعات المصالح الأمريكية على تحقيق أهدافها فهو الخصائص المؤسساتية لجماعات المصالح نفسها، وتقول الدراسة أن موارد المؤسسة كمصادرها المالية وسمعتها ومهاراتها السياسية والجماهير المساندة لها هي جميعها عوامل هامة تؤثر على قدرة جماعات المصالح على تحقيق أهدافها.

وبهذا الخصوص ترى الدراسة أن الإيباك كمؤسسة مرت بمراحل تطور ثلاثة أساسية ارتبطت بتغير مديريها التنفيذيين، وهم كينان (1951-1974) وموريس أميتي (1974-1980) وتوم دين (1980-1993).

وتقول الدراسة أن كينان والذي كان أحد أعضاء الوفد الإسرائيلي بالأمم المتحدة ترك عمله كمسئول إعلامي في الوفد الإسرائيلي وقرر العمل كعميل للضغط السياسي الداخلي لمصلحة قضايا اليهود الأمريكيين، وتميز كينان في سنوات إدارته للايباك بقدرته الكبيرة وتركيزه على بناء العلاقات الشخصية مع صناع القرار السياسي وبناء سمعته وسمعة مؤسسته كمصدر لا ينضب من المعلومات عن قضايا الشرق الأوسط وكخبير يستشهد به في جلسات الكونجرس.

في الوقت نفسه فضل كينان العمل خلف الكواليس بهدوء والتركيز على بناء العلاقات الشخصية والبعد عن حملات العلاقات العامة عالية الصوت في الوقت الذي اعتمد فيه على شبكة من النشطين اليهود المساندين لمنظمات يهودية أخرى من خلال علاقته وتنسيقه مع هذه المنظمات.

أما موريس أميتي وتوم دين فقد اعتمدوا على منهج أكثر جرأة في الضغط السياسي واهتموا بزيادة عضوية الإيباك وفتح عضويتها أمام غير اليهود، ساعدهم على ذلك تغير المناخ السياسي في الولايات المتحدة بعد حرب فيتنام وتطورات الستينات والتي دفعت بمجموعة كبيرة من الشباب في الأوساط السياسية الأمريكية وفي الكونجرس والذين كانوا أكثر رغبة في التعبير عن رؤيتهم ومصالحهم بصوت عال.

وبالنسبة للموارد المالية فقد بدأت الإيباك عملها في عام 1951 بميزانية قدرها خمسين ألف دولار أمريكي وبعدد قليل جدا من الموظفين، بينما وصلت ميزانيتها عام 1992 إلى 15 مليون دولار أمريكي وتعدى عدد موظفيها 150 موظفا.

كما نجحت الإيباك في رسم وترويج صورة إيجابية عن نفسها تصور إيباك على أنها مصدر مستمر للمعلومات وكقوة سياسية مؤثرة على نتائج صناديق الاقتراع.

بالنسبة لعامل استراتيجيات العمل السياسي تقول الدراسة أن أحد أهم مصادر نجاح الإيباك هو قدرتها على اختيار أجندة عمل تحتوي على قضايا يمكن تحقيق الفوز فيها، وقدرة الإيباك على تغيير مسارها مع تغير البيئة السياسية المحيطة بها.

بمعنى أخر أن الإيباك كانت تتعمد اختيار قضايا يمكن تحقيق النجاح بها طالما كانت مرتبطة بإسرائيل، وإنها ابتعدت عن القضايا شديدة الصعوبة التي يصعب تحقيق النصر بها، كما عملت الإيباك بالتنسيق مع أعضاء الكونجرس المساندين لإسرائيل وتركت لهم مهمة تحديد القضايا التي يفضلون العمل على تأييدها لمصلحة إسرائيل، ثم كان يأتي دور إيباك لمساندة هذه القضايا.

الدروس المستفادة

لو حاولنا قراءة أهم نتائج الدراسة السابقة وما تعنيه بالنسبة للمسلمين والعرب في أمريكا لأمكننا قول التالي:

  1. تطور الأقليات الأمريكية وقدراتها يحتاج لفترة كافية للوقت، فقد تعرضت الدراسة في بدايتها لحياة اليهود في أمريكا في النصف الأول من القرن العشرين وكيف سعوا في العشرينات من القرن العشرين إلى بناء قوتهم السياسية بعد أن زاد أعداد اليهود من أبناء الجيل الثاني المولودين في الولايات المتحدة، ولكن وعلى الرغم من سعيهم هذا فشلوا خلال الحرب العالمية الثانية في الحيلولة دون وقوع الهولوكوست، مما دفعهم بعد الحرب إلى التوحد والتركيز على بناء قوتهم السياسية للحيلولة دون وقوع كوارث أخرى في حق أبناء ديانتهم.
  2. توحد مؤسسات اليهود الأمريكيين في عملها لم يحدث فقط بسبب رغبتهم في التوحد بقدر ما كان نتيجة لنضج هذه المؤسسات التنظيمي والسياسي، بمعنى أن المنظمات اليهودية الأمريكية فشلت في البداية في التوحد عندما كانت جديدة وصغيرة وغير واضحة التخصص، ولكن مع زيادة نضجها وإدراكها لتخصصها زادت قدرتها على التنسيق والعمل مع بعضها البعض مع استحالة تحقيق التوحد الكامل أو إنهاء الخلافات الداخلية بينها.
  3. اعتماد المنظمات اليهودية الأمريكية السياسية على قيادات متمرسة في العمل السياسي داخل مؤسسات صنع السياسية بالولايات المتحدة كان ضرورة لصعودها ونجاحها، وبالطبع يتطلب بناء هذه القيادات أن ينخرط أبناء الجماعات العرقية الأمريكية في مؤسسات صنع السياسة الأمريكية وأن يعملوا بها لسنوات عديدة حتى يكتسبوا منها خبرة العمل السياسي وبناء العلاقات السياسية مما يؤهلهم للعودة إلى المؤسسات السياسية التي تدافع عن مصالح جماعتهم الدينية أو الإثنية لمساعدتها على بلوغ مكانة سياسية مرموقة.
  4. تطور مؤسسات العمل السياسي والإعلامي لا يحدث بين يوم وليلة بل يحتاج لسنوات طويلة من العمل والكفاح وإثبات المكانة، مع العلم أن امكانات التطور السياسي والإعلامي أكثر وفرة خلال الفترة الحالية بسبب التغييرات الناتجة عن ثورة الاتصال والمعلومات والتي تسهل عمل جماعات الضغط السياسي والإعلامي، ولكن تظل الحاجة إلى قيادات متمرسة تستطيع الاستفادة من الموارد المتاحة واستغلالها في خدمة قضاياها.
  5. وفي النهاية يجب القول أن نشر ثقافة الديمقراطية والعمل السياسي والمشاركة السياسية بين أبناء جماعة ما هو أمر ضروري لنجاح هذه الجماعة في عملها السياسي والإعلامي، وذلك لأن إدراك أبناء هذه جماعة لأهمية العمل السياسي الديمقراطي الحر يعد شرطا ضروريا لا بديل له لتشجيع مشاركتهم في العملية السياسية، وهو ما يتطلب تنشئة الجيل الجديد من المسلمين في أمريكا على قيم العمل السياسي الديمقراطي الحر.
  6. فهم دور المنظمات المسلمة والعربية الأمريكية وامكاناتها السياسية في الولايات المتحدة يتطلب استعمال منظور شامل يأخذ في اعتباره العوامل المختلفة التي تؤثر على عمل جماعات المصالح الأمريكية ودور عنصر الزمن والفترة الطويلة التي تحتاجها الأقليات الأمريكية المختلفة لتثبيت وجودها على الأرض الأمريكية وإثبات قوتها على الصعيد السياسي.

------

* مقال ينشره مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (كير).