(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


حول تعميم المناطق الصناعية المؤهلة عربياً

د. إبراهيم علوش



بعد عشرين عاماً من وثيقة "كيفونيم"، رشحت في وسائل الإعلام غداة زيارة أرييل شارون لأمريكا في 7 أيار/مايو 2002 أنباءٌ عن ورقة قدمها شارون لبوش تحمل عنوان "اتحاد دول الشرق الأوسط"، وهي مشروعٌ لتفكيك جامعة الدول العربية واستبدالها باتحاد الدول "الشرق أوسطية" الذي تتمتع تركيا و"إسرائيل" بعضويته، وتشترك أمريكا فيه بصفة مراقب.



المشروع مراحل تبدأ بضرب العراق وتصفية قوى المقاومة الفلسطينية واللبنانية وتحجيم سوريا من جهة، وتحسين العلاقات الاقتصادية بين أمريكا وكل من الأردن ومصر والمغرب، بالتحديد، من جهة أخرى. المرحلة الثانية من المشروع تبدأ بثلاث هيئات واحدة اقتصادية وأخرى سياسية وثالثة علمية تجتمع سنوياً وتكون دولة العدو جزءاً لا يتجزأ منها، وتنتهي المرحلة الثالثة بفرض الهيمنة الصهيونية على المنطقة العربية مع العام 2020.



وقد أتي لقاء دافوس في الأردن بمعية الشركات العملاقة متعدية الحدود لمواصلة تنفيذ المرحلة الأولى، بمبادرة السوق الحرة العربية الأمريكية، وللتخطيط للمرحلتين اللاحقتين..



أما السوق الحرة العربية الأمريكية فهي سلسلة من الاتفاقيات الثنائية بين أمريكا من جهة، ومجموعة من الدول العربية كلٌ على حدة. وقد وقعت اتفاقية بهذا الصدد مع الأردن عام 2000، وتجري مع المغرب ومصر مفاوضاتٌ لتوقيع اتفاقيات مماثلة، تماماً حسب خيارات مشروع شارون أعلاه، وستبدأ المفاوضات مع البحرين للغرض نفسه في بداية العام 2004، على أن يتم إنجاز سلسلة الاتفاقيات الثنائية عام 2013، حسب الممثل التجاري الأمريكي الليكودي الهوى روبرت زوليك.



ويبدو أن أمريكا اشترطت في مفاوضاتها مع مصر، حسب أحمد السيد النجار رئيس تحرير تقرير "الاتجاهات الاقتصادية الاستراتيجية" بمركز الأهرام للدراسات في جريدة "الأهالي" في 11/6/2003، "إنهاء كل أشكال المقاطعة لإسرائيل، وإقامة علاقات اقتصادية وسياسية كاملة معها، كما اشترطت أن تكون المنتجات المصرية المصدرة إلى الأسواق الأمريكية بها مكون إسرائيلي نسبته لا تقل عن 8 بالمائة".



فهو نموذج المناطق الصناعية المؤهلة في الأردن إذن، أي تصدير دون جمرك لأمريكا مقابل ارتباط اقتصادي بدولة العدو، ولهذا قيل في الإعلان عن مؤتمر دافوس/ البحر الميت أن اختيار الأردن كموقع جاء جزئياً لتبنيه "نموذجاً ريادياً" من بين دول المنطقة!



وبالرغم من الضجة المفتعلة المحيطة بالمصادقة على منطقتين صناعيتين مؤهلتين في الأردن خلال انعقاد المنتدى الاقتصادي العالمي في حزيران/ يونيو 2003، تبقى الحقيقة أن أكثر من ثمانين بالمائة من الشركات العاملة في المناطق الصناعية المؤهلة في الأردن هي شركات آسيوية تنشط في صناعتي النسيج والأمتعة، وأن حوالي نصف العشرين ألف عامل فيها ليسوا من الأردنيين أصلاً، هذا في الوقت الذي تسوء فيه ظروف العمل ويتم تجاهل الحد الأدنى للأجور (من تقرير لمجلة MERIP الأمريكية في 26/6/2003).



فالمناطق الصناعية المؤهلة لا تسهم بحل مشكلة البطالة أو برفع مستوى معيشة الأردنيين، أو بنقل صناعات تكنولوجية متطورة إلى البلاد، حتى لو تسببت بزيادة محض شكلية في أرقام الصادرات ومعدل نمو الناتج المحلي الإجمالي، بل أنها تحقق معدل أرباح غير عادي للشركات الأجنبية العاملة فيها، جزئياً بسبب استفادتها من البنية التحتية التي يمولها دافع الضرائب الأردني من قوت أولاده!



ولكن بغض النظر عن كل هذه التفاصيل الجزئية على أية حال تظل المشكلة الأولى لنموذج المناطق الصناعية المؤهلة الذي تسعى أمريكا لتعميمه عربياً من خلال منطقة التجارة الحرة معها في السياق السياسي والاقتصادي الذي يحتويها.



فسياسياً، يعني هذا النموذج لو تم تعميمه أن أكثر من نصف الدول العربية ستقيم علاقات كاملة مع دولة العدو مقابل مكاسب اقتصادية مشكوكٌ بأمرها من المتاجرة مع أمريكا، وهو ما يشكل تنازلاً كاملاً حتى عن السقف السياسي المتدني أصلاً للمبادرة السعودية المطروحة في قمة بيروت.



واقتصادياً، تتضمن شروط منطقة التجارة الحرة نقطتان أساسيتان لا يكمن أن نراهما بمعزل عن بعضهما: الأولى هي مضي الدول العربية بقوة في خصخصة القطاع العام، والثانية هي حق رأس المال الأمريكي والصهيوني بالعمل بحرية في منطقة التجارة الحرة. والنتيجة الموضوعية لهذين الشرطين، إذا أخذا معاً، هي وضع الأساس المادي والمؤسسي لتغلغل الطرف الأمريكي-الصهيوني في مفاصل الاقتصاديات العربية.



وهذا هو معنى القول أن لقاء دافوس ومبادرة التجارة الحرة الأمريكية تمثلان مشروع هيمنة استعمارية.