(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
د. إيراهيم علوش
يأتي بوش الصغير إلى الأردن، فقط، من بين دول الإقليم، وتقول وسائل الإعلام أنه سيلتقي هنا ببيدقين صغيرين في لعبة توزيع الأدوار الإقليمية هما نوري المالكي ومحمود عباس. ومن البديهي أن كل الذين سيلتقون بوش في الأردن كان بإمكانهم أن يذهبوا للقائه في البيت الأبيض في واشنطن. فمغزى زيارة بوش الأهم ليس ما سيقال فيها ومع من، بل في موقعها الجغرافي، أي في تعزيز موقف الأردن الرسمي إزاء بقية دول الإقليم، خاصة سوريا وإيران، من خلال تخصيص الأردن فقط بمجيء بوش، وهذا أهم ما فيها.
فبعد أن اندفع النظام الأردني بعيداً في دعم السياسات الأمريكية الفاشلة في الإقليم، خاصة في العراق، جاء تغير الرياح في واشنطن باتجاه التفاهم مع سوريا وإيران، في العراق وغيره، ليضع النظام الأردني في موقف من يلعب بالوقت الضائع، وليضعفه بالتالي مقابل المحور الإقليمي المتشكل من إيران وسوريا وحماس الخارج وحزب الله... ومقابل الامتداد الإيراني الذي يصبح أكثر وزناً في الإقليم الآن مع تقلص الوزن الأمريكي- البريطاني في العراق المحاذي للأردن.
وبسبب موقع الأردن في جوف العاصفة، وحجمه الصغير نسبياً بالنسبة للدور الذي سعى النظام لأن يلعبه كوكيل للتمدد الأمريكي-الصهيوني في الإقليم، وبسبب انكشاف ذلك الدور بشدة مع تراجع الموقف الأمريكي إقليمياً بسبب هزيمة الولايات المتحدة المنكرة في العراق، أصبح موقف النظام - الذي يتبع أيضاً سياسات اقتصادية غير شعبية داخلياً - كموقف الذاهب إلى الحج والناس راجعة، أي أنه ليس في موقف ضعيف فحسب، بل في موقف مكشوف تماماً للتدخلات و"الحرتقات" في ظل انحسار النفوذ الأمريكي-الصهيوني نسبياً وموضعياً لمصلحة التحالف الإيراني-السوري!
من جهة أخرى، تأتي زيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، الحليف الرسمي الأخر للطرف الأمريكي-الصهيوني في المنطقة للإيحاء، ولو بطريقة برتوكولية هزلية، بوجود وزن سني إقليمي مقابل للوزن السوري-الإيراني يرتبط أيضاً بزمالة المعاهدات مع الطرف الأمريكي-الصهيوني.
ومن الواضح أن الشعب العربي في الأردن، بغض النظر عن أصوله ومنابته، يكره أمريكا وكل سياساتها في المنطقة، ويؤيد المقاومة، من أفغانستان إلى العراق إلى فلسطين إلى لبنان.
فالقبضة الأمنية فقط هي التي تمنع التعبير الحر عن الموقف الشعبي من زيارة بوش إلى الأردن بذريعة منع الانفلات الأمني في حالة خروج مسيرات واحتجاجات حقيقية غير مخترقة، كما تحب الأجهزة الأمنية أن تقول. ويشار هنا إلى أن مظاهرات المعارضة الأردنية المرخصة قانونياً يتم تحديد مسارها وشعاراتها ويافطاتها مع القائمين عليها، وتخترقها بانتظام عشرات الصور لجلالة الملك واليافطات الموالية، مما يحولها عملياً إلى تعبير أخر من تعبيرات "الديموقراطية الرسمية الأردنية الفتية"، أما ما عدا ذلك من التعبيرات، فتقع في باب "الشغب والفوضى" الذي يقمع بعنف دموي كما هو معروف.
وتأتي هذه الكلمات أساساً، أكثر أي شيء أخر، صرخة احتجاج من مواطن ممنوع من الاحتجاج (الحقيقي!) على زيارة الكلب المجرم بوش - والجرو نوري المالكي، والجرو أبو مازن إلى الأردن.
وتأتي بعد ذلك احتجاجاً على عدم وجود محور شعبي عربي، في هذا الاختلاط، يمثل مصلحة الأمة، ربما باستثناء تلك البذرة المتمثلة بالمقاومة العراقية- غير الممتدة خارج العراق، للأسف!..
وتأتي ثالثاً احتجاجاً على الهدنة السخيفة التي رضيت بها بعض التنظيمات الفلسطينية في غزة فقط لكي لا تعكر الصواريخ زيارة بوش!
وأخيراً وليس أخراً، تأتي احتجاجاً على أنفسنا لأننا مقصرون بحق أنفسنا في تهاوننا مع الذين يتمادون ويغالون في التجاوز على أمتنا وحقوقها!