(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


فيلم "أنا أسطورة" I Am Legend:

 شحن مستمر لمفهوم صراع الحضارات وجريمة ثقافية بحق الموسيقى الاحتجاجية لبوب مارلي

 

د. إبراهيم علوش

 

"أنا أسطورة" هو بالأساس عنوان رواية خيال علمي عن نهاية العالم بسبب انتشار الوباء كانت قد صدرت عام 1954 في الولايات المتحدة ولاقت نجاحاً كبيراً دفع لاستخدام بعض أجزاء حبكتها في أفلام سينمائية مختلفة، منها فيلم "الرجل الأخير على الأرض" عام 1964، وفيلم "رجل أوميغا" عام 1971، وأخيراً الفيلم الذي يحمل نفس اسم الرواية "أنا أسطورة" عام 2007، وهو موضوعنا هنا.

 

وقد أطلق فيلم "أنا أسطورة" في الولايات المتحدة في 14/12/2007، وقد بلغت موازنته حوالي 150 مليون دولار، وبعد أقل من أربعة أشهر على عرضه، حقق الفيلم إيرادات تبلغ حوالي ستمئة مليون دولار، أكثر من نصفها خارج الولايات المتحدة.  وقد تم إطلاق الفيلم على الفيديو، أو الدي في دي DVD، في 18/3/2008.

 

والفيلم من إخراج فرانسيس لورنس، وهو مخرج أفلام فيديو كليب نمساوي الأصل، أمريكي الجنسية، عمل مع مغنين أمريكيين مشهورين.  وقد أنتجت فيلم "أنا أسطورة" شركة ورنز بروذرز Warner Brothers، وهي واحدة من أكبر شركات الإنتاج السينمائي والتلفزيوني في هوليود، إن لم تكن أكبرها على الإطلاق، وأحد أهم مراكز النفوذ اليهودي في هوليود، وقد وضعت الشركة اليهودي أكيفا غولدسمان على رأس فريق الإنتاج، كما كلفته بإعادة كتابة النص.  أما بطولة الفيلم فكانت من نصيب الممثل المعروف ويل سميث، وسبق أن مثل في أفلام مشهورة مثل "يوم الاستقلال" Independence Day، و"رجال بالأسود" Men in Black، وغيرها.

 

قصة الفيلم تدور في مدينة نيويورك عام 2012، حيث يخرج فيروس عن السيطرة عام 2009 ليقضي على تسعين بالمئة من سكان الكرة الأرضية البالغ عددهم حسب الفيلم ستة مليارات.  أما بضع مئات الملايين الباقين فلم يموتوا، بل حولهم الفيروس إلى مخلوقات ليلية تتأذى من ضوء الشمس، أو من الأشعة ما فوق البنفسجية فيها، مما دفعهم للاختباء في الأقبية والزوايا المظلمة خلال النهار، والخروج للصيد في الليل. 

 

حسب الفيلم، اقتاتت تلك المخلوقات المصابة بالعدوى على القلة القليلة الباقية من الأحياء الطبيعيين ممن يتمتعون بالمناعة من الفيروس، حتى كادت تقضي عليهم عن بكرة أبيهم، ما عدا العقيد في الجيش الأمريكي الدكتور روبرت نيفيل (الممثل ويل سميث)، خبير الفيروسات، الذي أصبح هدفه في الحياة منذ انتشار الوباء هو إجراء الأبحاث للقضاء عليه، حتى بات يظن أنه الإنسان الوحيد المتبقي على ظهر البسيطة.   ويتمتع روبرت نيفيل بالمناعة من الفيروس، ويرافقه في منزله المحصن جيداً كلبته المنزلية سام (أو سامنثا)، التي تتمتع كباقي الكلاب بالمناعة من النسخة المحمولة جواً من الفيروس، ولكن ليس من النسخة المنقولة بالملامسة منه.

 

ويبتعد الفيلم في بعض المفاصل المهمة عن الرواية الأصلية.  فالفيلم تدور أحداثه في نيويورك، على الساحل الشرقي للولايات المتحدة، أما الرواية ففي مدينة لوس أنجلوس على الساحل الغربي، وهذه نقطة اختلاف مهمة تجعل فيلم "أنا أسطورة" واحداً من سلسلة الأفلام الأمريكية المتمحورة حول استهداف نيويورك، العاصمة الاقتصادية للولايات المتحدة، منذ ما قبل أحداث 11 سبتمبر، وبعدها، مثل فيلم "الحصار" The Siege لعام 1998، أو فيلم "حقل البرسيم" Cloverfield لعام 2008، وقد سبق أن نقدنا كليهما، وفي فيلم "أنا أسطورة" توضع نيويورك في حالة حصار أيضاً – أي تعزل عن بقية الولايات المتحدة، ويدمر جسر بروكلين - بعد انتشار الفيروس فيها.

 

الفرق الثاني بين الرواية والفيلم هو أن الرواية تتحدث عن تحول المصابين بالعدوى إلى مصاصي دماء بسبب انتشار بكتيريا ما، ومغزى الرواية الأساسي هو أهمية العضوية في المجتمع الإنساني، أما الفيلم فلا يسعى لأن يكون فيلم رعب أخر عن مصاصي الدماء، بل يسعى لأن يصور الصراع الوحشي ما بين البشر من جهة، والظلاميين الذين يسميهم "ناشدو الظلام" Dark Seekers، من جهةٍ أخرى... 

 

أي بتعبير أخر، يتحدث الفيلم عن صراع الحضارات، والحرب على الإرهاب، وليس التهديد بالحرب البيولوجية التي تقفر نيويورك، وتحولها إلى شبحٍ خاوي من ذاتها في الفيلم، ببعيد عن التهديدات الأخرى التي تنسج على منوال "الحرب على الإرهاب".   ويبدع الفيلم في إظهار شوارع نيويورك العامرة وقد ارتفع فيها العشب كأنها وسط بيروت خلال الحرب الأهلية...  والسيارات المهجورة كيفما اتفق على أرصفة الشوارع الخالية من البشر، والغزلان السارحة فيما بينها، تشعرك وكأن نيويورك قد تحولت إلى مدينة برية، أي أن الفيلم يتحدث عن دمار الحضارة الغربية، من خلال دمار نيويورك عاصمة رأس المال العالمي.  والمشهد برمته يخاطب غريزة البقاء عند المشاهد، أولاً من خلال خطر الحرب البيولوجية التي تقضي على الحضارة، وثانياً من خلال الفيروس الفكري الذي يحول البشر الطبيعيين إلى "ظلاميين".  

 

إذن "الظلاميون" أصبحوا هكذا بسبب فيروس خرج عن السيطرة من خضم علاج فيروسي للسرطان، فحول من لا يقتله إلى وحش بشري يشترك مع مصاصي الدماء بكراهيته للضوء، وبحبه للدماء، ويشترك مع "الإرهابيين" بحقدهم على الحياة، والحضارة، والإنسان، وبنزعة عدوانية لا يمكن تصورها، وبالرغبة الجامحة لنقل عدواهم، أو قل أفكارهم، إلى البشر الطبيعيين، عن طريق العض بأنيابهم الملوثة، أو قل مجازاً عن طريق الكلام الجارح، الذي يحمل الكراهية والسم في ثناياه، تماماً كما يصف الغرب الخطاب السياسي للإرهابيين. 

 

ويختلف الفيلم عن الرواية في أن الفيلم يظهر إمكانية إيجاد علاج للفيروس الظلامي، أما الرواية فتطرح النهاية باعتبارها هيمنة مصاصي الدماء على الكرة الأرضية.  فالفيلم جزء من سياق سياسي معاصر، وأداة للتعبئة الغريزية على مستوى اللاوعي في "الحرب على الإرهاب الظلامي"، ومصاصو الدماء هنا لا يقيمون حفلات راقية أو يلبسون ملابس أنيقة أو يتحدثون بلغة أرستقراطية كما جرت العادة في أفلام مصاصي الدماء التقليدية، بل يلبسون الأسمال الممزقة، ولا يلبسون الأحذية، ويزحفون بعظامهم الناتئة من بين ثنايا الظلام كالجراد ليدمروا الحضارة، كأنهم فقراء المدن في أسوأ كوابيس حكام المؤسسة الرأسمالية في الغرب.

 

وبالرغم من ذلك، فإن هوليود لم تنجح في التغلغل إلى عقول وقلوب البشر حول العالم من خلال تقديم رسالة سياسية واضحة، بل من خلال الإيحاء الغريزي، وربط الظلاميين بالعداء للحضارة الغربية وما تمثله نيويورك، وبالعدوانية منقطعة النظير ضد بني الإنسان بدون أي مبرر إلا العدوان، وبعدم إمكانية التواصل العقلاني معهم بأي شكل، هو ما يبرر أي إجراء ضدهم، ومنه قيام الدكتور روبرت نيفيل خبير الفيروسات بإجراء تجارب فيروسية عليهم من أجل إيجاد علاج للمرض الذي يعانون منه، واسمه "فيروس كريبتون"، ونعرف من مجلات وأفلام سوبرمان أن كريبتون هو الكوكب الذي أتى منه سوبرمان، وأن الكربتونيت هو الحجر الذي كان يسلب قوى  سوبرمان، وسوبرمان ليس إلا الرجل المتفوق الذي أنتجته الحضارة الغربية.  وهذه المرة الفيروس هو الظلامية، والحمد لله أن الفيلم لم يعطها اسماً عربياً أو إسلامياً!  ولكن سياسة هوليود في التعبئة هي أن الإيحاء أبلغ أثراً من التصريح...

 

وفي النهاية، يتعرض كلب الدكتور روبرت نيفيل للعض من قبل كلب أخر مصاب بالعدوى، ويبدأ بإظهار عوارض التحول إلى كائن ظلامي، فيضطر د. نيفيل لقتله بعدما حاول مهاجمته، ويدخل في حالة اكتئاب شديدة بعد فقدانه لرفيقه الوحيد مما يدفعه لمهاجمة قطيع من الظلاميين في الليل.  ولكن تنقذه سيدة أتت من ولاية مريلاند إلى نيويورك بعدما سمعت نداءاته التي كان يطلقها للأحياء الطبيعيين عبر الراديو على الموجة القصيرة.   وكيف تنقذه؟ بتسليط الضوء على الظلاميين، فيهربون ويتركونه بعدما كادوا يلتهمونه. 

 

وهناك شيء ما في الثقافة الفردية الأمريكية يمجد علاقة الفرد المستقل بذاته برفيقه الكلب، الفرد غير المحتاج للبشر الآخرين، ولذلك فإن ردة فعله على ضياع الرفيق الوحيد مفهومة في السياق الثقافي الأمريكي على الأقل.  ويلعب المخرج الضالع بأفلام الفيديو كليب جيداً على وتر الوحدة في فيلم "أنا الأسطورة" من خلال إبقائه فقيراً بالموسيقى بشكل عام ليعطي المشاهد إحساساً بالفراغ. 

 

ولكن الظلاميين يتابعون السيدة آنا التي تنقذ د. نيفيل إلى منزله المحصن ويهاجمونه في الليل التالي.  ويقتحمون مختبره في الطابق الأسفل حيث يجري تجاربه، وحيث حاول الاختباء مع آنا وابنها بعد اجتياح منزله من الظلاميين.  وفي اللحظة التي يكتشف فيها علاجاً للفيروس الظلامي، يدرك بأن لا مفر أمامه سوى الموت في مواجهتهم، فيعطي السيدة عينة من دم المرأة الظلامية التي كان يجري عليها د. نيفيل تجاربه، لأنه يحتوي العلاج المنشود، ويخبئ آنا مع ابنها في كوة المدخنة، ويفجر نفسه كاستشهادي بقنبلة بالظلاميين الذين يرفضون التفاهم معه أو الإصغاء له بأنه يملك علاجاً لمرضهم، وهكذا تتم مصادرة فكرة العملية الاستشهادية نفسها، فتتحول إلى سلاح مشروع ضد الظلاميين!  وهي التي كان يتهم الظلاميون أنهم ظلاميون بسبب ممارستها!!

 

وينتهي الفيلم مع السيدة آنا التي تذهب مع ابنها إلى مستعمرة (هكذا سميت حرفياً) للأحياء الأصحاء في بلدة بثيل، في ولاية فيرمونت الأمريكية، في منطقة نيو إنجلند، كان د. نيفيل يرفض الاقتناع بوجودها، وتقول السيدة في ختام الفيلم أن الأسطورة هي د. نيفيل الذي اكتشف علاجاً للفيروس، فقام بذلك "بإضاءة الظلام"! 

 

ومنطقة نيو إنجلند بالمناسبة هي المنطقة التي تأسست فيها أول مستعمرة للمهاجرين البريطانيين في أمريكا، وبلدة بثيل في ولاية فيرمونت Bethel, Vermont شهدت تأسيس أول مستعمرة بيضاء في تلك الولاية عام 1779، فولادة الولايات المتحدة هي ولادة الحضارة من جديد.

 

وبغض النظر عن كل ما سبق، فإن الكارثة الثقافية في الفيلم هي مصادرة المغني المناهض للنظام الأمريكي بوب مارلي لمصلحة المؤسسة الحاكمة.  وبوب مارلي من جامايكا في أمريكا الوسطى التي تبعد عن كوبا أقل من 150 كيلومتراً، كان موسيقياً وكاتباً للأغاني ومغنياً وعازفاً فضلاً عن كونه ناشطاً سياسياً مناهضاً للإمبريالية وللعنصرية، ومعارضاً للنظام الأمريكي.  ولبوب مارلي عدداً لا بأس به من الأغاني السياسية والتحريضية المعروفة.  وفي المرات القليلة التي تسمع فيها موسيقى في الفيلم، فإنها تأتي من أغاني بوب مارلي، وبالأخص أغنية مطلعها: "لا تقلقي بشيء، فإن كل شيء سيكون على ما يرام"...  تسمع د. نيفيل يطرب لها أو يدندن بها. 

 

ولا تقف عملية مصادرة بوب مارلي لمصلحة المؤسسة الحاكمة هنا، بعد انقضاء أكثر من خمسٍ وعشرين عاماً بين وفاته وصدور الفيلم، بل يقول د. نيفيل للسيدة آنا مرة أنه سمى ابنته مارلي تيمناً ببوب مارلي. 

 

والأهم، أن أشهر ألبوم غنائي لبوب مارلي، صدر عام 1984، بعد ثلاث سنوات من وفاته، يحمل عنوان "أسطورة" Legend، كالفيلم...

 

ويكذب د. نيفيل حول التاريخ مباشرة عندما يزعم أن بوب مارلي تعرض لمحاولة اغتيال لأنه كان يؤمن بالسلام، ولأنه كان يريد أن يقيم حفلاً غنائياً دعماً للسلام، والحقيقة أن بوب مارلي عندما تعرض لمحاولة اغتيال في منزله في نهاية عام 1976 في جامايكا موطنه كان متحالفاً مع رئيس وزرائها اليساري المناهض للولايات المتحدة مايكل مانلي، وكان مانلي صديقاً لكاسترو، وكان حزبه يخوض قتال شوارع مع فرق الموت المدعومة من الولايات المتحدة في جامايكا، وقد تعرض بوب مارلي لمحاولة الاغتيال التي أصيب فيها بجروح في يديه وصدره، وأصيب صديقه وزوجته بجروح خطيرة، لأن مارلي كان سيقيم تلك الحفلة دعماً لمايكل مانلي...

 

بالرغم من ذلك تقوم المؤسسة الأمريكية اليوم بإعادة توظيف بوب مارلي في مواجهة الظلاميين، أو من تعتبرهم أعدائها الحاليين.  وبوب مارلي بالذات يتميز بين معارضي الإمبريالية في السبعينات بأنه كان مؤمناً بالله وكان يمجده باستمرار في أغانيه.  وفوراً حالما تنتهي السيدة آنا التي أنقذت د. نيفيل من الموت من القول أن د. نيفيل هو الأسطورة لأنه اكتشف علاج الفيروس وأضاء الظلام وضحى بحياته لإنقاذ الحضارة، تصدح أغنية بوب مارلي "أغنية الخلاص" Redemption Song التي يتحدث فيها عن معاناة العبيد والاضطهاد، أتركها للقارئ بدون تعليق ليقرر إذا ما كانت مع المؤسسة الحاكمة في الغرب أم ضدها:

 

 

أغنية الخلاص/ بوب مارلي

Redemption Song

 

القراصنة القدامى، نعم، سرقوني

وباعوني لسفن التجار

دقائق بعدما أخرجوني

من الحفرة التي بلا قرار.

لكن يدي جُعلت قوية

بقوة يد الجبار.

وها نحن نتقدم في هذا الجيل

على طريق الانتصار.

 

ألن تساعد بإنشاد

أغاني الحرية هذه؟!

لأن كل ما لدي

هو أغاني الخلاص،

أغاني الخلاص.

 

 

حرروا أنفسكم من العبودية الفكرية

لأن أحداً غيرنا لن يتمكن من تحرير عقولنا.

ولا تخافوا من الطاقة النووية،

لأن أحداً منهم لن يقوى على إيقاف عجلة الزمن.

إلى متى سيستمرون بقتل أنبيائنا،

ونحن نقف جانباً هكذا متفرجين؟!

آه، البعض يقول أن هذا مجرد جزء من الأمر،

لأن علينا أن نحقق ما جاء في الكتاب.

 

 

ألن تساعد بإنشاد

أغاني الحرية هذه؟!

لأن كل ما لدي

هو أغاني الخلاص،

أغاني الخلاص.