(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


 

الخامس عشــر من أيــــار وجدلية الوحدة والتحرير

 
 
عبد الستار الكفيري
 
 
   لا تحتاج الكتابة عن فلسطين إلى مسوغ ,حتى يشرعنها, ويضفي عليها مسحة من التبجيل, لكن طرح مسألة اغتصابها, وعلى نحو حاسم ,من زاوية الحق القومي, وبالاستناد عليه, يضيف بلا شك, دلالة عميقة على البحث في أصل ما أُصطلح على وصفها بـ"القضية الفلسطينية" ومآلاتها الراهــنة.
 
   في الواقع أن النضال من أجل تحرير فلسطـين قد مر, تاريخيا, في مستويين اثنين, فقد عُبر عنه من جهة بصيغة النضال القومي في سياق حركة التحرر العربية, ومن جهة أخرى بصيغة " النضال القطري" الذي طرح على الفلسطينيين "وحدهم" مهمة وعبء تحرير فلسطين, وتحت شعار " القرارالفلسطيني المستقل".
 
وإذا كان الخيار الثاني قد سعى, ولا يزال, إلى تصفية القضية العربية التي كان ينبغي لها أن تكون: أولى ومركزية, فان الخيار الأول, الذي طرح بقوة في حينه, قد ارتكب من المعاصي ما هيأ وسرع في رمي" القضية" في أحضان أنصار"القرار المستقل". وهذا لوحده يعد بحق أكبر خطيئة ارتكبت بحق الأمـة وقضيتها.
 
    إن مسار السقوط الذي بلغ ذروته في" أوسلو" قد بدأ وعلى نحو تراكمي منذ تلك اللحظة الفارقة, اللحظة التي شكلت, فيما بعد, معالم التحول الجذري في مسار النضال الوطني والقومي, اللحظة التي تخلى العرب فيها عن مسؤوليتهم الجماعية المقدسة, وأوكلوها بقرار رسمي, لأسوأ أهلها, إنها اللحظة التي قرر فيها المجتمعون في مؤتمر القمة السابع في الرباط في26/10/1974 أن تكون :"منظمة التحرير الفلسطينية دون سواها هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني "ليرفع العرب شعارهم الهزيل في حلهم وترحالهم : "نقبل بما يقبل به الفلسطينيون" (فمن هؤلاء الفلسطينيين ومن هم يا ترى أولئك العرب ؟!) وليتحول العرب بعد سنوات من هزيمة 1967 إلى وسطاء بعدما كانوا شركاء في العمل والمصير.  فالرباط /74 كانت الصورة المقلوبة بامتياز لخرطوم /67 ولاءاته الشهيرة: لا صلح ,لا تفاوض ,لا اعتراف.  وهكذا فـ"اتفاقية أوسلو" لم تكن وليدة لحظة عابرة في التاريخ ومنبته عن مساره الطويل, ولكنها, على النقيض من ذلك, كانت امتدادا للحظات سبقتها, وهيأت لها, لأن تكون كما كتب لها أن تكون.
 
   لا شك إن نتائجا كارثية كهذه, ما تزال ترواح الحاضر العربي, لتبرهن, وعلى وجه اليقين, بانعدام وجود تصور قومي إستراتيجي, وقتذاك وقبله, منهجي وموضوعي, لحل الصراع مع "الصهيونية", واستعادة ما أغتصب من الأرض  العربية عنوة, فلقد انشغل العرب – ومنهم من يزل- بمحاولة الإجابة عن أيهما أولى: التحرير أم الوحدة؟! وأيهما يقود إلى الآخر؟؟! وبالتالي ضاع "دم فلسطين بين القبائل" على وقع محاولة الإجابة التي بقيت معلقة وتحت زخم التراجع والتقهقر القومي الشامل, وربما هذا ما يفسر السبب في تفسخ العلاقة بين "التطلع الوحدوي" و"إستراتيجية التحرير القومي".
 
لقد رأى الكثيرون أن احتلال فلسطين كان التعبير الدموي الأشد إيلاما على واقعة التجزئة التي أبتلي بها الوطن العربي, وحل المسألة الفلسطينية مرهون بالتالي بتجاوز تلك الواقعة, فحين تتطابق حدود الدولة مع حدود الأمة ويكون الشعب إذ ذاك إزاء دولة الوحدة لا يبقى هناك أدنى شك لدى أصغر طفل عربي في محو "إسرائيل" عن الخارطة, وقد زاد أنصار هذا الفريق بأن اتحادا بين دولتين أو إقليمين أو أكثر سيسهم ويدفع باتجاه تحرير فلسطين, لكن فريقا آخر رأى أن مهمة التحرير هي أس الأساس لدولة الوحدة المنشودة, وفي الواقع أنه لم يتم موضوعيا وعلى نحو عملي التعامل مع كلتا الوجهتين باعتبار إحداهما– بالضرورة- تنتج وتقود إلى الأخرى, وبالنتيجة : لم تحرر فلسطين– حتى الآن- ولم تقم دولة الوحدة, بل جرى منح الكيان الصهيوني بما زعم أنه "حدود آمنة ومعترف فيها". ولعل الزعيم عبد الناصر قد أدرك باكرا الرابطة العضوية بين الوطني والقومي في سياق معركة الأمة لتحرير فلسطين, ففي خطابه في كانون الثاني /1955 يقول: "لقد أبتلينا في فلسطين, وفقدنا العزة والكرامة والقوة, ولهذا قمنا بالثورة, فنحن حينما قمنا بهذه الثورة لم نكن نبغي عزة مصر وحدها, ولكن نبغي عزة العرب, وقوتهم وكرامتهم جميعا".  لذا فقد كان الفصل بين معارك الأمة يعد جريمة بحقها, وهذا ما يؤكد أن كثير من المواقف القومية لم تعدو كونها "جولات خاسرة في معركة مستمــرة".
 
   إن الحل القومي للقضية الفلسطينية يبدأ من الإبقاء على حالة الصراع مع العدو الصهيوني مفتوحة, لأن فلسفة كيانه الغاصب تقوم على فكرة مفادها مصادرة كــل شـيء: فالتاريخ تاريخه والجغرافيا وما عليها له, والإنسان العربي منذ الاغتصاب وصاعدا لا مكان له إلا في المتاحف بوصفه مسخا آدميا آيلا للانقراض, فالحل القومي  ينطلق مما يسميه عصمت سيف الدولة : "ضوابط الموقف العقائدي من الغزو الصهيوني لفلسطين"  والذي ينطلق مما يعد مسلما به من زاوية الحق القومي من حيث : "أنه لما كانت الأمــة تكوينا تاريخيا فان اشتراك الشعب في الوطن هي مشاركة تاريخية تحول من ناحية دون الشعب وأن يتصرف في وطنه أو جزء منه في أية مرحلة تاريخية معينة لأن الوطن شركة تاريخية بين الأجيال المتعاقبة.  وتحول من ناحية أخرى دون أي جزء من الشعب وأن (يتصرف) في الإقليم الذي يعيش عليه أو في جزء منه بالتنازل عنه للغير أو تمكين الغير من الاستيلاء عليه (علاقة خارجية) وتحول من ناحية ثالثة دون أي جزء من الشعب وأن يستأثر بأي إقليم عن بقية الشعب (علاقة داخلية)  .ومن هنا نصل إلى عدة نتائج هامة وملزمة قوميا: أولها: أن فلسطين كجزء من الوطن العربي إقليم مملوك ملكية مشتركة للشعب العربي كله وليس ملكا خاصا لشعب فلسطين.  ثانيها: أن الشعب العربي كله، ومن باب أولى شعب فلسطين وحده، لا يملك الحق في التنازل، أو التفريط، أو المساومة، على حرية فلسطين.  ثالثهما: إن مسؤولية تحرير فلسطين واقعة على الشعب العربي كله وليس على شعب فلسطين وحده.  ورابعها: أن كل الاتفاقات، أو المعاهدات أو القرارات والدساتير والقوانين والمواقف والتصريحات، سواء كانت صادرة من دول أجنبية أو دول عربية، في الماضي أو الآن أو في المستقبل، التي تمس حرية فلسطين، غير مشروعـة قومـيا، فهي ليست حجة على الأمة العربية ولا قيدا على حقها في تحريــر فلسطــين".
 
  إن التجربة ودروس الماضي تبرهن على واقعية الحل القومي لقضية العرب في فلسطين, لأن العدو لا يفقه سوى لغة القوة, ومادام كذلك, وحين يكون الوجود, وجــود البشر، مهددا, فليس هناك ثمة مشروعية لأنصاف الحلول أو أعشارها.  فمعادلة الصراع مع العدو تختصرها مقولة أن :"ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة ".  فهذا الكيان الصهيوني الذي ولد من رحم الاستعمار الغربي, وساهم الأخير ومن خلال لعبة المصالح وتبادلها إلى غرس ذلك المشروع اللقيط في خاصرة الأمة وفي أكثر مناطقها حيوية لفصل مشرقها عن مغربها ووأد أي محاولة لقيام دولة الوحدة, وليكون قاعدة العدوان للامبريالية وقوى رأس المال العالمي, لن يوفر جهدا في سحق أي محاولة لنهضة الأمة, ولعل هذه حقائق لمن عايشوا تواريخ الهزيمة وعاينوها بالتجربة تعد بمثابة حقائق بديهية, ولعل مما يؤسف له حقا أن هناك من يحاول القفز عليها, والتعامي عنها, تحت زعم "المرحلية", و" الخيارات الإستراتيجية"!!.