(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


 

الرئيس الإيراني أحمدي نجاد يثير وكر الدبابير:

حول المِخرقة وأهميتها في الصراع مع الحركة الصهيونية العالمية

 

د. إبراهيم علوش

جهنم معبدة بالنيات الحسنة.  فعندما يقول قائل أن العرب والمسلمين لا شأن لهم بما يسمى "المحرقة" ضد اليهود، ولا يجوز بالتالي أن يتحملوا وزرها، لأنها قضية أوروبية خالصة، فقد يعبر ذلك القول عن قدرٍ كبيرٍ من النوايا الحسنة تجاه القضية العربية، خاصة في بعدها الفلسطيني، بيد أنه يعبر في الآن عينه عن جهل عميق بماهية "المحرقة" المزعومة. 

 

فالمحرقة ليست أقل من أهم حدث، أو كذبة، في التاريخ البشري برمته.  فلو أنها حدثت، كما يقول اليهود أنها حدثت، لأصبح العالم بأسره، ومنه الفلسطينيون، مذنبين بتهمة "اللاسامية"، أو التمييز ضد وكراهية اليهود، ومذنبين أباً عن جد، وإلى ولد الولد، ومذنبين إلى حدٍ لا يمكن التعويض عنه مهما قدموا لليهود.  تلك هي "المحرقة"! 

 

فهي لم توضع كرواية لتقف إلى جانب غيرها من الروايات التاريخية، وهي لو صحت ليست مجرد مجزرة أو فظاعة أخرى تمكن مقارنتها بغيرها من المجازر والفظائع، بل هي أم المجازر، وخلاصة الفظائع، وخرم الإبرة الذي يجدر بكل البشرية أن تنظر للتاريخ من خلاله لتبقى مدانة، وبالتالي مدينة، لليهود، إلى أبد الآبدين.  إنها أيديولوجية تبرير سطوة الحركة الصهيونية العالمية بلا منازع.  فهي  النقطة المرجعية لكل التاريخ والبداية والنهاية والديانة الجديدة للنظام الدولي الجديد، واعتناق ديانة "المحرقة"، التي تقوم طقوسها على عبادة الأغيار لليهود، هي الصهيونية إذ تعولمت، والعالم إذ تصهين، وهي السفلس الفكري الذي بات نشره قراراً رسمياً للجمعية العامة للأمم المتحدة منذ 1 تشرين ثاني/ نوفمبر 2005.

 

وغرفة الغاز التي زعموا أن ملايين اليهود قضوا فيها، بقدر ما تعبق بغازات الأكاذيب الآسنة، ليست مجرد كذبة أو مجزرة أخرى، بل هي لو صحت الحالة الوحيدة في التاريخ التي تمت فيها عملية إبادة جماعية بهذه الطريقة البشعة على هذا النطاق الواسع.  فهي الفرادة بعينها، وهي تميز المعاناة بحد ذاته، فهي لا تترك لك أن تقول أنك تقبل بالمحرقة ولا تقبل بفرادة المعاناة اليهودية في التاريخ.  فالمِخرقة باتت  تعريف فرادة المعاناة.  ولا تستطيع الاعتراف بها دون الاعتراف بالتالي بتميز المعاناة اليهودية، وهو الخطأ الجسيم الذي يرتكبه نورمن فنكلستين مثلاً في كتابه "صناعة المحرقة" حيث يعترف بالمِخرقة، ويرفض الطريقة التي تُستغل فيها سياسياً.

 

فإذا قبلت بالمِخرقة، عليك أن تقبل بفرادتها، وإذا قبلت بفرادة المعاناة اليهودية في التاريخ البشري، عليك أن تتحمل التبعات.  فالمِخرقة ليست مجرد عملية إبادة منهجية، حسب زعم البعض، قام بها النازيون الألمان ضد اليهود خلال الحرب العالمية الثانية، بل هي تتويج لتاريخٍ بشريٍ طويل من التمييز ضد اليهود، انتهى بجريمة لا مثيل لها أبداً هي "المحرقة".  واعترف بأني كنت من الذين كتبوا مرة، بالإنكليزية، على موقع الصوت العربي الحر Free Arab Voice، رداً على إدوار سعيد الذي قال أن مفتاح حل "النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي" هو تفهم الفلسطينيين لمعاناة اليهود التاريخية في "المحرقة"، أن هذا الكلام يجانب الحقيقة، لأن "المحرقة" يفترض أنها جرت خلال الحرب العالمية الثانية، أما وعد بلفور الذي يهب فلسطين لليهود فصدر عام 1917!  فجاء الرد من بعض اليهود وأنصارهم أن "المحرقة" لم تكن سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة اضطهاد اليهود، سبقتها حلقات مثل المذابح القيصرية في روسيا المعروفة باسم Pogroms ضد اليهود، ومحاكم التفتيش في إسبانيا منذ سقط الحكم العربي الإسلامي هناك، وكل المذابح ضد اليهود في القرون الوسطى، الخ... وصولاً "للتمييز العربي-الإسلامي ضد اليهود" الذي يجد أبرز تجلياته في العمليات الاستشهادية في فلسطين، حسب بعض أنصار هذا التوجه.

 

وبالفعل، لا يمكن فهم الصراع العربي-الصهيوني بدون فهم "المحرقة" كما قال إدوار سعيد، سوى أن سعيد يريدنا أن نقبل بالمِخرقة وأن نتبناها وأن نتبنى أساطيرها، كما فعلت الأمم المتحدة مؤخراً، وهي الأساطير التي أصبحت السلاح الأيديولوجي الأمضى بيد الحركة الصهيونية العالمية، لا لتبرير احتلال فلسطين فحسب، بل لتبرير كل سطوتها في مراكز القرار العالمي، اقتصادياً وسياسياً وثقافياً.  فالمطلوب هو تفكيك "المحرقة"، لأنها فعلاً أحد ملفات الصراع العربي-الصهيوني، لا قبولها كما يقدمها الطرف المعادي...

 

وقد بات للمِخرقة معنىً دينياً يتجاوز الصراع العربي-الصهيوني ليبرر السطوة اليهودية العالمية.  فالمِخرقة باتت تعادل في الدين المسيحي فكرة صلب المسيح من أجل خلاص العالم، وهي فكرة متأصلة في الغرب المسيحي بغض النظر عما إذا كانت صحيحة أم خاطئة من وجهة نظر القارئ، مع كامل الاحترام لكل القناعات الدينية، فالمهم هو أن "المحرقة" تشتق منها، وبنفس الطريقة، فكرة حرق اليهود، كأضحية، من أجل خلاص البشرية. 

 

وقد لفتت نظرنا السيدة حياة الحويك عطية، أكثر من مرة، إلى أن "المحرقة" بالفرنسية تسمى Shoah، أو الشواة، وهي فكرة متصلة بحرق الأضاحي للتكفير عن الذنوب، وهذا الربط على قدر كبير من الأهمية لأنه يربط المِخرقة بمعانٍ دينية، وردت في العهد القديم، أو التوراة، تضفي عليها طابعاً مقدساً في لا وعي الشعوب المسيحية، ومن ثم باقي البشر. 

 

ولذلك، عندما تصبح المِخرقة أضحية يهودية لخلاص العالم، يمكن أن نضيف أن القول أن الفلسطينيين غير مسؤولين عن "المحرقة" لأنها جرت في أوروبا هو على نفس القدر من الرداءة كلقول أن الإسلام مثلاً تنزل فقط على سكان الجزيرة العربية، وليس للعالمين، أو أن المسيحية جاءت فقط للفلسطينيين الذين عاش سيدنا عيسى بينهم، وليس مثلاً للأوروبيين.  فالمِخرقة لكل العالمين، وإن آمنت بها، عليك أن تحمل ذنبك وتكفر عنها بممارسة شعائرها. 

 

ومع أن اليهود يعتبرون دينهم رسالة غير عالمية، وأمراً يخصهم فحسب، باعتبارهم "شعب الله المختار"، وأن الأغيار دونهم شأناً، وليس مطلوباً منهم أن يؤمنوا باليهودية، بل أن يخضعوا لليهود، فإن "المحرقة" على نفس المنوال، لا تقود بالضرورة إلى اعتناق اليهودية، بل لاعتناق اليهود، أو لاعتناق السيطرة اليهودية-الصهيونية، بالتحديد، على العالم، تكفيراً للذنوب السابقة، ضد اليهود.  والتكفير هنا ليس مسؤولية الألمان وحدهم، بل مسؤولية كل العالمين، ألماناً كانوا أم غير ألمان، مؤمنين أم ملحدين، فجمالية ديانة "المحرقة"، مقارنة بغيرها من الديانات، أنها ديانة تناسب عصر العولمة، ديانة علمانية محورها اليهود (لا اليهودية بالضرورة)، مع رفع أسمى آيات التقدير ودرجة الحساسية المفرطة بصدد كل ما  يخصهم، ومنه اليهودية طبعاً.  فاليهود هنا يصبحون نقطة إجماع العالم بلا نقاش، ومتحف ياد فاشيم لضحايا "المحرقة" المزعومين يصبح قبلة العالمين.

 

وبالمناسبة، في بداية الثمانينات، عام 1984 بالتحديد، عالج شخص لا يمكن اتهامه بالتطرف، أو بالتعصب والشوفينية واللاسامية، أحد أمثلة الكذب بشأن "المحرقة" في كتاب بعنوان "الوجه الآخر: العلاقات السرية بين النازية والصهيونية"، صادر عن دار ابن رشد في عمان، بقلم محمود عباس أبو مازن!

 

والكتاب خارج عن الطبع، ولم أتمكن من قراءته أو الحصول عليه، ولكن مقاطع منه موجودة على أحد مواقع الإنترنت، يذكر فيها أبو مازن نقلاً عن كاتب اسمه روجيه ديلورم أن الصهيوني المعروف راوول هيلبرغ يقول أن أقل من 900 ألف يهودي قتلوا في "المحرقة"، وأتخيل أن أبا مازن أورد هذه المعلومة ليناقض رقم الستة ملايين، أو الثلاثة ملايين الموجودة أسماؤهم في معبد ياد فاشيم Yad Vashim في القدس الذي يساق إليه كل الزعماء العالميين الذين يزورون الكيان الصهيوني، لتعزيز حس الذنب عندهم قبل أن بدء المحادثات الثنائية، ولعل أبا مازن سيق أيضاً إلى معبد ذلك الدين الجديد في ياد فاشيم في أحد الأيام، الله أعلم!  ولكنه لو ذهب هناك وقال لهم أن ما جرى في "المحرقة" ليس ذنب الفلسطينيين، فإنه يعرف أنه سيتهم بالفاشية واللاسامية وكراهية اليهود، وربما استخدم كتابه كوثيقة إدانة ضده أيضاً، فالخلاصة هي أن مجرد تصديق "المحرقة"، يجعلك كإنسان مسؤولاً عنها، ويصبح عليك بالتالي أن تقدم التعويضات!  وهي فكرة غير معقولة بالتأكيد، ولكنها بالضبط الفكرة التي تريد أن تفرضها الحركة الصهيونية واللوبيات اليهودية.

 

لم أكن أناكف عندما قلت أن كتاب أبي مازن الذي يتطرف فيه للمِخرقة يمكن أن يستخدم ضده يوماً ما عندما يصبح مطلوباً إزاحته.  فمنذ صدور قرار الأمم المتحدة في 1 تشرين ثاني /نوفمبر 2005، تصاعدت حملة التنكيل بالمؤرخين المراجعين في أوروبا الغربية، وهم مجموعة من العلماء والكتاب الذين يفندون أساطير "المحرقة" ويدحضونها بالعلم والتحليل.  وكان من هؤلاء مثلاً المؤرخ البريطاني المعروف ديفيد إيرفينغ، الذي اعتقل في النمسا وهو في طريقه لإلقاء محاضرة هناك في 11/11/2005، بتهمة إلقاء محاضرتين في النمسا تشككان في "المحرقة" عام 1989!!  أي بعد ستة عشر عاماً فقط!  فإذا كان مثل هذا الأمر معقولاً ومقبولاً في أوروبا الغربية، منبع الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان، يصبح من المعقول والمقبول أيضاً أن يكون كل ابن آدم من غير اليهود مسؤولاً عن "المحرقة".

 

فإذا كانت "المحرقة" هي الديانة الجديدة للنظام الدولي الجديد، فإن المؤرخين المراجعين يصبحون بذلك "الكفار الجدد".  وبعد قرار الأمم المتحدة، لم يعتقل فقط ديفيد إيرفينغ، المتهم بالاعتدال والتساهل بين صفوف المؤرخين المراجعين، بل شملت الحملة الكاتب المراجع الكندي الجنسية إرنست ذوندل الذي رحل من كندا ليواجه المحاكمة بتهمة التشكيك بالمِخرقة في ألمانيا في 15 تشرين ثاني/ نوفمبر 2005، وعالم الكيمياء الألماني المقيم في أمريكا الذي رحل إلى ألمانيا ليواجه المحاكمة بنفس التهمة في 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2005، وغيرهم كثر، ممن قضى أو يقضى أحكاماً بالسجن أو بالغرامات بتهمة التشكيك بالمِخرقة، مثل الكاتب السويسري رينيه لويس بيركلاز الذي يقضي حالياً حكماً مدته 17 شهراً بنفس التهمة في بلاده، والكاتب البلجيكي سيغفريد فيربيكيه الذي اعتقل في إحدى مطارات هولندا في صيف عام 2005 بنفس التهمة: التشكيك بالمِخرقة.  وهذا بالطبع غير كل المؤرخين المراجعين الذين فقدوا وظائفهم أو تعرضوا للاعتداء بالضرب أو للاغتيال، والقائمة طويلة، فمنوع بتاتاً مجرد بحث موضوع المِخرقة.  ومن يفعل، لا يلومن إلا نفسه.

 

فتباً لها من ديموقراطية وحرية تعبير يفصلها اليهود على مقاسهم.

 

أحمدي نجاد يثير وكر الدبابير: في مثل هذا الجو، كان من الطبيعي أن تستنفر كل الأبواق اليهودية في العالم لمهاجمة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد لأنه تجرأ على القول، على هامش المؤتمر الإسلامي في 8 كانون أول/ ديسمبر 2005 في مكة المكرمة، حسب ما رشح من وسائل الإعلام:

 

"بعض الدول الأوروبية تصر على القول إن أدولف هتلر (الزعيم النازي) قتل الملايين من اليهود الأبرياء في المحارق ويصرون على ذلك لدرجة أنه إذا أثبت أحد عكس ذلك يدينونه ويزجون به في السجن".

 

وقد أضاف الرئيس الإيراني: "على الرغم أننا لا نقبل بهذا الزعم وإذا افترضنا انه حقيقة نسأل الأوروبيين.. هل قتل هتلر للشعب اليهودي البريء هو سبب تأييدهم لمحتلي القدس" وتابع قائلا "إذا كان الأوروبيون صادقين فيجب عليهم إعطاء بعض من أقاليمهم في أوروبا مثل- (أقاليم) في المانيا والنمسا أو دول أخرى - للصهاينة ويمكن للصهاينة أن يقيموا دولتهم في أوروبا . انتم تعرضون جزءا من أوروبا وسنؤيد ذلك".

 

وما نقل عن أحمدي نجاد منطقي تماماً، سوى أن العالم لا تسيره قوة المنطق، بل منطق القوة.  وعلى الرغم من أن أحمدي نجاد لا يضع يده على الحلقة المركزية في أسطورة المِخرقة، وهي أن كل العالم مسؤولٌ عنها، وليس فقط الألمان، وأن فلسطين ثمنٌ صغير جداً يقدمه العالم لليهود على ما يفترض أن العالم ارتكبه ضدهم، فإن جرأة أحمدي نجاد على التصدي للمِخرقة، التي تصغر كل الأذناب من المسؤولين السياسيين والمثقفين العرب، وقبلها جرأته في طرح مسالة حق "إسرائيل" بالوجود، يجب أن تنال حقها من الاحترام والتقدير.

 

أقول هذا كقومي عربي صريح، وكمعادي للإمبريالية والصهيونية، وكمواطن عربي بسيط يناصر المقاومة العراقية بلا حدود، ويدين التواطؤ الرسمي الإيراني (والعربي قبله) مع أمريكا في أفغانستان والعراق، ويناصر أخواننا العرب في عربستان، ويدعو لعودة الجزر الثلاث للسيادة العربية. 

 

ولكن لا يجوز أن ننظر للسياسة الإيرانية من هذه الزاوية فقط، وهي سياسة، شئنا أم أبينا، لا تقبل الاختزال إلى أبيض ناصع أو أسود قاطع.  فجرأة أحمدي نجاد على دخول المناطق المحظورة في السياسة لا تستند فقط إلى اطمئنانه لشعبيته الداخلية، بل إلى فهم عميق، يفتقده كثيرون، لأهمية "المحرقة" في تكريس الكيان الصهيوني كمركز إقليمي يعتبره المحافظون في إيران منافساً لهم في المنطقة، ولسطوة الحركة الصهيونية العالمية ومحاولتها الحالية منع إيران من امتلاك القدرات النووية. 

 

وفهم هذا التناقض، ضروري لفهم الدعم الإيراني، خاصة من المحافظين، لحزب الله في لبنان وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، فالمسألة تتجاوز العلاقات العامة مع الشعب العربي، أو الخدعة، كما يظن البعض بسذاجة، إلى مشروع إيراني إقليمي، علينا أن نفهمه كما هو، كمشروع يمكن أن نصطدم معه أحياناً، كما في الحرب العراقية-الإيرانية، وأن يصطدم مع الطرف الأمريكي-الصهيوني أحياناً أخرى.  ويمكن أن نتهم السياسة الإيرانية بأي شيء، سوى أنها عشوائية، فطرح حق "إسرائيل" بالوجود، وطرح "المحرقة"، لا ينبع من عبثٍ أو عدم نضوج سياسي أو سوء تقدير للموقف، بل ينبع من مشروع المحافظين في إيران للإقليم برمته وتصادمه من وجهة نظر الجغرافيا السياسية مع المركز الصهيوني المنافس.   أما الإصلاحيون في إيران فقضية أخرى بالطبع، فهؤلاء تتملكهم نزعات ساداتية، ولكنهم ليسوا موضوعنا هنا. 

 

وكمواطن عربي، لا يمكنني أن أقف محايداً عندما تطرح هاتان المشكلتان اللتان طرحهما أحمدي نجاد بكل جرأة، لأني أدفع الثمن الأكبر من جرائهما، فكما سبق وأوضحنا، "المحرقة" أحد ملفات الصراع العربي-الصهيوني، شئنا أم أبينا.  وإذا كان العرب أنفسهم لا يملكون الشجاعة الكافية لطرح هاتين القضيتين المهمتين، فلا يحق لهم أن يلوموا من يجرؤ على طرحهما.  المشكلة فينا وبتخاذلنا، وفي غياب حركة مقاومة عربية حقيقة... وكان الأصح أن يبادر العرب أنفسهم لتبني هاتين القضيتين.

 

ولكن علينا أولاً أن نثقف أنفسنا بأيديولوجية "المحرقة".  وبكل تواضع، أقدم للقارئ الكراس التالي الذي أعددته عنها والذي يمكن أن يجده على الرابط التالي:

 

http://www.freearabvoice.org/arabi/kuttab/alMuarakhuna/muhatwiyatuLKaras.htm

 

وهو بعنوان:  من هم المؤرخون المراجعون؟ ولماذا تعنينا "المحرقة" اليهودية؟

 

فما هي "المحرقة" بالضبط؟

 

كخلاصة، تقوم أيديولوجية المِخرقة على ثلاثة أعمدة:

 

1)   أن النازيين مارسوا سياسة إبادة منهجية ضد اليهود في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية.  وفي الواقع، ما يسمى "الحل النهائي" للمسألة اليهودية، كان يقوم على ترحيل اليهود خارج ألمانيا، ومنه ترحيلهم إلى فلسطين، حسب اتفاق الهافارا، ومن هنا حديث أبو مازن مثلاً عن التعاون النازي-الصهيوني.

 

2)   أن ستة ملايين يهودي في أوروبا قضوا نحبهم نتيجة سياسة الإبادة المنهجية الألمانية.  في الواقع، لم يكن يوجد أصلاً ستة ملايين يهودي في كل المناطق التي احتلها النازيون في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، وقد بقي منهم كثيرون على قيد الحياة بعد زوال النازية!

 

3)   وهنا مربط الفرس، أن هؤلاء الملايين قضوا في غرف غاز.  في الواقع، غرفة الغاز، وليس عدد الضحايا، هي أهم عنصر في أساطير "المحرقة"، وهي التي تميز المعاناة اليهودية عن غيرها وتجعلها فريدة.  في الواقع، لم توجد غرف غاز أبداً، ولم يتمكن أحد من إثبات طريقة تصميمها أو تشغيلها، ولكن بحث ذلك ممنوع بتاتاً.  وتعتبر معارضة أرقام "المحرقة" فحسب  معارضة معتدلة لها مقارنةً بكشف أكذوبة غرف الغاز، التي تجعل أنصار المِخرقة يخلعون تماماً، ويفقدون "ضبانات عقولهم" كما نقول في العامية.

 

وليكن واضحاً أن المؤرخين المراجعين لا يقولون أن اليهود لم يموتوا في الحرب العالمية الثانية، بل مات مئات الآلاف منهم، ولكنهم ماتوا كغيرهم تماماً، من جراء القصف والجوع والمرض وما شابه.  وقد بلغ عدد ضحايا الحرب العالمية الثانية قرابة خمسين مليوناً.  إذن شطب فرادة المعاناة اليهودية يتطلب التركيز على هذه النقطة بالذات، وهو ما يصب المؤرخون المراجعون جهودهم عليه.

 

أما الفوائد السياسية لأساطير المِخرقة، فيمكن تلخيصها في ثلاث:

 

1)   تبرير حق دولة "إسرائيل" بالوجود باعتبارها ملجأهم من لا سامية هذا العالم.  في الواقع، العالم يصبح أكثر تهوداً يوماً بعد يوم، ووضع اليهود متميز في الدول الغربية.

 

2)   تبرير السياسات الصهيونية، باعتبارها جميعاً سياسات تهدف لحماية اليهود من تكرار "المحرقة".  فشعار المِخرقة الدولي اليوم هو: Never Again! أي لن يتكرر الأمر أبداً!  وبالتالي، يصبح مفهوماً لماذا يقبل الغرب بالمقياس المزدوج في التعامل مع السياسات الصهيونية، من امتلاك القنابل النووية، إلى انتهاك حقوق الفلسطينيين صباحاً ومساءاً دون حسيبٍ أو رقيب.

 

3)   تبرير الوضع المتميز للأقليات اليهودية في المجتمعات الغربية، في السياسة والاقتصاد والثقافة، باعتبار اليهود شعب فريد أصلاً، وهو أمر تؤكده المِخرقة نفسها، وباعتبار ذلك جزءاً من فاتورة تسديد الحساب على المظالم العالمية لهم عبر التاريخ، وهو الفاتورة التي لن تسدد أبداً!