(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


العقبة الكأداء أمام "خارطة الطريق" الأمريكية

د. إبراهيم علوش

مشروع "خارطة الطريق" الذي يروج له الأمريكيون وبعض الرسميين العرب هذه الأيام بحجة تضمنه وعداً بإقامة دولة فلسطينية ما غير محددة المعالم خلال ثلاث سنوات يجب أن يقيم من منظورين اثنين، أولهما يتصل بالحاجة الأمريكية لتهدئة الجبهة الفلسطينية استعداداً لشن الحرب على العراق، وثانيهما يتصل بتهيئة أفضل الظروف فلسطينياً لا للقضاء على الانتفاضة فحسب، بل لتهميش عرفات و"تغيير نظامه"، بنفس الطريقة التي تخطط فيها واشنطن ل"تغيير الأنظمة" العربية المتحمسة لخارطة الطريق الأمريكية، وهي في الواقع المحطة الأخيرة فيها.

على المستوى الإقليمي، من الطبيعي أن يتساءل أي مراقب سياسي موضوعي عن السبب الداعي الإدارة الأمريكية اليوم لإعادة إثارة موضوعة الدولة الفلسطينية في نفس الوقت الذي تكشف فيه هذه الإدارة علانيةً عن نواياها العدوانية تجاه العراق حتى بعد موافقته على قرار مجلس الأمن المجحف رقم 1441. السبب ليس بالتأكيد "صحوة ضمير" أمريكية لم تتحقق شروطها الموضوعية بعد، وليس بالتأكيد تداعي النفوذ الصهيوني في أمريكا، وبالتالي، تحرر هذه الإدارة منه على حين غفلةٍ من العرب وشعوب العالم الثالث أجمعين. على العكس من ذلك، لا بد للعرب والمسلمين أن يشحذوا سيوفهم جيداً حين يسمعون الإدارة الأمريكية تتحدث عن "الدولة الفلسطينية"، كما فعلت قبيل العدوان على أفغانستان، وكما تفعل الآن وهي تهيئ لعدوانٍ جديدٍ على العراق. فهي حين تلوح مجدداً بجزرة "الدولة الفلسطينية" تضرب على المستوى الإقليمي عصفورين بحجرٍ واحدٍ: محاولة تشويش قطاعات من الرأي العام سئمت من شدة انحياز واشنطن لتل أبيب، ومحاولة تهدئة الجبهة الفلسطينية تمهيداً لمجزرة جديدة في العراق. 

فلسطينياً، سيكتشف كل من يقرأ نص "خارطة الطريق" الأمريكية أنها تتمحور حول هدفين: في المرحلة الأولى، قيام السلطة إثباتَ حسن نيتها بالقضاء التام على كل أشكال المقاومة "في كل مكان" على حد تعبير النص تكراراً، و"كل مكان" تعني بديهياً الضفة وغزة أيضاً، و"كل أشكال العنف ضد الإسرائيليين" تعني الحجارة أيضاً، مقابل مكسب سياسي متواضع جداً هو الانسحاب الصهيوني إلى حدود ... ما قبل الانتفاضة، أي 28/9/2000. الطريف هنا أن السلطة عليها أن تحارب "الإرهاب" دون التزام مشابه من الطرف الصهيوني، فقط الإبعاد وهدم المنازل هما الممنوعان على "إسرائيل"، هذا إذا التزم الطرف الفلسطيني بالمطلوب منه! كالعادة، هنالك أيضاً وعدٌ بتجميد الاستيطان، وهذا الوعد سبق أن قدم عدة مرات في كامب ديفيد الأول وملحقاته، ونعرف كيف تم نقضه في كل مرة. كما أن الوعد الجديد بالتحديد لا يمس وضع المستوطنات القائمة قبل آذار 2001 حسب "خارطة الطريق"، فهو عملياً يشكل اعترافاً بمشروعية هذه المستوطنات قبل ذلك التاريخ. 

في المرحلة الثانية، يتم تهميش ياسر عرفات وتقليص صلاحياته إلى الحدود الدنيا، كما يستشف القارئ الموضوعي للنص من كل ما جاء فيه عن استحداث منصب رئيس وزراء ذي صلاحيات في السلطة، وفصلٍ للسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية فيها، وإعطاء المزيد من الصلاحيات للوزراء والمسؤولين، وإعادة تنظيم الجهاز الأمني وإعادة تأهيله تحت إشراف أمريكي ورسمي عربي، ألخ... بما يضمن تهميش عرفات حتى لو نجح في أي انتخابات، لا بل بما يضمن إضعاف أي رئيس لاحق للسلطة بعد عرفات، وهو ما لا يجيء ضمن سياق إصلاح ديموقراطي شعبي، بل ضمن سياق زيادة هيمنة الطرف الأمريكي-الصهيوني، أي ضمن سياق مناقض للإصلاح المطلوب شعبياً. 

ولست بالتأكيد من أنصار التسوية، ناهيك عن أي شئ يتمخض عنها من سلطة دون سيادة على فتاتٍ من فلسطين ورئيس للسلطة أو انتخابات للسلطة، ولكني أقول أن محاولة تهميش عرفات وصولاً إلى إقصائه، فضلاً عن كون "خارطة الطريق" لم تأت أصلاً إلا لسد حاجة أمريكية إعلامية آنية، يعني على المدى البعيد أن الخطة الأمريكية لن تثمر دولةً فلسطينيةً تحاكي أوهام أنصارها العرب والفلسطينيين، لأن عرفات كأي حاكم عربي لن يقبل بإقصائه أو بتهميشه بهذه السهولة، مما يعني عملياً تعطيل المرحلة الثانية من "خارطة الطريق"، بالتالي تعطيل "الدولة" الموعودة. 

بالطبع، هذا لا يمنع أن تقوم دولة فلسطينية بشروط صارمة أمريكية-صهيونية، ولكن هكذا دولة لا تلبي حتى طموحات التسوويين، ناهيك عن الطموحات الوطنية الفلسطينية التي تمحورت منذ بدء الانتفاضة حول انسحاب الاحتلال دون قيدٍ أو شرط. وعلى كل حال، لقد ربطت "خارطة الطريق" الأمريكية قيام الدولة الفلسطينية الحارسة للأمن الصهيوني والمصالح الأمريكية بمؤتمر دولي في المرحلة الثالثة منها يتم فيه تحقيق تقدم في التسوية مع سوريا ولبنان، وتطبيع كافة الدول العربية لعلاقاتها مع العدو الصهيوني، أي ببيئة إقليمية ملائمة، وهو ما لا يمكن ضمانه على الإطلاق في ثلاث سنوات، إلا إذا افترضنا عمليات اجتياح متتالية لدول المنطقة.

وليست هذه التوقعات بفشل "خارطة الطريق" الأمريكية دعوة للمقاتلين والمجاهدين للاسترخاء، فلا تزال هناك المرحلة الأولى من الخطة التي تدعو لتصفيتهم، تعززها أوهامٌ في الساحتين العربية والفلسطينية بأن وقف العمليات الاستشهادية سوف يزيد فرص ميتسناع من حزب العمل بالفوز بالانتخابات "الإسرائيلية". وتأتي المبادرتان الرسميتان المصريتان للحوار بين حماس والسلطة، وللوساطة بين عرفات وشارون، ضمن سياق هذه الأوهام. لذلك، قد لا يتردد عرفات بالانقضاض على القوى المقاتلة في الانتفاضة خلال الفترة القادمة، أولاً لأنه يعتقد أنه لا يملك إلا أن يبدي شيئاً من التجاوب مع الخطة الأمريكية، وثانياً لأنه مثل غيره من التسوويين لم يتخلص، بالرغم من كل ما حدث خلال فترة مشاركة بيريز وبن أليعازر في حكومة شارون، وكل ما حدث قبل ذلك، من وهمٍ مفاده أن وجود حزب العمل في الحكم يجيء بأفضل الشروط للتسوية كما يريدها الطرف الضعيف في المعادلة: الرسميون العرب والفلسطينيين. 

وقد جاءت سلسلة مجيدة من العمليات الاستشهادية وغير الاستشهادية أبان ذلك كله لتسقط المبادرتين المصريتين، ومعهما أوهام التسوويين الممجوجة، ميدانياً. وأهمية تصاعد هذه العمليات ليس تعزيز فرص شارون بالنجاح، لأن لا فرق بين الغزاة الصهاينة أصلاً. أهمية تصاعد هذه العمليات هو شل تذبذب القوى التسووية في الساحتين العربية والفلسطينية التي تعتقد أن هنالك فروق بين الغزاة، والتي تجعل من هذه الفروق المزعومة ذرائع لنشر الفكر الانهزامي ولتصفية واعتقال المناضلين والمجاهدين، معيدةً بذلك عقارب ساعة التحرير أزماناً إلى الوراء. فالعمل المسلح الذي ترويه بسخاء إرادة الشعب الفلسطيني كان وسيبقى العقبة الأكثر ثباتاً أمام "خارطة الطريق" الأمريكية.