(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


كويتيان بطلان يضيئان مثالا ساطعا للعرب والمسلمين

 

د. إبراهيم علوش

لم يكن خيار الأهداف في الهجمات على ناقلة النفط الفرنسية في اليمن والملهى الليلي في مدينة بالي السياحية الشهيرة في أندونيسيا، ومسرح موسكو، ليأتي في وقت أكثر ملاءمة لإدارة بوش من أجل تبرير حرب أمريكا المزعومة ضد "الإرهاب". ففي عنق الوقت الحرج الذي بدأت تتجمّع فيه سحب الجحيم فوق العراق، لم يكن شيئاً ليساعد أكثر في دفع الرأي العام العالميّ، المعارض حتى الآن للعدوان الأمريكيّ على العراق، إلى أحضان الصهاينة والإدارة الأمريكية. وفي حالة سوء الاجتهاد عن حسن نية، تعبر هذه العمليات في توقيتها ومواضعها عن تشتيتٍ للجهود في غير الاتجاه الذي يأتي منه التهديد الأساسي: العدو الأمريكي-الصهيوني.

ولكن، بينما سببت هذه الحوادث الكثير من الأذى للقضية العربية والإسلامية بصفة عامة، وللعراق بصفة خاصة، فإنّ العملية الشجاعة في جزيرة فيلكا الكويتية على الخليج العربيّ في الثامن من أوكتوبر/تشرين الأول، 2002، وسلسلة الهجمات المشابهة التي تبعتها، قد أرسلت عدة رسائل قوية في الاتجاه المعاكس، بفضل توقيتها المناسب والاختيار الصحيح للهدف.

بادئاً ذي بدء، إذا وُجد كويتيون أمثال أنس الكندري وجاسم الهاجري يكنون كل مشاعر العداء تلك تجاه القوات الأمريكية على الأرض الكويتية، فهل تستطيع إدارة بوش أن تبدأ حتى بإدراك المدى الذي يشتاط فيه الشارع العربي غيظا تحت نير النظم العربية في الأماكن الأخرى؟ أو ماذا ستكون ردة فعل الشعب العراقيّ إذا ما تم حشد القوات الأمريكية على أرض بلاده؟! هذه هي الرمال المتحركة التي من شأنها أن تجعل الإدارة الأمريكية تعيد النظر بشأن خططها لغزو العراق واحتلاله.

وعلى عكس ما تدعيه وسائل الإعلام الغربية، فإن تلك العملية لا تعبر عن حادث فردي قام به فردان معزولان، بل تعبر عن توجه قطاع واسع من السكان، كما يشهد على ذلك عدد الذين حضروا دفنهما، وقد بلغ الآلاف كما هو معروف. و لم يصلى عليهما ولم يغسلا، وقد كان يعرف الحاضرون أن ذلك يعني أنهم يقفون أمام شهيدين، لا أمام مجرد قتيلين. مع ذلك، لو كان الدعم لأنس وجاسم يمثل مجرد بضع حالات معزولة، لما تم اللجوء إلى محاكمة كويتي أثنى عليهما. فمحاكمة هذا الرجل تعكس الحاجة السياسية إلى خنق كل مظاهر التأييد لأنس وجاسم وما قاما به. 

لكنّ الأهم من هذا وذاك، إذا استطاع كويتيان إجبار القوات الأمريكية على الانسحاب من فيلكا "خوفا على سلامتهم"، كيف سيعاد تشكيل الوجود العسكريّ الأمريكيّ في المنطقة عندما يثير العدوان على العراق المزيد من هذه الهجمات على الأمريكيين من قِبَل العرب والمسلمين؟ لاحظوا كيف استطاع المهاجمان أن يتسللا إلى منطقة من المفترض أنها واقعة تحت حراسة مشددة من قِبَل أحد أفضل فروع القوات العسكرية الأمريكية، ثم كيف ضربا مرتين في مكانين مختلفين قبل أن يلقيا شهادتيهما في وهج من المجد. والضربة الثانية تثير الانتباه حقاً، إذ إنها تلمّح إلى أنّ الأمريكيين كانوا متغطرسين جداً في إحساسهم الزائد بالأمن، بالقدرالذي تؤكد فيه على عزيمة الأخوين الكويتيين.

بالإضافة إلى ذلك كله، فإنّ هجماتٍ كالتي حصلت على جزيرة فيلكا الكويتية، وقد كانت هناك أكثر من حادثة بعدها في أماكن أخرى، تقوي الروح المعنوية والتصميم العراقيّ على صدّ أي اعتداء أمريكيّ وشيك. مثل هذه الحوادث، داخل وخارج الكويت، تظهر أنّ التصدي لأمريكا يمكن أن يثمر عسكرياً. كما أنها توحي بأنّ الشارع العربيّ والإسلاميّ متماسك سياسياً في معارضته للعدوان الأمريكيّ على العراق، وللخطط الأمريكية بشكل عام.

علاوة على ذلك، فإنّ هذه الحادثة على وجه الخصوص غنية بالرموز. فالهجوم لم ينفذ فقط من قِبَل كويتيين، من المفترض عند بوش أنهم موالون للأمريكان، بل إنه نُفذ من قبل كويتيين في الوقت الذي تُعد فيه الولايات المتحدة لغزو العراق.

وبذلك، يكون هذان الكويتيان قد ساهما بإعادة دمج الكويت في الصف الشعبي العربي أكثر مما ساهمت أي محاولة أخرى في السنوات الإثني عشرة الماضية، ومن ضمنها بعض الحملات الكويتية الشعبية لدعم للانتفاضة الفلسطينية الثانية في فلسطين.

نقطة أخرى: لقد كان من المؤثر جداً ومن المهم أيضاً أنّ أحد الشهيدين ترك رسالة تلفت الانتباه إلى معاناة الشعب الفلسطينيّ، وأنّ "وصيته" بالإضافة إلى التصريح الذي أدلى به أحد أقرباء الشهيد يشيران إلى أنّ هجومه كانت تحركه مشاعر الأخوة مع الشعب العربي الفلسطينيّ واشمئزازه وغضبه من الممارسات الصهيونية-الأمريكية في الوطن العربيّ. لذا، فإنّ أحد أهم ما فعله أنس الكندري وجاسم الهاجري هو مساهمتهما في لئم الجراح القديمة في العلاقات العربية على مستوى شعبي. وبهذا أصبح أنس وجاسم بطلين من أبطال الوحدة العربية والإسلامية، يستحقان الثناء على ما قاما به.

وبعيداً عن كونهما "إرهابيين"، فقد كانا يمارسان مقاومة مشروعة ضد القوات الأمريكية الغازية على التربة العربية. إنّ استشهادهما قد عاد بالفعل بالفائدة على الأمة العربية والإسلامية التي تركاها وراءهما، وبطولتهما قد أضاءت مثالاً ناصعا للبقية ليتبعوه. نسأل الله أن يبارك شهادتيهما وأن يدخلهما فسيح جناته.