(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


 

معان والنقابات والهجمة الحكومية على مفاصل المجتمع المدني الأردني: لمصلحة من؟

 

د. إبراهيم علوش

لعل نوفمبر/ تشرين الثاني 2002 المنصرم يمكن أن يسمى في التقويم المحلي شهر التصعيد النوعي في الهجمة الحكومية على مؤسسات المجتمع المدني المستقلة عن الغرب في الأردن. 

وإذا كانت هذه الهجمة قد بدأت قبل شهر رمضان المبارك بأمدٍ طويل، فإن تحولاً نوعياً في نمط التعامل الحكومي قد طرأ قبيل الشهر الكريم باتجاه استخدام القوة العسكرية والقانونية للتعامل مع الأسباب، وليس فقط لمنع نشاطات معينة تعتبرها الحكومة معارضة لسياساتها فحسب كما كان يحدث سابقاً لمنع بعض المسيرات أو المحاضرات أو غيرها من النتائج. ولكن النتيجة الموضوعية لهذه العملية هو إضعاف وتفكيك أوصال نوع محدد من القوى المدنية الواقعة خارج السيطرة المباشرة للدولة (مثل النقابات والعشائر والجمعيات والشخصيات المعارضة السلمية عامةً) بشكل تحاول الدولة أن يكون ناجزاً، وهو الأمر الذي يؤدي بالضرورة إلى تغيير خريطة القوى السياسية والاجتماعية في الأردن على نحوٍ يصب في سياق إضعاف الدولة الأردنية على المدى البعيد. فالخطوات التي تقوم بها الدولة اليوم تعني، بغض النظر عن النوايا، إضعاف وتفكيك أوصال الدولة الأردنية نفسها كما سيبين هذا المقال لاحقاً. 

وتفصيل ذلك أن التصاعد النوعي في الهجمة الحكومية على مؤسسات المجتمع المدني الأردني المستقلة بدأ دون تصعيد مقابل أو سبب مباشر يمكن أن تعتبره الدولة تحدياً سافراً لها، مثل مظاهرة أو مسيرة أو احتجاجٍ ما. وكان أول القطف في هذه الهجمة قرار حل الجمعية الأردنية لحقوق المواطن التي يرأسها الدكتور فوزي السمهوري في 28/10/2002. وكان الدافع الأساسي خلف حل الجمعية الأردنية لحقوق المواطن هو إثارتها لقضية الأردنيين المحرومين من الجنسية المقيمين داخل وخارج الأردن دون وجه حق، ويبلغ عدد هؤلاء ألفاً وبضع مئات لا يهتم بمشكلتهم أحدٌ حسب اللوائح التي قدمتها الجمعية للمراجع المختصة. بالتأكيد، ساقت الحكومة حججاً قانونية لحل الجمعية الأردنية لحقوق المواطن، وقد ردت الجمعية على هذه الحجج بالتفصيل، وكان بإمكان الحكومة أن تفسح مجالاً لو أرادت لحل أية مشاكل قانونية عالقة إن وجدت قبل الحسم بحل الجمعية بهذه الصورة القاطعة، ولكن قرار الحل كان قد اتخذ، والقرار يبقى سياسياً وليس قانونياً بالأساس، فلا مكان للحلول الودية أو الفرص الرحبة هنا.

المهم، تشير الأحداث اللاحقة أن قرار حل الجمعية الأردنية لحقوق المواطن كان اختبار القوى التجريبي الذي اطمأنت فيه الحكومة إلى ضعف ردة الفعل على ما سيأتي. وكان ما سيأتي لاحقاً من هجومٍ على معان والنقابات وغيرها مدروساً بشكل مسبق بالضرورة لأنه لم يأت رداً على ما يمكن أن تعتبره الحكومة استفزازاً محدداً، بل أتى ضمن سياق مشروع إعادة تنظيم البيت الداخلي سياسياً. فتلاحقت الأحداث خلال شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2002 باتجاه محدد هو إضعاف قوى المجتمع المدني المعارضة للسياسات الحكومية بالتحديد فيما يتعلق بالتطبيع والتقارب مع الولايات المتحدة، بغض النظر عن الحجج القانونية. 

من يقرأ تقرير "السبيل" الميداني من معان مثلاً (أنظر الصفحات السادسة والسابعة من "السبيل"، عدد 26/11/2002) يجد أن المواجهة هناك أخذت أساساً طابع الصراع مع العشائر المعانية، وأن المعانيين "استنهضوا روح القبيلة واستعانوا بها عندما وجدوا الظلم والأذى يلحق بأبنائهم دون سبب"، وأن "ثلاثة دواوين تعود لعشيرة أل خطاب تم اقتحامها"، و"أن البيوت القريبة التي هجرها أهلها بعد الأحداث لم تسلم من الضرر"، وأن مئات الشباب من العشائر اعتقلوا أو ما يزالون. وهذا كله يوحي أن الأمر يتعلق بمحاولة تكسير مركز قوى سياسي-اجتماعي أردني أصيل معارض للتقارب الحكومي مع "إسرائيل" وأمريكا قبيل الضربة المتوقعة للعراق، لا بمتابعة عصابة من مهربي المخدرات، وهو الأمر الذي لا يصدقه أحد خارج بعض الدوائر الإعلامية (كتاب التدخل السريع) وبعض الأمناء العامين للأحزاب. على العكس من ذلك، سادت تكهنات في الشارع أن أسلحة معان المصادرة جزءٌ مما يدعم به المعانيون الانتفاضة، وأن معان كانت نقطة تهريب للأسلحة إلى فلسطين، وهو ما لا نستبعده على المعانيين وهم أهل همة ونخوة ومشاعر عربية وإسلامية عميقة الجذور.

ولكن سياسياً، لا تأتي الهجمة على معان فقط كرسالة لكل من تسول له نفسه الاحتجاج في الشارع الأردني في حالة ضرب العراق، وكان أحد المسؤولين قد قال ما يفيد "أن معان رسالة لباقي المناطق الأردنية"، بل تأتي معان، كما يبدو على سطح الأحداث، ضمن مشروع أوسع لضرب مراكز القوى الأردنية التي تلتزم بالثوابت الوطنية والخارجة في الآن عينه عن سيطرة الدولة، وهو ما لا يعني على الإطلاق أنها الخارجة على القانون.

وقد جاءت مؤشرات أخرى خلال شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2002 لتعزز هذه القناعة بأن المشروع الحكومي هو كبت النزعات المستقلة في المجتمع المدني، كان منها القانون المؤقت الذي يسمح للحكومة أن تعين رئيس ونصف أعضاء المجالس البلدية، وكانت المجالس الطلابية في الجامعات قد فرض عليها نصف الأعضاء بالتعيين قبل ذلك بزمن.

كما أن توقيف المهندس ليث شبيلات ثلاث مرات في النصف الثاني من الشهر نفسه دون أن يكون قد قام بأي تصرف استفزازي أو تحريض شارعي، ودون أن توجه إليه أية تهمة سوى دفاعه عن معان الجريحة، ليوحي بأن الحكومة جادةٌ باحتواء لا حرية التعبير فحسب بل كل مراكز القوى في المجتمع المدني التي ترفض السير في الخط الأمريكي. 

وجاء أخر العنقود كما هو معروف في 28/11/2002 سلسلة القرارات الحكومية بحل مجلس نقابة المهندسين بناءاً على قرار من محكمة العدل العليا وتعيين الحكومة مجلس جديد لنقابة المهندسين محلها، واعتبار مجلس النقباء ولجان مقاومة التطبيع وما يماثلها في مجمع النقابات من لجان مؤسسات غير قانونية بناءاً على قرار من ديوان تفسير القوانين في مجلس الوزراء، أي في السلطة التنفيذية. ومرة أخرى، لا يمكن أن تخفي الذرائع القانونية التوجه السياسي الجديد للحكومة بتفكيك قوى المجتمع المدني المعادية للنهج الأمريكي. وما برحت ملفات مجلس النقباء ولجان مقاومة التطبيع مرشحة للتفاعل باتجاهات سلبية، بالرغم من الإفراج عن أعضاء لجنة مقاومة التطبيع علي أبو السكر وميسرة ملص وبادي الرفايعة بعد ثلاثة وخمسين يوماً من الاعتقال دون مبرر قانوني ، إذا كانت قراءتنا للموقف صحيحة.

الخلاصة هي أن الحكومة بتوجهها الجديد لسحق قوى المجتمع المدني المناوئة للخط الأمريكي والتطبيع مع العدو تضعف الدولة الأردنية نفسها استراتيجياً ولو حققت هذه الحكومة بعض المكاسب التكتيكية بإسكات الأصوات المعارضة و"ترييح الرأس منها". فالمشروع العولمي اليوم ينهض في أحد جوانبه على تقوية المنظمات غير الحكومية الممولة أجنبياً، وربط مؤسسات المجتمع المدني الأخرى، كالنقابات المهنية مثلاً، بالخارج، لكي تحل هذه الهيئات ضمن سياق العلاقة مع الخارج محل الدولة العالم ثالثية في الدور الاجتماعي والسياسي الذي كانت تلعبه سابقاً، ولتسهل عملية الاندماج في علاقات التبعية ضمن النظام الرأسمالي العالمي الذي تقوده أمريكا. 

لذلك، فإن إضعاف مؤسسات المجتمع المدني المستقلة عن المشروع الأمريكي والمناوئة للتطبيع سوف يفسح الميدان واسعاً لمنظمات التمويل الأجنبي لتلعب دوراً أكبر، وسوف يمهد للمشروع الأمريكي والأوروبي لربط مؤسسات المجتمع المدني برنامجياً وتنظيمياً بالخارج. وهذا بدوره لا بد له أن يهمّش الدولة الأردنية بالتدريج، حيث لا تستطيع هذه الدولة التعامل مع المنظمات والشخصيات المدعومة من الدول المانحة بنفس الروح القمعية التي تتعامل بها اليوم مع قوى المجتمع المدني الأردنية المستقلة فعلاً، وإلا، فإن شريان المساعدات الخارجية سوف يشدّ منذراً بالانقطاع، كما في حالة سعد الدين إبراهيم وغيره في مصر. لا بل أننا نستطيع القول أن زيادة المساعدات الخارجية للأردن بنسبة 42% في عام 2002 عن العام السابق تأتي ضمن هذا السياق، سياق ربط الأردن أكثر وأكثر بالمشروع الأمريكي سياسياً، ومشروع العولمة اقتصادياً، وسياق إضعاف قوى المجتمع المدني المستقلة عن المشروع الأمريكي لمصلحة القوى المرتبطة به.

أما العشائر، فلا بد من تفكيك قواها وتحجيم دورها كقوى أصبحت خارج السياق السياسي في المشروع الجديد، وهو ما يهدد استقرار الدولة الأردنية في قاعدتها عندما تنساق خلف هكذا مشروع يستهدفها هي بالذات في النهاية، كما يستهدف الدول ككل في ظل مشروع العولمة. 

هذا بالنسبة للدولة الأردنية، أما قوى المجتمع المدني المستقلة عن المشروع الأمريكي فعليها أن تعرف أن ما تتعامل معه ليس مجرد سياسات حكومة محددة، بل مشروعاً استراتيجياً أمريكياً لتصفيتها ضمن إطار كل المشروع الأمريكي في المنطقة العربية.