(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
مرة أخرى حول الموقف من إيران
د.ابراهيم علوش
بالنسبة للنقاش الدائر حول الموقف من إيران في لائحة القومي العربي وفي الكثير من جلسات المواطنين العرب من المحيط إلى الخليج في الواقع، أعتقد أن حل هذه المعضلة، إن أردنا أن نحلها على النهج القومي، لا بد له أن ينطلق من ثابتين:
1- أولاً أن التناقض الرئيسي للأمة هو مع الطرف الأمريكي-الصهيوني وأذنابه، وأن هذا الطرف هو صاحب مشروع الهيمنة والاحتلال والتفكيك والمذابح.
2- ثانياً أن مشروع الاحتلال والتفكيك والمذابح في العراق هو بالضرورة جزءٌ لا يتجزأ من المشروع نفسه في بقية الوطن العربي كما ثبت من أكثر من وثيقة صهيونية وموقف أمريكي معلن تحت عنوان حقوق الأقليات والأقاليم وما شابه.
الآن تعالوا نسأل، أين تقف إيران من المشروع الأمريكي-الصهيوني في العراق، وهل كان دورها هو مقاومته أم تسهيله؟
يعني من منطلق الارتكاز إلى التناقض الرئيسي فلنحلل الموقف من إيران
وعند تناول المسألة من هذه الزاوية سنجد أن إيران على الرغم من تصارعها على النفوذ، دموياً أحياناً، مع الولايات المتحدة في العراق، فإن دورها العام في العراق لم يكن مجرد توسيع حقل نفوذها، أو محاولة الحلول محل الولايات المتحدة هناك، بل أن دور إيران كان كما هو مثبت:
1- تسهيل الاحتلال الأمريكي للعراق، على حد قول مسؤوليها، من خلال جماعاتها من المجلس الأعلى إلى جماعة المهدي.
2- تمرير مشروع التفكيك على مستوى شعبي من خلال المرجعيات المتواطئة، مثل السيستاني وغيره، من خلال بلورة وعي طائفي كبديل للحس الوطني العراق أو القومي أو حتى الإسلامي.
3- المساهمة بشكل فعال في المذابح الطائفية وعمليات التهجير وتطهير المناطق على أساس طائفي.
4- استخدام الأدوات الإيرانية في العراق لمحاربة المقاومة العراقية ميدانياً يومياً وبشكل انتقامي وحثيث.
5- الدخول في مساومات سياسية وتفاهمات حول توزيع الحصص والمكاسب بينها وبين الولايات المتحدة على صعيد العراق والإقليم، وكان من الوثائق التي كشفت بهذا الصدد تلك التي كشفتها الواشنطن بوست مؤخراً حول الاتصالات التي جرت بين القيادة الإيرانية والولايات المتحدة في فرنسا عن طريق السفير السويسري والتي نشرت تفاصيلها وسائل الإعلام.
إذن، تفاقم المشكلة مع إيران يرتبط بشقين1- الصراع القومي العربي-الفارسي، وهو صراع تاريخي ذو أبعاد جغرافية-سياسية منذ ما قبل الإسلام، وهذا لا بد من إيجاد تسوية تاريخية له على قاعدة مراعاة مصالح الطرفين، العرب والفرس، 2- دور إيران العملي والسياسي في المذابح والاحتلال والتفكيك الطائفي في العراق في هذه المرحلة من تاريخ أمتنا بما يفيد ويستفيد من الدور الأمريكي-الصهيوني هناك، وهذا لا بد أن يكون موضع صراع مسلح بيننا وبين إيران، لأن إيران هي التي تنزلق فيه إلى حضن الأمريكان وليس نحن.
والبرنامج المقابل، برنامج الأمة وأوسع شرائحها، لا يكون بفرض التحالف مع إيران بديلاً للانزلاق إلى حضن الطرف الأمريكي-الصهيوني وأذنابه، أو بالعكس، بل بالتأكيد على عروبة العراق، كل العراق، ومنه عربستان.
هذا معنى أن يكون برنامجنا مستقلاً وليس تابعاً.
أما إيران فإنها تصارع الولايات المتحدة على أرضية قانون الاحتلال والتفكيك والمذابح، وليس على أرضيتنا، قانون عروبة العراق.
فمشكلتنا مع إيران إذن هي ذات طابع سياسي، وراهن بالمناسبة، ولا يجوز أن ننجر بأي شكل من الأشكال إلى تحريض ضد الشيعة أو أية طائفة أخرى لأن هذا يصب في خدمة مشروع التفكيك الذي تستفيد منه إيران والطرف الأمريكي-الصهيوني، وإذا كان الساسة الإيرانيون يحاولون تغطية الموقف من السياسة الإيرانية بالزعم أنه موقف من الشيعة، فإن الهدف الوحيد لذلك هو تعبئة الشيعة العرب تحت لواء الموقف الإيراني الرسمي، ويجب أن نحذر الوقوع في مثل هذا المطب.
فالطائفية مدانة بغض النظر عن مصدرها
وهي ليست جزءاً من أي موقف قومي بالتأكيد.
ولكن فلننتبه، ونحن ندين الطائفية بأقصى لهجة ممكنة، أن بعض المقاومين الذين يقاومون الأمريكان في العراق، قد انجروا إلى منزلقات طائفية، وقد أوضحت الكثير من فصائل المقاومة موقفها من هذا، ومنه دولة الأنبار الإسلامية، التي تشكل، بغض النظر عن حسن النوايا جزءاً من مشروع التفكيك في العراق وفي الإقليم.
ولكن لا نستطيع أن ننكر أيضاً أن هؤلاء يمارسون العمل المسلح ضد الأمريكان وأعوانهم في العراق بشكل منهجي منذ سنوات، وأنهم يدفعون الأثمان الباهظة بسبب ذلك، فهم بالتالي، على الرغم من مزاجهم الطائفي، وإدانتنا لهذا المزاج من منطلق سياسي أيضاً، لا يمكن أن يوضعوا على نفس المستوى مع فرق الموت التابعة لجيش المهدي التي تتمتع بحماية اجهزة الدولة التي خلقها الاحتلال في العراق.
وهناك فرق بين من يمنعه قصور وعيه السياسي عن أن يحمل مشروع تحرير، فيرتكب أخطاء ليس لها أول ولا أخر، في الطرح وفي الممارسة، وبين من يشترك بشكل فعال يومياً في المجازر الطائفية واللعبة الأمريكية على قاعدة الحصول على حصة أكبر فيها.
فالطرف الأول يرتكب أخطاء قاتلة، والطرف الثاني يرتكب خيانات فاضحة.
والمقياس دوماً هو موقف المرء من التناقض الرئيسي، أي مقدار القرب أو البعد من الطرف الأمريكي-الصهيوني وأذنابه.
مرة أخرى أؤكد أن مشكلتنا مع إيران إذن ليست ذات طابع طائفي، والشيعة العرب في العراق جزءٌ أساسيٌ من عروبة العراق والأمة.
ولا بد أن نميز أيضاً ما بين الشيعة العرب خارج العراق وما بين المشروع الإيراني، بل أن نجاح المشروع القومي التحرري النهضوي يتوقف على مثل هذا التمييز.
فالطائفة شيء، والوطن للجميع
ولا يجوز أن نحمل حزب الله مثلاً، كقوة مقاومة عربية مشروعة في لبنان، جريرة الموقف الإيراني في العراق حتى ونحن نطالبه بإلحاح بموقف واضح من المقاومة العراقية.
ولكن بنفس المنطق القومي أيضاً علينا أن ندرك جيداً أن تفكيك العراق، من خلال التقاطع الإيراني-الأمريكي، يعني تفكيك باقي الإقليم طائفياً، وأن مشروع الهيمنة والتفكيك والمزدوج لا يتوقف عند حدود العراق لا بالنسبة لأمريكا ولا بالنسبة لإيران.
نعم، إيران جارة تاريخية يجب أن نسعى لإيجاد صيغة تعايش ما معها، ولكن ليس على قاعدة التخلي عن حقوقنا التاريخية أو عن هويتنا العربية الإسلامية أو عن مصالحنا المشروعة كأمة.
وحتى لو وجدنا تقاطعات مؤقتة لنا مع إيران في فلسطين أو لبنان، وهي تقاطعات موجودة، فإننا لا يجوز أن ندير العلاقة في خضم مثل هذه التقاطعات إلا كطرف مستقل، طرف مستعد أن يدافع عن نفسه لو حدثت تفاهمات إيرانية-أمريكية على حسابنا كأمة كما في وثيقة الواشنطن بوست المذكورة أعلاه التي بحثت فيها إيران وأمريكا إمكانية نزع سلاح حزب الله وتطويع حماس والجهاد الإسلامي مقابل المفاعل النووي السلمي لإيران.
باختصار، ثمة نزعة عند البعض للأسف لأن يلحقنا بإيران بذريعة عدم الوقوع في أحضان أمريكا، وهذا محذور قائم فعلاً، سوى أنه لا يأخذ بعين الاعتبار إمكانية وقوع إيران بأحضان أمريكا على حسابنا.
وبكل هدوء، وبدون أي انفعال، علينا أولاً أن ننطلق من
1) الولاء للأمة و
2) رؤية شمولية للمصلحة الإستراتيجية للوطن، في كل موقف أو فعل سياسي، وبعدها فقط يمكن أن نبحث شأن التحالفات والتقاطعات المؤقتة أو غير المؤقتة.