(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
مساعي التهدئة في غزة
د. إبراهيم علوش
نرجو أن يكون الأمر مجرد تأكيد لأهل قطاع غزة بأن حماس ذهبت لنهاية الطريق في سد ذرائع الاجتياح الصهيوني المرتقب للقطاع، ولكن من المنظور المبدئي والسياسي، لا بد أن يتساءل أنصار المقاومة كثيراً عندما يرون أن إستراتيجية حماس السياسية المعلنة والظاهرة في المرحلة الراهنة، في غزة ودمشق، باتت تقوم على: 1) استجداء التهدئة بشروط مخففة (استثناء الضفة)، 2) المطالبة بوساطة رسمية عربية ل"توحيد الصف" مع الذين ينسقون أمنياً وسياسياً مع العدو الصهيوني (حكومة دايتون)، 3) التأكيد على التمسك باتفاقات "الوحدة الوطنية" المختلفة التي تعترف بما يسمى "الشرعية العربية والدولية".
والمقابل يفترض أنه: 1) رفع الحصار عن القطاع، 2) فتح معبر رفح، 3) وقف استهداف القطاع، على أن يتم التباحث لاحقاً على وقف استهداف فصائل المقاومة في الضفة.
وهو ما يعادل فعلياً: 1) تكريس الاعتراف الرسمي العربي والدولي بسيطرة حماس على القطاع، 2) تكريس دور قيادة حماس فلسطينياً برفع الحصار عن القطاع، 3) العودة إلى صيغة "حكومة الوحدة الوطنية" مع قيادة السلطة الفلسطينية بشروط أفضل لقيادة حماس.
وربما رأت قيادة حماس أن الجو الإقليمي يتيح لها الضغط بهذا الاتجاه بعد: 1) تمكن حزب الله من قلب الطاولة على رأس قوى 14 آذار، وتكريس ذلك في مؤتمر الدوحة، 2) إفلاس قيادة السلطة الفلسطينية وإفلاس خيار مؤتمر أنابوليس ووعد "الدويلة" قبل نهاية 2008، 3) الجهد الحثيث الذي يبذله الطرف الأمريكي-الصهيوني لإبعاد سوريا عن المحور الإيراني، وعودتها من موقع قوة، بعد محاولات عزلها وحصارها، إلى الساحة اللبنانية، وإلى حلبة المفاوضات عبر الوسيط التركي، وبالمعية إلى الساحة الفلسطينية عبر تحالفها مع حماس، 4) بروز توجهات داخل الرأي العام الأمريكي والصهيوني والأوروبي تدعو لمحاورة حماس، ومنها زيارة كارتر واتصالاته مع قيادات حماس، 5) سعي الإدارة الأمريكية لحشد الأنظمة العربية في مواجهة إيران في العراق، وإمكانية توظيف ذلك للضغط على الإدارة الأمريكية، وعبرها على الكيان الصهيوني، لتحقيق مكاسب ما في غزة عبر الوسيط الرسمي العربي، ما دامت "المكاسب الأكبر"، مثل "الدويلة"، غير مطروحة فعلياً على جدول أعمال الطرف الأمريكي-الصهيوني، 6) فشل محاولات إسقاط حماس داخلياً من خلال تأليب الجماهير الفلسطينية عليها عبر الحصار الخانق والاستهداف العسكري اليومي.
فهل بات الطرف الأمريكي-الصهيوني مهيأً الآن للاعتراف بحماس ودورها وسيطرتها على غزة؟ وهل بات مستعداً للتغاضي عن شروط اللجنة الرباعية للتعامل مع حركة حماس؟ وهل ينسحب التعديل الاستيعابي الذي أجراه على سياساته في سورية ولبنان أوتوماتيكياً على ساحة غزة؟ وهل تفرض ضرورات الصراع الأمريكي-الإيراني على العراق والإقليم تجميد جبهة غزة مؤقتاً، ومحاولة استيعاب حماس سياسياً، أم أنها تفرض القضاء المبرم عليها من خلال اجتياح عسكري للقطاع ما برح القادة العسكريون والسياسيون الصهاينة يلوحون به ويعبئون الرأي العام الصهيوني باتجاهه؟
الأمر الذي شك فيه هو أن ملف غزة يحسم أولاً وأخيراً في تل أبيب قبل واشنطن، باعتباره قضية تمس الأمن الصهيوني مباشرة، بينما يلعب أصحاب القرار السياسي والإستراتيجي الأمريكي دوراً أكبر في وضع السياسات المتعلقة بلبنان وسوريا والعراق، دون التقليل أبداً من شأن الشراكة الأمريكية-الصهيونية بجميع الأحوال، ومن وزن اللوبي الصهيوني في تحديد السياسات الأمريكية المتعلقة بكل ما يجري في المنطقة العربية. لكن النقطة هي أن الاعتبارات الداخلية "الإسرائيلية" تلعب دوراً مركزياً في تحديد الموقف الصهيوني من حماس في غزة بصورة لا تقل أهمية عن الحسابات الباردة للإستراتيجيين الذين يرسمون سياساتهم على مستوى الإقليم.
وفي هذا السياق، لا بد أن نتذكر: 1) حالة الضعف التي يعيشها أولمرت، وحاجته لنصر يظهره بمظهر قوي، 2) الجرح النرجسي الذي منيت به المؤسسة العسكرية "الإسرائيلية" في جنوب لبنان عام 2006 وحاجتها للتعويض عنه بإنجاز يعيد الاعتبار لتلك المؤسسة، 3) حالة الإحباط التي يعيشها الجمهور "الإسرائيلي" من جراء شعور قطاعات متزايدة ضمنه بالخطر الوجودي على مصير الدولة، 4) وجود ساسة منافسون لأولمرت مثل باراك ونتنياهو يقدمون خطاباً عسكرياً متشدداً، ومزايدتهم على أولمرت، 5) مظهر فقدان السيطرة على الوضع الفلسطيني إذا سمح الصهاينة لحماس أن تنال الاعتراف بما حققته في غزة، وتأثير ذلك على هيبة دولة العدو ليس فقط أمام أعدائها، بل أيضاً أمام مواطنيها، 6) علاقة حماس مع إيران والكيفية التي تقدم فيها حماس كذراع لإيران في غزة، ليس فقط في وسائل الإعلام الأمريكية والصهيونية، بل في بعض وسائل الإعلام العربية أيضاً، 7) مشاركة أنظمة عربية بمحاصرة المقاومة الفلسطينية، ودور النظام المصري في خنق غزة، وإمكانية التأكد من وقوف تلك الأنظمة على "الحياد الإيجابي" لو تعرضت غزة لتنكيل وبطش الآلة العسكرية الصهيونية.
باختصار، في الظرف الراهن لا يمكن أن يقبل العدو الصهيوني بمنطقة محررة فعلاً في غزة إلا: 1) مؤقتاً، 2) بدون اعتراف رسمي، 3) إذا كانت الولايات المتحدة على وشك أن تسلخ إيران. عندها لا بد من تجميد وضع القطاع مؤقتاً باتفاقية تهدئة تصبح حماس مذنبة بإعانة إيران إذا خرقتها. هنا تصبح كل وساطات التهدئة، ومبادرة عباس للحوار، جزءاً من تهيئة المايسترو الأمريكي للميدان الإقليمي للضربة الجوية والقصف المكثف لإيران، كأخر عمل تقوم به إدارة بوش قبل انقلاعها، تماماً مثل محاولة الحكومة العراقية العميلة اجتثاث بعض الأذرع الإيرانية في العراق التي تقلل من الكلفة الإقليمية لضرب إيران أيضاً، تلك الأذرع التي سبق أن أوغلت في دماء المقاومين العراقيين، ودماء فلسطيني العراق، لتقدم لنا الآن كأحد فصائل المقاومة العراقية!
بالمقابل، تتحرق جهات في المؤسسة العسكرية والأمنية "الإسرائيلية" لسحق حماس عسكرياً دون الاضطرار للتعامل معها سياسياً بأي شكل، ولو مؤقتاً وبشكل غير مباشر وعلى غش، مما سيظهر بالضرورة كتراجع عن التشدد السابق، الأمر الذي يظهر "إسرائيل" بمظهر الضعف ويشجع "الإرهابيين"، حسب وجهة النظر تلك.
المهم، المطروح هو تهدئة جزئية ومؤقتة، مقابل ثمن سياسي باهظ، أو محاولة سحق حماس مسبقاً. وهذا هو موضوع الحوارات الأمريكية-الصهيونية. أما حماس، فيجب أن لا تمني النفس بالآمال كثيراً، لأن العدو وأذنابه لن يقبلوها إلا إذا غيرت جلدها كما فعلت قيادة حركة فتح من قبل...