(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


*****

حول الموقف اليساري من استهداف المدنيين الغربيين

د. إبراهيم علوش

(ملاحظة: كتبت هذه المادة جزئياً اعتماداً على الخلفية التاريخية والملاحظات التي قدمها محمد أبو النصر وأبو نيكولا اليوناني من هيئة تحرير نشرة الصوت العربي الحر على الإنترنت)

 

كثيراً ما يلاحظ المرء أن نسبة لا بأس بها من اليساريين العرب يتأففون من ويعترضون على  استهداف "المدنيين" اليهود في الكيان الصهيوني، وهو الموقف الذي يتحول إلى إدانة صارمة،  حماسية تقريباً، ضد استهداف المدنيين الغربيين في بلادهم أو في بلادنا. 

 

ولكن ذلك لم يكن دوماً موقف اليساريين... ففي 22 أيار / مايو 1857 كتب فردريك إنجلز في لندن مقالة بالإنكليزية اطلع عليها شريكه كارل ماركس تحمل عنوان "فارس والصين"، وقد نشرت المقالة في صحيفة نيويورك دايلي تريبيون، العدد 5032، في 5 حزيران /يونيو 1857، وقد قمت بإعادة ترجمة الأجزاء المتعلقة فيها بالثورة الصينية المستعرة آنذاك ضد الأوروبيين والتي يعلن من خلالها أنجلز بوضوح، ودون أدنى مواربة، تأييده للممارسات الصينية ضد المدنيين الأوروبيين في الثورة القومية التي سببتها الممارسات الاستعمارية البريطانية، حسب تعبيره، وهي ثورة شعبية تحولت على حد قوله حرفياً إلى "نزاعٍ عالمي بين كل الصينيين وكل الأجانب".

 

كان ماركس وأنجلز يعيشان في بريطانيا وقتها، لكنهما لم يقلقا بفقدان تأييد "الرأي العام العالمي" نتيجة تأييدهما للثورة الصينية وممارساتها، بل تهكم أنجلز ببرود على الصحافة البريطانية التي وصفت ممارسات الثورة الصينية بأنها "فظيعة" و"رهيبة"، ووصفت القومية الصينية بأنها "جاهلة" و"بربرية".

 

وقد انطلق تأييد أنجلز لاستهداف المدنيين من أن: 1) ممارسات الاستعمار الأوروبي، البريطاني خصوصاً، التي أطلقت الثورة كانت أكثر فظاعة بما لا يقاس، 2) ممارسات الثورة الصينية جاءت جزءاً من ثورة أو حرب شعبية للدفاع عن القومية الصينية، 3) ميزان القوى العسكري التقليدي كان سيؤدي بالضرورة إلى هزيمة الثورة لو حاربت بطريقة تقليدية، فعليها بالضرورة إذن أن تستخدم وسائل قتالية غير تقليدية، 4) تشويه الثورة الصينية إعلامياً من قبل الصحافة الإمبريالية يعطيها حق الاستفادة للحد الأقصى من "بربريتها" المزعومة، وربما تكون النقطة الأخيرة عند أنجلز لتسجيل نقاط في المناظرة أكثر منها حجة!.

 

ولكن لا يحتاج المرء بأية حال للكثير من الخيال ليرى صلاحية المنطق نفسه فيما يتعلق بالوطن العربي في "النزاع العالمي" الدائر منذ قيام "النظام الدولي الجديد" ما بين الأمة من جهة، والطرف الإمبريالي-الصهيوني من جهةٍ أخرى.  ولكن فلننتبه أيضاً أن تأييد أنجلز لما قد يسمى اليوم "الإرهاب" جاء في سياق ثورة شعبية حمراء ضد قوة أجنبية متفوقة، ثورة تعانقها الأمة بكل جوارحها وتقدم لها زهرة شبابها، مما يخرج الحديث فوراً من دائرة الإرهاب الذي تمارسه نخبة أو أقلية خارج إطار ثورة شعبية، وهو الأمر الذي أدانه لينين بقوة لاحقاً في ممارسات الإرهابيين الروس المناهضين للقيصرية (الذي كان أخوه منهم).  فنحن نتحدث عن ثورة شعبية إذن، وبالتحديد، ثورة شعبية من حقها أن تستخدم كل الوسائل المتوفرة بحوزتها لتحقيق النصر على  قوة إمبريالية متفوقة عسكرياً وتكنولوجياً.

 

الخلفية التاريخية والاقتصادية لمقالة أنجلز:

 

في النصف الأول من القرن التاسع عشر، بدأ البريطانيون يستوردون الشاي من الصين.  وقد أصرت الحكومة الصينية وقتها أن يدفع البريطانيون ثمن الشاي المستورد بالقطع الفضية، وليس بالنقود الورقية البريطانية التي لا قيمة لها في الصين.  وبعد فترة، قررت البرجوازية الغربية من أوروبا لأمريكا أن الصين لا يحق لها أن تصدر لتأخذ جبال الفضة منها، عقاباً لها على ذوقها في الشاي، دون أن تستورد أكثر من الغرب.  وهكذا، انطلقت حملة عالمية شعواء في الدوائر الإمبريالية لحمل الصين على القبول بما أسمته تلك الدوائر "مبدأ التجارة الحرة". 

 

وطفقت بريطانيا تسوق الأفيون على نطاق واسع للشعب الصيني تحت وطأة الضغوط على حكومة الإمبراطور، في تطبيق خلاق فعلاً لمبدأ "التجارة الحرة" بين الدول، حتى اختل الميزان الاجتماعي والتجاري الصيني لدرجة لم تعد تطاق.  أخيراً، أرسلت حكومة الإمبراطور الصيني حاكماً وطنياً نزيهاً للمقاطعات الجنوبية حيث تنتشر تجارة الأفيون، فقام هذا بدعوة التجار الأوروبيين لتسليم كل ما بحوزتهم من الأفيون فوراً.  ولما لم يستجيبوا، حاصر مصانعهم وبيوتهم، ومنع العمال والموظفين الصينيين من الذهاب إليها.  وعندما وجد التجار الأوروبيون أنهم، ويا للهول، مضطرون لجلي الصحون وغسل الملابس بأنفسهم، وأن مصانعهم ومتاجرهم تعطلت، سلموا ما بحوزتهم من الأفيون، ولكنهم أرسلوا يطلبون النجدة من القوات البريطانية.

 

أتت القوات البريطانية وحاربها الجيش الصيني حتى أخر رجل في بعض المواقع، حتى وصلت إلى مقربة من مقر الإمبراطورية في الشمال، مما اضطر الإمبراطور أن يوقع اتفاقاً مذلاً وافق فيه على: 1) دفع 21 مليون قطعة فضية كتعويضات، منها 6 مليون قطعة فضية تعويضاً عن الأفيون المصادر، 2) فتح عدد من المرافئ الصينية للتجارة والاستيطان الحر للأوروبيين، خاصة البريطانيين، 3) التخلي للبريطانيين عن منطقة هونغ كونغ، 4) ضرورة موافقة البريطانيين على أية تعرفة جمركية تود الصين أن تفرضها، 5) عدم اعتراض السلطات الصينية بالمطلق على أية نشاطات لتصنيع وبيع الأفيون للصينيين...

 

وكانت هذه تسمى حرب الأفيون الأولى التي انتهت عام 1842 بالاتفاقية المذلة، وكما يقول أنجلز في مقاله أدناه، أشترك الجيش الصيني في تلك الحرب، ولم يشترك الشعب.

 

ولكن، بعد انتشار الأفيون على نطاق أوسع، وفرض ضرائب باهظة على الشعب الصيني لتسديد الجزية المفروضة من بريطانيا، وفقدان الصين لسيادتها على التجارة، ساءت الأحوال الاقتصادية للشعب، وتفاقمت النقمة من جراء الإهانة اللاحقة بكرامة الصين القومية، لدرجة ازداد معها الحقد على الأجانب حد الانفجار.  وكان المزارعون والحرفيون الصينيون مضطرون لبيع منتوجاتهم بأسعار محددة سلفاً بالعملة النحاسية، عندما كانت كل الف وحدة من العملة النحاسية تشتري قطعة فضية واحدة.  ولكن بعد الاتفاقية مع بريطانيا باتت كل وحدة فضية تكلف ألفين، ثم ثلاثة آلاف، وفي النهاية قبل الثورة، حوالي عشرة آلاف وحدة من العملة النحاسية.  والدفعات لبريطانيا بالطبع كانت متوجبة بالعملة الفضية، وكان عبئها يقع أساساً على عاتق الشعب الصيني.

 

أخيراً، انفجرت ثورة شعبية في عام 1856، وهي الثورة التي يتحدث عنها مقال أنجلز، وقد جاءت ثورة حمراء في مقاطعات الصين الجنوبية ضد جيوش الإمبراطور المستسلم والأجانب والقوات البريطانية.  وفي النهاية سحقت تلك الثورة على يد القائد العسكري البريطاني تشارلز غوردون بعد سبع سنوات من انطلاقها، نتيجة عدد من العوامل التي لا يسع المجال تفصيلها هنا.  ونرى بوضوح أن أنجلز أيدها، وأنه كان يتلمظ وهو يعدد مآثرها...  فماذا كان سيقول في أحداث 11 سبتمبر يا ترى، أو في تفجيرات لندن؟!

 

على الهامش، نذكر أن القائد العسكري البريطاني الملعون تشارلز غوردون الذي قضى على الثورة الصينية في ستينات القرن التاسع عشر، أرسل بعدها للسودان لقمع ثورة المهدي، ولكنه قتل عام 1885 في معركة مع أبطال ثورة المهدي في الخرطوم، وهو ما جعل الزعيم الصيني شو إن لاي يشكر السودانيين في زيارته لهم في الستينات على هذه العملة التي قال أن الصينيين يقدرونها كثيراً.

 

المهم، تذكروا، عندما تسيرون في الشوارع الجميلة لمدن الغرب أنكم تسيرون بين ثروات شعوب العالم الثالث المنهوبة وعرق المستضعفين في الأرض، وأن دول ونخب العالم الثالث كانت الأداة الفعالة في تحويل فائض القيمة الاجتماعي من الجنوب إلى الشمال...

 

ترجمة الجزء المتعلق بالصين في مقالة أنجلز "فارس والصين" (كل علامات التشديد منا):   

 

من الواضح أن روحاً مختلفة تدب بين الصينيين اليوم مقارنةً بتلك التي أبدوها في حرب 1840-1842.  فوقتها بقي الشعب هادئاً، إذ تركوا جنود الإمبراطور يقاتلون الغزاة وحدهم، وخضعوا بعد الهزيمة بقدرية شرقية لسلطة العدو.  أما اليوم، فإن جل الناس في المقاطعات الجنوبية على الأقل، حيث تنحصر المعركة حتى الآن، يأخذون دوراً فاعلاً، لا بل متعصباً، في الصراع ضد الأجانب.  فهم يسممون خبز الجالية الأوروبية بالجملة في هونغ كونغ، وبأبرد سابق إصرار.  (وقد أرسلت بعض أرغفة الخبز إلى لايبيغ ليفحصها، فوجد كميات كبيرة من سم الزرنيخ تنتشر في كل أجزائها، مما يدل بأن السم كان قد خلط مع العجين.  بيد أن الجرعة كانت قوية إلى درجة تدفع من يأكل الخبز للتقيؤ، مما قلل من تأثيرات السم في الجسم). 

 

هذا، ويذهب الصينيون على متن البواخر التجارية بأسلحة مخبأة، وخلال الرحلة، يذبحون الطاقم والركاب الأوروبيين ويستولون على المركب.  وهم يخطفون ويقتلون كل أجنبي في متناول أيديهم.  وينتفض الحمالون والعمال الصينيون المهاجرون إلى البلدان الأجنبية على متن السفن المهاجرة في عصيان، كأنما بينهم اتفاق مسبق، ويقاتلون للسيطرة على السفينة، وبدلاً من الاستسلام، يفضلون الغرق معها، أو القضاء في ألسنة اللهب.  حتى خارج الصين، يتآمر ويتمرد المستعمرون الصينيون في الليل فجأة، كما حدث مثلاً في ساراواك، بعد أن كانوا أكثر الرعايا خضوعاً وخنوعاً حتى الآن. أو كما في سنغافورة، حيث لا تتم السيطرة عليهم إلا بأقصى قوة وبالرقابة الشديدة.  إن سياسة القرصنة التي تتبعها الحكومة البريطانية أدت لنشوب هذا النزاع العالمي بين كل الصينيين وكل الأجانب، ورسمته كحرب إبادة.

   

 

ماذا يستطيع أي جيش أن يفعل إزاء وسائل قتالية كهذه؟  كيف، ولأي مدى على ذلك الجيش أن يخترق بلاد العدو، وكيف سيحافظ على نفسه هناك؟ تجار "الحضارة" الذين يلقون القنابل الحارقة على المدن العزلاء، ثم يضيفون الاغتصاب للقتل، قد يعتبرون هذا الشكل القتالي جباناً وبربرياً وفظيعاً.  ولكن بماذا يهم الصينيون هذا الكلام إذا كان ذلك النظام القتالي ناجحاً؟  بما أن البريطانيين يعاملون الصينيين كبرابرة، فإنهم لا يملكون أن ينكروا على الصينيين كل فوائد بربريتهم.  فإذا كانت عمليات الاختطاف، والمفاجآت، ومجازر منتصف الليل التي يقومون بها هي ما نسميه جبانةً، فإن على تجار الحضارة أن لا ينسوا، كما اثبتوا بأنفسهم، أن الصينيين لا يستطيعون الصمود في مواجهة وسائل الدمار الأوروبية بوسائل الحرب العادية.

 

باختصار، بدلاً من الوعظ الأخلاقي حول الفظاعات الرهيبة التي يرتكبها الصينيون، كما تفعل الصحافة الإنكليزية الشهمة، من الأفضل لنا أن نعترف أنها حرب "المذابح والمواقد" هذه هي حرب شعبية للحفاظ على القومية الصينية، بكل تحيزها الغليظ وجهلها الملقن وبربريتها المتحذلقة كما تحبون وصفها، ولكنها تبقى بالرغم من ذلك حرباً شعبية.  وفي الحرب الشعبية، لا يمكن قياس الوسائل المستخدمة من قبل الأمة المتمردة بالقواعد المعترف بها عامةً للحرب النظامية، ولا بأي مقياس أخر مجرد، بل بدرجة التقدم الحضاري التي وصلت الأمة المتمردة.

  

(ماركس وأنجلس حول الكولونيالية، موسكو، دار التقدم، 1974، ص: 123-124 في الطبعة الإنكليزية)