(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


مليارديرات الإعلام: كونراد بلاك يذهب إلى السجن

 

انتهت إمبراطورية كونراد بلاك ولم تنتهِ القوة الإعلامية التي كان يسيطر عليها

 

د. إبراهيم علوش

 

من كندا التي أتى منها ملياردير الإعلام ديفيد ثومسون، أتى كونراد بلاك Conrad Black من مونتريال، إقليم كوبك، الذي بنى بدوره شبكة إعلامية بلغت قيمتها في عزها حوالي ملياري جنيه استرليني، وأصبحت قبل أفولها ثالث أكبر إمبراطورية صحافية في العالم، وضمت يوماً ما حوالي أربعمئة صحيفة يومية في أمريكا الشمالية، بالإضافة إلى عدد من الصحف العالمية، مثل صحيفة الدايلي تلغراف، الصحيفة ذات التوجه اليميني المحافظ والمؤيد للصهيونية، وأكثر الصحف توزيعاً في بريطانيا، وصحيفة تشيكاغو صن تايمز Chicago Sun Times، أقدم صحيفة تصدر بانتظام في مدينة تشيكاغو الأمريكية، بالإضافة إلى مجموعة من الصحف المحلية في منطقة تشيكاغو، والجيروزاليم بوست، وغيرها.

 

كما أن كونراد بلاك أسس صحيفة ناشونال بوست National Post لتعبر عن وجهة نظر التيار اليميني المحافظ في كندا، في مواجهة التيار الليبرالي، ولتكون منافساً لصحيفة غلوب أند ميل Globe and Mail الكندية درة إمبراطورية ثومسون الإعلامية، حيث نجحت الغلوب أند ميل بتكريس نفسها ناطقاً رسمياً باسم المؤسسة الحاكمة الكندية حسب موسوعة ويكيبديا على الإنترنت.

 

صحيفة الدايلي تلغراف الأنفة الذكر كان قد استولى عليها في صيف عام 2004 الأخوان  باركلي، من بريطانيا، والأخوان باركلي لهما إمبراطورية إعلامية صغيرة بدورهما، سوى أنهما مثل ديفيد ثومسون رجلي أعمال كبيرين لا يحبان الظهور، ولا يشرفان مباشرة على وسائل إعلامهما ولا يتدخلان بأجندتها السياسية اليومية كما يفعل كونراد بلاك أو سيلفيو برليسكوني أو روبرت ميردوخ مثلاً في ممالكهم الإعلامية.  

 

وقد قالت التلغراف في تقريرٍ طويلٍ لها في 15/7/2007 بعنوان: "كونراد بلاك: ملك مالٍ لا يرحم"، عن قصة صعود وسقوط كونراد بلاك، أنه منذ نهاية القرن العشرين وهو يفكر بأن عصر الصحف قد أفل نجمه، وأن المستقبل للإنترنت والفضائيات.  وهذا التوجه لدى بلاك، حسب التلغراف في 15/7/2007، بالإضافة إلى الدين الكبير الذي كان يثقل كاهل شركة هولنجر Hollinger التي يمسك من خلالها بإمبراطوريته الإعلامية الكبيرة، دفع بلاك للبدء ببيع صحفه  بالجملة.

 

وهنا بدأت عملية السقوط الكبير التي أودت بكونراد بلاك إلى السجن، وهو الرجل الذي أحاطت به طوال حياته تهم النصب والاحتيال على القانون، بالإضافة إلى صفات الذكاء والكفاءة المتميزة الإدارية والصحفية والتجارية، وحب المطالعة والثقافة... والمال، وميله السياسي اليميني المحافظ الذي وظف إمبراطوريته الإعلامية في خدمته، وجديته في العمل، وحبه للرفاهية وإنفاق المال بلا حساب، وهو الخليط المتفجر الذي جعل من بلاك شخصية خلافية، ومكروهة أحياناً، حتى في أوساط رجال الأعمال الكبار من زملائه. 

 

وكان كونراد بلاك، المولود في 25/8/1944، قد اشتهر منذ الصغر بحبه للمطالعة، وأشترى أسهماً في شركة جنرال موتورز  GM  وهو لم يزل في سن الثامنة، وقد تم طرده من المدرسة التي درس فيها في صباه بتهمة بيع الامتحانات التي حصل عليها بطريقة غير مشروعة لزملائه الطلبة.  وطرد بعد عام من الثانوية التالية التي انتسب إليها بتهمة غير واضحة هي "تجاوز القوانين".  

 

وفي النهاية تخرج بلاك من مدرسة صغيرة لم تعد موجودة الآن ليذهب إلى جامعة كارلتون ويحصل على بكالوريوس في التاريخ منها عام 1965، وليحصل من ثم على شهادة الماجستير بالتاريخ من جامعة ماغيل الكندية المرموقة عام 1973.   وكان قد حصل قبلها على شهادة محاماة من جامعة لافال عام 1970.  وتخصص بكتابة السير الذاتية، ونشر بعضها، وكلف مؤرخين فيما بعد بوضع أكثر من سيرة ذاتية عنه.   ويلاحظ من يقرأ تصريحات كونراد بلاك العادية، وكتاباته، السوية الثقافية الرفيعة التي يتمتع بها، ونفسه الارستقراطي المتغطرس في التعبير، في اللغة وفي الموقف، وهو الرجل الذي تخلى عن جنسيته البريطانية عام 2001 ليحظى بعضوية مجلس اللوردات البريطاني ليصبح اللورد كونراد بلاك... المحكوم عام 2007 بست سنوات نصف سجن في الولايات المتحدة بتهمة النصب والاحتيال. 

 

وكان كونراد بلاك قد بدأ حياته المهنية بشراء صحيفة محلية صغيرة ناطقة بالإنكليزية في كوبيك عام 1966، وفي عام 1969، أشترى مع صديقين أخرين صحيفة محلية صغيرة أخرى ناطقة بالإنكليزية في كندا، وكان أحد هذين الصديقين ديفيد رادلر الذي أصبح شريك كونراد بلاك مدى الحياة.  وفي عام 1971 أسس الثلاثة شركة قابضة لشراء الصحف المحلية الصغيرة الناطقة بالإنكليزية في كندا، وكانت تلك بداية الطريق لتأسيس الإمبراطورية الإعلامية الكبيرة فيما بعد، وكان كونراد بلاك خلالها يعمل كاتباً ومحرراً ومديراً، بينما تولى رادلر الشؤون المالية.  وبدأ الثلاثة يعملون ويشترون الصحف المحلية الصغيرة الناطقة بالإنكليزية في كوبيك الفرنسية، ومن ثم في غيرها.  وحتى تلك اللحظة كان بلاك لم يزل لاعباً صغيراً.

 

ولم يكن أهل كونراد بلاك فقراء، بل كان أبوه رئيساً لشركة دولية لصناعة الجعة (البيرة)، ولعل ولعه بالسيطرة على الدايلي تلغراف يعود لكون والدته جين أليزابيث رايلي حفيدة صغرى لأحد مالكي الصحيفة السابقين!  وهكذا يتجلى مجدداً حس كونراد الطاغي بالمال والتاريخ، معاً، بالمعنى الشخصي للكلمة. 

 

ومع ذلك بدأ كونراد بلاك عصامياً، ولم تصير ثروة العائلة إليه إلا عندما مات أبوه عام 1976 وورث مع أخيه حصة الأب في الكتلة المالية الضخمة التي كانت تملك مناجم وشركات معدات زراعية وشبكات متاجر بالمفرق في المدن الكندية، وغيرها.  وهنا تحرك كونراد بلاك بما يتجاوز العصامية كحيوانٍ مفترس.  وبعد وفاة أحد شركاء أبيه الكبار عام 1978، أقنع كونراد بلاك ورثته، وورثة شريك أخر، ببيعه حصتهما مما مكنه من السيطرة لوحده على أغلبية أسهم الكتلة المالية مقابل ثلاثين مليون دولار فقط، وهو ما حدا بهؤلاء الورثة فيما بعد لاتهامه بالنصب عليهم.

 

وحسب الدايلي تلغراف في 15/7/2007، بعد يومين من صدور الحكم الأول بإدانته، فإن واضع سيرة كونراد بلاك، السيرة الأولى، وله أكثر من سيرة، يذكر محادثة مع بلاك قال الملياردير فيها: "الجشع.... تم التقليل من شأنه وتحقيره عن غير وجه حق برأيي... وهو دافع لم يفشل بتحريكي بين وقتٍ وأخر"!!!

 

وبالضرورة، هكذا تمكن كونراد بلاك من تحويل الثلاثة ملايين ونصف المليون جنيه استرليني التي ورثها عن أبيه إلى أكثر من ملياري جنيه استرليني من الأصول في الشركات التي يسيطر عليها، بينما قدرت ثروته الشخصية عام 2004 ب175 مليون جنيه استرليني.  وكان بلاك قد بدأ ببيع معظم أصول الشركة ليركز على المجال الإعلامي، وليتمدد داخل كندا وخارجها.

 

سياسياً، تركز برنامج كونراد بلاك على تفكيك دولة الرفاه الاجتماعي في كندا، ومن ثم في بريطانيا، بهدف تقليص الخدمات التي تقدمها الدولة للمواطنين، وإضعاف النقابات، وتقليل الضرائب على الأغنياء، الخ... ولم يشتهر بلعب دور سياسي دولي.  ومع ذلك، فقد عُرف بلاك بصداقته مع هنري كيسنجر، وكان الأخير عضواً في مجلس إدارة شركة هولينجر التي يدير كونراد بلاك إمبراطوريته الإعلامية من خلالها، وكان بلاك عضواً في مجلس أمناء معهد هدسون Hudson Institute، وهو مركز أبحاث معروف للمحافظين الجدد في الولايات المتحدة.  كما عُرف بلاك بصداقته مع ريتشارد بيرل، من رؤوس المحافظين الجدد في عهد الرئيس بوش الابن.  وكان بلاك قد طلق زوجته الأولى عام 1992 ليتزوج في نفس العام من صحافية اسمها باربرا أمييل، اشتهرت كصحفية قبله بميولها اليمنية والمحافظة. 

 

ويحمل بعض الكتاب السيدة باربرا أمييل مسؤولية انجراف بلاك أكثر وأكثر للبذخ الشخصي على حساب شركة هولينجر، وكان من بين الوثائق التي أدانته في المحكمة عام 2007 بعض فواتير مشتريات باربرا أمييل الشخصية، مثل حقائب اليد (2500 دولار)، أو بطاقات الأوبرا (حوالي 3000 دولار) أو الثياب الخ...، التي حُملت لشركة هولينجر، مما أثار حفيظة المستثمرين الأخرين في الشركة.  وقد تمت تبرئة كونراد بلاك من تهمتين متصلتين، أحدهما تتعلق بتحميل شركة هولينجر تكاليف حفلة عيد ميلاد باذخة جداً في مطعم في نيويورك للسيدة زوجته باربرا أمييل، والثانية تتعلق بتحميل الشركة نفقات إجازتهما في منتجع بورا بورا... حسب النيويورك تايمز في 11/12/2007، أي بعد يوم من خسارة كونراد للاستئناف في الحكم الصادر عليه في 13/7/2007 (وما بين التاريخين، نشر كونراد بلاك وسوق مجلداً من 1152 صفحة كان قد كتبه عن سيرة الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون!).

 

ولكن بلاك لم يدخل السجن بسبب مصاريف زوجته، أو مصاريف التنقل بطائرته الخاصة، وحياته الباذخة بشكلٍ عام.  فقد سبقت الإشارة إلى أن كونراد بلاك بدأ بالتخلص من صحفه مع العام 2000، وهناك بند في عقود بيع الصحف اسمه بند "عدم التنافس" Non-compete clause وهو يتضمن مبالغ تعطي لبائع الصحيفة المحلية نفسه لكي لا يستخدم خبرته الصحافية وعلاقاته لينشأ صحيفة منافسة للصحيفة التي باعها للتو، ويفترض أن تذهب تلك المبالغ لشركة هولينجر مالكة الصحف طبعاً التي يمثل كونراد بلاك رئيساً لها، ومالكاً رئيسياً فيها، ولكن ليس المالك الوحيد.

 

ومن هنا المشكلة في تحميل مصاريفه الشخصية للشركة طبعاً.   وقد بدأ سقوط كونراد بلاك عن سدة شركة هولينجر عندما اتهمه مجلس إدارتها بتحويل 32 مليون دولار من عائدات بند "عدم التنافس" لنفسه ولشريكه رادلر وأخرين، مما أدى لاستقالته من رئاستها التنفيذية، ثم من مجلس الإدارة.  وقد رفعت الشركة عليه وعلى شريكه رادلر قضية بمئتي مليون دولار، وفي عام 2004 رفعت عليه هيئة الأوراق المالية الأمريكية قضية احتيال، وفي عام 2005 رفع الادعاء العام الأمريكي قضية على بلاك مطالباً بمصادرة 92 مليون دولار من أمواله، وبعد محاكمة استمرت أربع سنوات ونصف، طالب خلالها الادعاء بسجن كونراد بلاك ما بين 24 و30 عاماً، أدين في النهاية بتحويل 6،1 مليون دولار لجيبه الشخصي من عائدات بند "عدم التنافس"، وهو المبلغ الذي يفترض أن يعيده بلاك الآن، وحكم عليه بالسجن ست سنوات ونصف، وفرضت عليه غرامة تافهة بالنسبة له هي 125 ألف دولار أمريكي.

 

وكان كونراد بلاك قد تعرض لعدة تهم بالنصب والاحتيال في المحاكم منذ عام 1981، لا يتسع المجال لتعدادها هنا، ولكن في المرة الأخيرة "لم تسلم الجرة"، مع أن الضرر كان أقل بكثير مما يريد الإدعاء.

 

ويقبع كونراد بلاك تحت الإقامة الجبرية في قصره حالياً في ولاية فلوريدا الأمريكية، ويفترض أن يبدأ أيامه بالسجن فريباً جداً في 3/3/2008.

 

وبجميع الأحوال، فقد انتهى كونراد بلاك كأحد مليارديرات الإعلام، وانتهت إمبراطوريته، دون أن تنتهي القوى الإعلامية الكبرى التي كان يسيطر عليها يوماً ما.