(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
مقابلة مع مناضلين من مناهضي العولمة مارك إيف Marc Yves من سويسرا، وجولي مارتان Julie Martin من فرنسا
حاورهما د. إبراهيم علوش
توطئة: مارك إيف وجولي مارتان مناضلان أوروبيان خاضا معارك مناهضة العولمة في الشارع من دافوس سويسرا إلى إيطاليا إلى فرنسا إلى غيرها من بلدان أوروبا الغربية، وقد شاركا أيضاً في مؤتمر مناهضة العولمة في بورتو أليغري في البرازيل، وقد برمجت المقابلة التالية بالأساس مع مارك إيف بهدف تعريف العرب بحركة مناهضة العولمة وأهميتها بالنسبة لهم، ولكن المداخلات القيمة لزميلته جولي مارتان جعلت الحوار أغنى وأكثر فائدة فتم إدراجها أيضاً في النص، وسيدرك القارئ اللبيب دونما حاجة للشروح والحواشي مغزى بعض الأسئلة فيما يلي..
س: مارك إيف، هل يمكن أن تعرفنا بنفسك وما تفعله في أوروبا كنشاط سياسي؟
مارك إيف: لقد درست السياسة الدولية في الجامعة، وأعمل منذ عامين مع منظمة غير حكومية محلية تشتغل بالقضايا الدولية، اسمها مركز أوروبا للعالم الثالث، وهي تعنى خاصة بحقوق الإنسان في العالم الثالث، والمقصود بذلك هو الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وقد كنت ناشطاً منذ بضع سنوات في حركة مناهضة العولمة وحركة بدائل العولمة، خاصة في تنظيم المظاهرات، منذ بضع سنوات أيضاً.
س: لقد قلت أنك تعمل مع منظمة غير حكومية. والمنظمات غير الحكومية في هذا الجزء من العالم أكتسب الكثير منها سمعة سيئة لأنها تتلقى المساعدات الأجنبية، وتتبع جداول أعمال يمليها المانحون مثل مؤسسة فورد وفريدريش نومان وغيرها الذين يقدمون الكثير من المال للمنظمات غير الحكومية لكي تدفعها باتجاه العولمة واتجاه التطبيع مع العدو الصهيوني. فأي نوع من المنظمات غير الحكومية تعملون معه تماماً إذا صح السؤال؟
مارك إيف: في أوروبا هناك أنواع كثيرة من المنظمات غير الحكومية، ولكن معظمها مستقل عن المانحين. بالطبع هناك الكثير منها من النوع التابع للمانحين، ولكن هناك أيضاً النوع المستقل. والنوع الذي أعمل معه لا يتلقى أي مال من الشركات متعدية الحدود، بل يتلقى الدعم على المستويين القومي والمحلي، ومن اشتراكات الأعضاء والتمويل الذاتي من مبيعات الكتب. والمال العام الذي نحصل عليه ليس مشروطاً، بل هو حق لنا كمواطنين، ولذلك نحافظ على خط مستقل تماماً، ولا تستطيع الدولة أن تحصل منا على أي شيء مقابله.
س: لقد ذكرت أنكما مع الحركة المناهضة للعولمة، وهذا مفاجئ.. فأنت تعرف أن العالم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وتساقط مشروع الاستقلال الوطني في الكثير من بقاع العالم الثالث، بدأ يتوجه نحو أحادية القطبية لقوة عظمى واحدة. ولم يكن هذا صحيحاً فقط على الصعيد السياسي، بل أيضاً على الصعيد الأيديولوجي كانت هناك أحادية قطبية حادة بمعنى أن العالم بأسره بدا كأنه يركض، لا بل كأنه لا يستطيع أن يركض بسرعة كافية، باتجاه رأسمالية السوق والانفتاح على التجارة والاستثمار الأجنبيين، وهو كنه العولمة. فما المشكلة؟ هل تريدون أن تعيدوا عقارب الساعة إلى الوراء؟ وهل هذا ممكن؟ لماذا أنتم ضد العولمة؟
مارك إيف: أن العولمة التي نناهضها هي بالأساس عولمة اقتصادية تسير على هدي المبادئ التي تمثلها الولايات المتحدة، فهي بالأساس عولمة إمبريالية، وليست أممية الثقافات والتفاعل. نحن ضد الاضطهاد الاقتصادي والعسكري الذي تمارسه القوى الكبرى من خلال سياساتها في العالم الثالث، وهي سياسات سيئة عامة تدفع باتجاه خصخصة الخدمات العامة للمواطنين وتحرير الاقتصاد بما لا يسمح للناس أن ينافسوا الشركات الكبرى، وهذا ليس له علاقة بالأممية التي نؤيدها.
س: ما المشكلة في العولمة كطريقة لتحقيق الأممية؟ ولماذا لا تستطيع الشركات متعدية الحدود والحكومات التي تدعمها أن تحقق هدف زيادة التواصل والتفاعل بين الثقافات والشعوب، وهو الهدف الذي تدعي أنها تسعى إليه على أية حال؟
مارك إيف: لأنهم يعملون من أجل مصلحتهم الخاصة فقط، وهي مصلحة أقلية من الناس تهدف لإثراء نفسها على حساب الآخرين. وهم يفقرون الناس ليصبحوا أغنى كل يوم، فهي ليست معادلة تفاعل متكافئ. فالشركات متعدية الحدود تعمل لزيادة أرباحها دائماً وللسيطرة على المزيد من الأسواق، ومن أجل تحقيق ذلك نراها تسحق المنشآت المحلية في العالم الثالث خاصة الصغيرة منها.
جولي مارتان: إن المشكلة الأساسية في العولمة هي التركز الهائل في الثروة في يد أقلية صغيرة، وحكم قانون الغاب. فعندما تفتح الأسواق بهذا الشكل، لا بد أن يأكل الكبير الصغير.
س: ولكن اسمحا لي أن ألعب دور محامي الشيطان هنا. حسب هذا الشركات نفسها، وحسب أنصار العولمة، فأن فتح الأسواق يزيد من الفعالية الاقتصادية ويخفض كلفة السلع على المستهلك ويحسن نوعية تلك السلع، بينما لا تستطيع أن تحقق الأسواق الصغيرة هذه الفوائد. وكما تريان فإن الشركات المتعدية الحدود تمكنت أن تقدم للعالم الثورة العلمية-التكنولوجية الثالثة خلال عقدي الثمانينات والتسعينات. فهل يجب أن نكون ضد التقدم التقني لكي نناهض العولمة؟
مارك إيف: بالطبع لا! ولكننا لا بد من طريقة لتحقيق التقدم التكنولوجي دون تدمير الثقافة المحلية والاقتصاد المحلي، مثلاً من خلال تدخل الدولة أو التعاونيات لا من خلال نمط يقوم على تركز رأس المال في يد قلة. وعلى كل حال، فإن الشركات العملاقة ليست فعالة اقتصادياً بالقدر الذي تدعيه، فهي تهدر وتعطل الكثير من الموارد وتدمر الكثير من الثروة من أجل تحقيق ثروتها. ولذلك علينا أن نجد طريقة للتوفيق بين حاجات الشعب وضرورات التنمية والتقدم التقني.
جولي مارتان: نظرياً، تحقق الشركات متعدية الحدود ما قلته، بمعنى أن المنافسة تؤدي إلى المزيد تخفيض الكلفة وتحسين النوعية، ولكن في الواقع نجد أن المتنافسين ليسوا متساويين. ولذلك تؤدي المنافسة في النهاية إلى نقيضها، إي إلى الاحتكارات، وهو ما ينسف حجة تخفيض الكلفة وتحسين النوعية من خلال المنافسة. لو كان هناك عدد كبير من المنشآت الاقتصادية المتمتعة بفرص متقاربة، لصح الحديث عن هذه المنافسة المزعومة، ولكن هذا ليس الحال، خاصة عند تناول المنافسة بين البلدان الغنية في الشمال والبلدان الفقيرة في الجنوب في إطار العولمة.
س: إذن أنتم لستم ضد الرأسمالية كنظام، بل تريدون نظاماً رأسمالياً صديقاً للشعب والثقافة، مثلاً نظاماً رأسمالياً محسناً كدولة الرفاه الاجتماعي التي قامت خلال الحرب الباردة في الغرب؟
مارك إيف: أنا شخصياً معادٍ للرأسمالية كنظام حتى النهاية، ولكن ضمن الحركة المناهضة للعولمة تجد ميولاً متنوعة. فهناك مثلاً من يريد الإبقاء على النظام الرأسمالي ولكن بعد تدجينه اجتماعياً بحيث يكون هناك دور للدولة في الإنتاج والاستهلاك وإعادة توزيع الدخل. أما نحن فمناهضون للرأسمالية لأننا نعتقد أن نظام السوق والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج يؤدي إلى تناحر الناس لا إلى تضامنهم. ولكن هذا الأمر لا يزال موضع نقاش ضمن الحركة المناهضة للعولمة اليوم ولم يحسم بعد. وآمل أن يكون لدينا رؤى أفضل حول هذا الموضوع في المستقبل، فهو يحتمل الكثير من البلورة.
س: إذن هل نقول أن الأغلبية في الحركة المناهضة للعولمة تسعى لإصلاح الرأسمالية أم أنها مناهضة للرأسمالية؟
مارك إيف: أقول أن معظم الناس في الحركة المناهضة للعولمة ليس لديهم فكرة دقيقة بعد عن طبيعة البديل الذي يريدونه. فهم يعرفون مواطن الخلل في العولمة، ويعرفون أنهم يجب أن يناضلوا ضدها، ويعرفون أنهم يريدون عالماً أكثر عدلاً، ولكنهم لا يملكون تصوراً واضحاً عن النظام البديل لها ولا كيف يصلون إليه. فعلينا أن نتعلم وأن نعلم كثيراً عن البدائل، وأن نقنع الناس بالبدائل التي نقترحها. فهناك حاجة ماسة لتطوير اقتراحات شاملة ومقنعة تحت عنوان بدائل الرأسمالية.
س: مثل ماذا؟
مارك إيف: مثلاً اقتراح بلوره يساري أمريكي لتأسيس مجالس من المنتجين ومجالس من المستهلكين يقررون معاً بشكل ديموقراطي ما يتم إنتاجه وتسويقه. فهناك اقتراحات تحتاج إلى المزيد من التطوير. هناك أيضاً اقتراح بناء الاقتصاد التضامني التعاوني في رحم الاقتصاد الرأسمالي على أساس معادٍ للرأسمالية. ولكن هذا الموضوع ما زال بحاجة للكثير من الحوار والتطوير. ففي النشرات والمجلات الأساسية المناهضة للعولمة لا ترى الكثير عن بدائل النظام الذي يتم انتقاده.
جولي مارتان: لعل الشيء الذي يفسر غياب النقاش المعمق حول بدائل العولمة هنا هو كون الحركة المناهضة للعولمة لا تلتف أصلاً حول هدف موحد حتى في مناهضتها للعولمة. فهذه الحركة ليست بالأساس منظمة واحدة تحت قيادة واحدة وهدف واحد، بل هي مجموعة من المنظمات في أماكن مختلفة في العالم تنتشر فيما بين قطاعات اجتماعية غير متجانسة. فهي أشبه بشبكة منها بمنظمة، شبكة تضم منظمات غير حكومية ونقابات عمالية وروابط مزارعين والكثير من المثقفين والطلاب وحتى بعض الكنائس. فهي أشبه بحركة شديدة اللامركزية. وهذه الحركة ليست مشتتة بمعنى أن هناك الكثير من القواسم المبدئية المشتركة فيما بين أجزائها، ولكنها ليست بالتأكيد حركة تعمل كلها باتجاه تحقيق هدف واحد محدد. فالمجموعات المختلفة في هذه الحركة يمتلك كلٌ منها تصوراً ونمطاً خاصاً في مناهضة العولمة. والفرق الأساسي مثلاً بين الإصلاحيين والاشتراكيين والشيوعيين وغيرهم في هذه الحركة هو أن كلاً منهم يمتلك منطقاً مختلفاً في البحث عن بدائل العولمة. فلا يمكن أن يكون لكل هؤلاء في النهاية بديلاً واحداً يجتمعون عليه.
س: اسمحا لي رجاءً بمقاطعة الحديث عن البدائل هنا. ففي أمريكا مثلاً يأتي الكثير من معارضي العولمة اليوم من الاتحادات العمالية القديمة التي ضمت في صفوفها الأرستقراطية المدللة من عمال دولة الرفاه الغربية الذين دعموا بقوة حروب أمريكا الاستعمارية. هؤلاء اصبحوا يشعرون أن العولمة تشكل تهديداً لهم لأن الرأسماليين الكبار باتوا يستطيعون ببساطة أن ينقلوا مصانعهم إلى البلدان الأدنى أجراً "جنوب الحدود" كما يقال في أمريكا (إلى المكسيك)، أو إلى جنوب شرق آسيا، أو إلى مصر. نتيجة ذلك، نشعر أن الكثيرين من مناهضي العولمة في بلدان الشمال هم في أعماقهم عنصريون إلى حدٍ كبير. لا بل أن بعض البيئويين، على الأقل من الذين لاقيتهم، يعتبرون أن أكبر خطر على الكوكب يأتي من التزايد السكاني، ولذلك يعتبرون بالتعريف أن أكبر تهديد للبيئة هو العالم الثالث! بالطبع هم لا يقولون مثل هذه الأشياء صراحةً، ولكن يبدو أن الكثير من المواضيع التي تثيرها النقابات العمالية والحركة البيئوية في بلدان الشمال في سياق مناهضة العولمة تنضح بالدوافع العنصرية البيضاء، أليس كذلك؟ وهنا نعود إلى التساؤل عن التكوين الحقيقي للحركة المناهضة للعولمة..
جولي مارتان: لا أعتقد أنك تستطيع القول أن أعداء العالم الثالث هم فعلاً جزءٌ من الحركة المناهضة للعولمة حتى لو ركبوا موجتها. هم انتهازيون قد يأتون أحياناً إلى المظاهرات التي ننظمها لأسبابهم الخاصة، ولكن هذا لا يجعلهم جزءاً من حركتنا على تنوعها.
س: ولكن علينا أن نحل هذه الاشكالات إذا كنا سنبحث عن قواسم مشتركة بين حركات التحرر الوطني في العالم الثالث وحركة مناهضة العولمة في بلدان الشمال. فليس من المعقول أن يدوم التحالف طويلاً بيننا إذا كان مناهضو العولمة في الشمال ضدنا أيضاً، أو ضد العولمة لأنهم ضدنا..
مارك أيف: اطمئن! نحن وأنتم لدينا مصالح وأهداف مشتركة، ولكني لا أعتقد أن عمال النقابات الأمريكية الذين يخافون هجرة الوظائف إلى المكسيك هم بالضرورة من العنصريين البيض. فإذا كانوا يحاربون للحفاظ على مصادر رزقهم فأن لديهم ما يبرر ذلك. نعم هناك بعض المجموعات الأقل تقدمية من غيرها في الحركة، ولكن ليس من العنصريين. وانتبه أن الحركة المناهضة للعولمة أصبحت عابرة للحدود أيضاً ابتداءً من أواسط التسعينات، وأنها عابرة للحدود شمالاً وجنوباً، ولذلك أصبحت تجد مؤخراً نقاشات في الحركة حول مسألة الفلاحين مثلاً. وتجد أنصار العولمة يعادون المزارعين في الشمال والفلاحين في الجنوب. وتجد أن الحركة قد بدأت تبلور مبادئ مشتركة للدفاع عن من يعملون في الأرض في كل مكان. وتراها تطرح برنامجاً لتخفيض الجمارك على السلع الزراعية من الجنوب إلى الشمال في بعض الحالات وليس في حالات أخرى، حيث أصبح موضوع الحماية الجمركية على السلع الزراعية من النقاط الحساسة كنقطة خلاف. أما الانفتاح الكامل للسوق فإنه سوف يدمر البيئة ويدمر حياة الناس شمالاً وجنوباً. صحيحٌ أن الناس في الشمال هم الذين شرعوا في مناهضة العولمة، وأن بعض أبناء الطبقات الوسطى، بالتحديد، في الشمال هم الذين تبنوا أولاً نقد العولمة لأنها تدمر البيئة ووسائل حياة الناس في الجنوب، ولكن بعد ذلك بسنوات التحق بهؤلاء النقاد الكثير من النقابات والمزارعين في الشمال. وبعد ذلك انضمت قطاعات من السكان الكادحين في الجنوب لمعركة مناهضة العولمة للدفاع عن نفسها أيضاً، حيث أخذت هناك طابعاً شعبياً منذ البداية على عكس بداية حركة مناهضة العولمة في بلدان الشمال التي حركها الوعي أولاً قبل انضمام النقابات والمزارعين إليها. وما زالت هذه الحركة في اتساع. ولكن ضمن النقابات والمزارعين في الشمال باستطاعتك أن تجد إذا شئت الكثير من المواقف التي تنطلق في مناهضة العولمة من رؤية قصيرة المدى للمصالح الذاتية على حساب العالم الثالث، ولكن باستطاعتك أيضاً أن تجد الكثير من المواقف التقدمية الساعية للتوفيق بين مصالح المتضررين من العولمة في الشمال والجنوب. وهنا توجد أرضية رحبة للتنسيق والتعاون بيننا.
س: كما تعلم، عقد منتدى دافوس لقاءً في الأردن في 21 حزيران/ يونيو 2003، ثم في 15 أيار/مايو 2004، وهذا المنتدى هو أحد محركات العولمة إن لم يكن محركها الأول. للأسف، نجد أن الكثيرين من العرب لا يعرفون خطورة ما يخطط لهم في ظل العولمة. لماذا تعتقد أن على العرب أن ينضموا إلى حركة مناهضة العولمة؟
مارك إيف: أعتقد أنهم مثل كل شعب على وجه الأرض سيتأثر بالإجراءات والسياسات في ظل العولمة التي تمس كل جوانب معيشتهم من العمل إلى الصحة إلى السكن إلى التعليم. هؤلاء المجتمعين في منتدى دافوس هم ممثلو الشركات متعدية الحدود ورؤساء الدول الذين سيقررون للناس مستقبلهم، فهم ليسوا الناس أو ممثلي الناس. وهذه هي "ديموقراطية" العولمة حيث يقرر هؤلاء في أطر ضيقة مصير العالم بأسره دون الإعلان عن ذلك رسمياً. ولكنهم يقررون على أية حال السياسات الاقتصادية والشؤون السياسية والعسكرية التي تمس مستقبل الناس، من خصخصة الخدمات العامة إلى احتلال العراق إلى القضية الفلسطينية، وسيفعلون كل ذلك دائماً من المنظور الضيق للحفنة الثرية والمتنفذة المتحكمة بالعالم. وهذا يؤثر على العرب كما يؤثر على بقية شعوب الأرض. فإذا انضم العرب إلى حركة مناهضة العولمة، فإنهم سيتلقون المعلومات والدعم لتقرير مصيرهم، وسيصبحون في موقع أقوى للتأثير على حكوماتهم التي تفاوض عنهم في منظمة التجارة العالمية وغيرها من المؤسسات الدولية.
جولي مارتان: أضيف أن قضية العولمة بالنسبة للعرب، وغيرهم من شعوب العالم الثالث، هي أيضاً قضية الصراع مع الإمبريالية. فالولايات المتحدة تسعى من خلال العولمة إلى إحكام السيطرة عليهم. ومناهضة العولمة هي بالتالي جزء من السعي لنيل وللحفاظ على الاستقلال الوطني. خذ مثلاً قضية الديون. فالديون تعطيها المؤسسات الدولية مقابل إملاء السياسات على الدول الوطنية، أي لنزع السيادة، ولنزعها لمصلحة تطبيق سياسات تخدم بالأساس الدول الإمبريالية. وهذا جزءٌ أساسي من آلية العولمة.
س: لقد ذكرتما أن العرب عليهم أن يهتموا بالعولمة كأي شعب عالم ثالثي أخر لأسباب عديدة منها أن الشركات متعدية الحدود تسعى للسيطرة على الموارد الاقتصادية ولاستغلال الناس، وأنها تأخذ منهم قرارهم السياسي في الشؤون المصيرية وتنتزع سيادتهم الوطنية. ولكن هنا لا بد أن يطرح تساؤل مهم: ألا تعتقدان أن ثمة خاصية للعرب تميزهم عن باقي شعوب العالم الثالث في مواجهة العولمة، ألا تعتقدان بأن ثمة صلة خاصة ما بين الإمبريالية من جهة التي تتجلى اليوم على شكل عولمة، وما بين الصهيونية من جهة أخرى التي تسعى اليوم لخلق "الشرق الأوسط الجديد" في الوطن العربي، خاصة وأن منتدى دافوس في الأردن جعل هدفه المعلن الاندماج الإقليمي للصهيونية في المنطقة؟ فما هي وجهة نظركم حول هذه الصلة الخاصة بين الإمبريالية المعولمة من جهة والصهيونية من جهة أخرى، خاصة وأن الصهيونية نفسها كانت وما زالت حركة معولمة منذ بدأت؟
مارك إيف: في البداية أود أن أقول أن الحركة المناهضة للعولمة تبنت بقوة القضية الفلسطينية ومعارضة التدخل الأمريكي في العراق. وقد ظهر هذا جلياً في اجتماع بورتو أليغري في البرازيل حيث اجتمع مائة ألف شخص من حول العالم لمناهضة العولمة. وهناك كنت تستطيع أن ترى حركة تضامن كبيرة مع فلسطين وأعلاماً فلسطينية في كل مكان، وعندما تحدثوا عنها تحدثوا جيداً، بينما كان الحدث السياسي الذي هيمن على الاجتماع هذا العام هو قضية العراق. وكان سبب ذلك أن التجلي الأول للممارسات الإمبريالية في العالم اليوم يتمثل في الحركة الصهيونية في فلسطين والعدوان الأمريكي على العراق، وقد أخذ المجتمعون ذلك بعين الاعتبار. ولذلك على العرب أن يعملوا بنشاط أكبر لإيصال وجهة نظرهم لحركة مناهضة العولمة حول قضاياهم لأنها لا تصلنا بدرجة كافية من الوضوح، وتنقصنا الكثير من المعلومات لكي نتبنى قضاياهم بصورة جيدة خاصة حين يتبين أن الذين يتحدثون منا عن القضايا العربية بصورة غير مرضية يفعلون ذلك بسبب الجهل. وهذا يتطلب بالطبع أن ينضم العرب بقوة إلى حركة مناهضة العولمة. حول العلاقة بين الإمبريالية والصهيونية أنا أعرف مثلاً أن "إسرائيل" تلعب دوراً عسكرياً وأمنياً دولياً لمصلحة أمريكا، ولكن هذا لا يكفي لإدراك كنه العلاقة بين العولمة والصهيونية.. وعليكم أنتم أن تثقفونا في هذا الجانب.
جولي مارتن: أصبح الكثيرون في حركة مناهضة العولمة يدركون أن "إسرائيل" هي قاعدة للولايات المتحدة في "الشرق الأوسط"، وأنها مثالٌ متطرف للطريقة التي تمثل فيها العولمة الهيمنة على الآخرين. ولكننا نرى الحركة الصهيونية تمارس تأثيراً كبيراً في الولايات المتحدة وأوروبا وتقوم ببعض الاختراقات المحدودة حتى داخل حركة مناهضة العولمة. ولكن حتى هذا الأمر يتحمل مسئوليته العرب. فإذا نظرنا إلى حركة مناهضة العولمة اليوم، سنجدها ممثلة جيداً في بلدان الشمال حتى استراليا، وفي أمريكا اللاتينية وفي شرق آسيا، ولكنها ضعيفة في أفريقيا وغائبة فعلاً بين العرب. وهذا لا بد أن يخلق شيئاً من سوء الفهم بيننا لسوء الحظ. وهو الأمر الذي لا بد من تجاوزه.