(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


*****

نحو إجابة أولية للسؤال الراهن : ما العمل ؟

 

د. إبراهيم علوش

 

 قد أعلن الطرف الأمريكي-الصهيوني حرباً على الأمة العربية تأخذ أشكالاً شرسة ومتعددة عسكرية وسياسية واقتصادية وثقافية وإعلامية ونفسية وإلى ما هنالك. ولذلك، فإن مقاومة الأمة يجب أن تكون أيضاً شاملة، أي عسكرية وسياسية واقتصادية وثقافية، من حرب العصابات إلى مقاومة الصهينة والتطبيع إلى مقاطعة المنتجات الأمريكية إلى كشف الخطاب الإعلامي المتواطئ والمضلل إلى كل ما تتفتق عنه المبادرات الشعبية من وسائل لمواجهة الطرف الأمريكي-الصهيوني وأدواته ومخططاته.  ولكن المقاومة في بلادنا لا بد أن تكون شاملة في منهجها أيضاً، بمعنى:

 

1)                                

1- اتخاذ المقاومة موقفاً في العمل عند كل مستوى من المستويات التي يدور فيها الصراع

 

2       - حسم الموقف بشكل نهائي من الطرف الأمريكي-الصهيوني وأدواته، وإزالة أي تشويش بصدد إمكانية التوصل لتفاهم أو تسوية من أي نوع معه، وبالأخص، مواجهة النزعات الوسطية والانتهازية والمتذبذبة في صفوفنا

2)                              

3-  تعبئة طاقات شرائح أوسع من الشعب لخوض هذه المواجهة المفروضة علينا على أساس تفعيل المبادرات الذاتية لإيجاد الحلول الخلاقة واكتساب المهارات اللازمة للتغلب على الاختلال في ميزان القوى بيننا وبين العدو عند كل مستوى من مستويات الصراع

3)                                

4- العمل على خلق أطر مرنة للتنسيق بين كل القوى المعنية بهذه المواجهة على أساس هدف المقاومة الشاملة، لا على أساس الاستقطاب الحزبي الضيق أو التبعية لزعيم أوحد أو لنهج فكري محدد، مع الاحتفاظ بحق الاختلاف ضمن الخطوط الحمراء

4)                                

5 - الاستفادة من كل نقطة قوة لدينا وكل نقطة ضعف عند العدو لتحقيق الانتصارات التراكمية، مثلاً، نزعتنا الاستشهادية مقابل العامل البشري عند العدو، أو قوتنا الشرائية مقابل حافز الربح عند العدو، أو حرب عصاباتنا لتحييد التكنولوجيا المتقدمة عند العدو، أو عددنا وثقافتنا لاحتواء محاولات الاختراق، وهكذا..

 

6- الاستعداد لتقديم التضحيات دون حساب للوصول بالمواجهة إلى نهاياتها المنطقية، إذ ليس هناك أسوأ من متقاعس عن العمل إلا من يقدم عليه بخطوات مترددة

 

7- وأخيراً، جعل الهدف الاستراتيجي لنشاطنا خلال المرحلة المقبلة العمل على تأسيس بنى تحتية مترابطة لحركة شعبية عربية شاملة تستطيع أن تحمل على عاتقها عبء خوض المواجهة بجميع مستوياتها بصورة منظمة ومستمرة (دون أن يعني ذلك تحول مثل هذه الحركة إلى حزب أو تنظيم مغلق).

        

 

استراتيجية المقاومة الشاملة إذن يستطيع كل فرد منا أن يساهم فيها بقسطٍ يتناسب مع إمكانياته وقدراته.  ولكن هذا لا يعفينا من طرح الإشكال التالي: بينما يمكن أن نصل كأفراد أو مجموعات صغيرة لتصورات معينة حول كيفية التصدي لمشاكلنا العامة، فإننا نصطدم بحقيقة أن الموارد والقوى اللازمة للمضي قدماً بهذه الحلول لا يمتلكها أي فرد لوحده، ولذلك تجد الواحد منا يقعد أحياناً عن العمل لشعوره أنه لا يستطيع وحده أن يحقق شيئاً يذكر.

 

ولكن سبب هذا الإشكال يعود إلى اعتقاد الذين يعيشونه أنهم يبدأون من الصفر، أو أن عليهم أن يخلقوا شيئاً حيث لا يوجد شيء، حلولاً كاملة، مرة واحدة، هكذا، لمسائل تاريخية تمس أمة بأسرها.  وهذا التقدير ليس صحيحاً على الإطلاق.  فالأمة تنتج باستمرار تيارات مقاومة عريضة لا بد لكل مستعد وقادر أن ينخرط فيها: مثلاً، تيار المقاومة العسكرية في العراق أو فلسطين والروافد الداعمة له في الوطن العربي، أو تيار المثقفين المقاومين للتطبيع والصهينة، أو تيار مقاطعة المنتجات الأمريكية، ومختلف أنواع التيارات العريضة الأخرى التي تشارك في خلقها قوى وشخصيات كثيرة.  وإذا كانت هذه التيارات بحاجة إلى المزيد من التطوير والتفعيل والتنظيم، فإن ذلك يختلف تماماً عن القول أن الإنسان عليه أن يبدأ من لا شيء.  بل الصحيح هو أن هناك خبرات سابقة لا بد من الاستفادة منها وقوىً ضخمة تحتاج للتعبئة والتنظيم لولا غياب الرؤية السياسية الناظمة. 

 

أما ما نحتاجه اليوم، فأقترح أنه استراتيجية المقاومة الشاملة التي نستطيع أن نتبناها  حتى كأفراد على صعدنا المحدودة، لا بل التي لا بد لنا أن نبدأ بممارستها كأفراد ومجموعات ضمن أفقها التراكمي كحرب مواقع، ولكن التي لن تنتقل بنا إلى مراحل أعلى من التأثير النوعي الفعال والمنهجي إلا بقيام حركة مقاومة شعبية عربية شاملة لا بد أن يصبح تأسيسها هدفنا الاستراتيجي في هذه المرحلة.