(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
خيار كوريا الشمالية: ضمان السلام والسيادة بالقوة النووية
د. إبراهيم علوش
تهيمن الرواية الرسمية الأمريكية على تغطية وسائل الإعلام لملف كوريا الشمالية النووي حتى يكاد يمتلئ المرء بلا وعي، دون أن يدرس خلفيات الصراع بين الولايات المتحدة وجمهورية كوريا الديموقراطية الشعبية، بشعورٍ مريبٍ بأن كوريا تدير ذلك الملف بصورة غامضة وعدوانية ولا أخلاقية. وهي رؤية سلبية للموقف الكوري تعززها الهيمنة الأمريكية على وسائل الإعلام العالمية، من جهة، ويعززها، من جهة أخرى، جهلنا النسبي كعرب بذلك الجزء من العالم، وعدم رغبتنا ربما بتعميق معرفتنا شرقاً، على الأرجح بسبب عقدة النقص المتأصلة فينا غرباً، وعدم امتلاكنا لرؤية واضحة لمصلحتنا الإستراتيجية.
ويغيب عن الرواية السائدة للملف النووي الشمالي أن كوريا تعرضت لعدوان أمريكي مباشر بين عامي 50 و53، على خلفية الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكي سابقاً والرأسمالي، راح ضحيته ملايين الكوريين وانتهي إلى تقسيم البلاد إلى شطرين شمالي وجنوبي، وهو ما كان ربما بروفة لمشروع العدوان والتفكيك الذي يعاد إنتاجه اليوم على نطاق عالمي، خاصة في الوطن العربي.
ومنذ انتهاء تلك الحرب، والولايات المتحدة تطلق التهديدات ضد كوريا الديموقراطية وترفض تطبيع العلاقات معها بالرغم من كل المحاولات التي بذلتها كوريا بذلك الاتجاه. ولم يأت تطوير الخيار النووي الكوري إلا نتيجةً لتلك التهديدات. على سبيل المثال، في حزيران/ يونيو 2001، هددت كوريا الشمالية باستئناف تجاربها على الصواريخ طويلة المدى إن لم تعد إدارة الرئيس بوش الصغير للتفاوض حول تطبيع العلاقات، فرفضت الإدارة الأمريكية.
وللمخاوف الكورية الشمالية من الولايات المتحدة ما يبررها حتى قبل مجيء بوش الصغير للبيت الأبيض. فكوريا الشمالية محاطة بالقواعد العسكرية من البحر واليابان المجاورة، ناهيك عن ثلاثين ألف جندي أمريكي في كوريا الجنوبية. ويحيق بها أسطول بحري أمريكي من حاملات الطائرات والمدمرات الحاملة للرؤوس النووية. وقد قدمت كوريا الشمالية عدداً من العروض لإبقاء شبه الجزيرة الكوري منطقة خالية من السلاح النووي دون جدوى. فظلت الولايات المتحدة تطلق التهديدات ضد كوريا، وقد تصاعد هذا التوجه مع عام 2000 عندما وصلت عصبة المحافظين الجدد واليمين المسيحي إلى سدة الحكم. وفي عام 2002، أعلن بوش الصغير كوريا الشمالية جزءاً من محور الشر، مع العراق وإيران، بسبب رغبتها جميعاً بامتلاك أسلحة دمار شامل، على حد زعمه. وقد ترافق ذلك مع تقييم رسمي للوضع العالمي النووي قدم للكونغرس الأمريكي في ليلة رأس السنة 2001/2002 بعنوان Nuclear Posture Review للعام 2002، يدعو عملياً للاستعداد لاستخدام الأسلحة النووية ضد كوريا الشمالية بدون أن تشن الأخيرة أي هجوم أو حتى دون أن تهدد بشن هجوم ضد الولايات المتحدة، وهو ما يمكن أن يثير مخاوف أية دولة في العالم.
وإذا كان بوش الصغير يكرر اليوم أن الولايات المتحدة غير مزمعة على مهاجمة كوريا الشمالية عسكرياً، خاصة بعد إعلان كوريا الشمالية في تموز/ يوليو 2006 عن تطويرها لصواريخ قادرة على وصول الساحل الغربي للولايات المتحدة، والأهم بعد تورط أمريكا في العراق وأفغانستان، فإن جون بولتون، مندوب الإمبريالية الأمريكية في مجلس الأمن الدولي ما برح يدفع لأن تكون العقوبات الدولية المزمعة ضد بيونغيانغ بسبب تطويرها للسلاح النووي مستندةً للبند السابع الذي يتيح استخدام القوة ضدها بغطاء دولي، وهو ما يوحي بأن الولايات المتحدة تهيئ لعمل عسكري ما ضد كوريا الشمالية، ولو بطريقة مختلفة عن السلوك الأحادي المنفرد الذي ميز ولاية بوش الصغير الأولى ما بين عامي 2000 و2004.
ويذكر أن كوريا الديموقراطية تتعرض منذ عام 1953 لأطول وأقسى عقوبات اقتصادية في الأزمنة المعاصرة. ولم يأت انسحابها من معاهدة عدم الانتشار النووي في كانون ثاني/ يناير 2003 من عدم، بل جاء ببساطة كإجراء طبيعي لأمة عالم ثالثية صغيرة تسعى للمحافظة على استقلالها في وجه إمبراطورية أمريكية باتت تصول وتجول في طول العالم وعرضه بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، خاصة بعد احتلال أفغانستان والتهديدات الوشيكة بغزو العراق آنذاك، وبعد تبنيها رسمياً لمفهوم "الضربة الوقائية" ضد أية أمة تفكر بتحدي الهيمنة العالمية للولايات المتحدة الأمريكية.
وتمثل بقوة في وعي القيادة الكورية الشمالية تجربة العراق في نزع أسلحته، وغزوه بوحشية وإسقاط نظامه وتدمير مؤسساته بعد تجاوبه مع ذلك المطلب الذي تبين فيما بعد أن العراق نفذه حرفياً. وفي ندوة عقدها السفير الكوري الشمالي في سوريا، في عمان، بعد حوالي عام من غزو العراق، كرر السفير الكوري الشمالي أكثر من مرة الإشارة إلى ضرورة تعلم دول العالم الثالث من خطأ قيام العراق بنزع أسلحته فيما هو يتعرض للتهديد. واعتبر أن كوريا الشمالية لن تضع نفسها في مثل ذلك الموضع، وأن الموقف الصحيح عند التعرض للتهديد هو التسلح أكثر، وليس أقل. وقد صدر في وسائل الإعلام يوم 12 تشرين أول/ اوكتوبر 2006 تقريرٌ عن كوريا الشمالية يقول بوضوح أن رأي القيادة الكورية أن العراق تم اجتياحه لأنه لم يكن يمتلك أسلحة نووية.
ومع أن التقرير الصحفي المذكور كان يغلب عليه طابع التهكم، كما هي العادة في التقارير الصحافية الدولية التي تتناول دول ومنظمات وشخصيات العالم الثالث المناهضة لقوى الهيمنة الخارجية، فإنه يبقى فعلاً، في مضمونه، موقف القيادة الكورية الشمالية التي ترى أن سعيها لتطوير وامتلاك الخيار النووي يمثل إستراتيجيةً لا بديل عنها في وجه السياسات والاستفزازات العدوانية للولايات المتحدة، ورفض الأخيرة تطبيع علاقاتها مع جمهورية كوريا الديموقراطية الشعبية، ومنها رفض الويلات المتحدة (غير مطبعي!) توقيع معاهدة سلام، أو حتى توقيع معاهدة عدم اعتداء متبادل!
باختصار، كوريا الديموقراطية تسعى للحفاظ على استقلالها وسيادتها في وجه عدو متغول، وهذا حقها، وهنيئاً لها بالتالي بإنجازها العظيم في امتلاك الخيار النووي. ولا شك أن انشغال الويلات المتحدة بالعراق وأفغانستان هو الذي أتاح للقوى الطامحة من أمريكا اللاتينية إلى آسيا بتحدي هيمنتها، فالفضل هنا على شعوب الأرض المستضعفة للمقاومة العراقية بالذات كما أشار الرئيس أوغو شافيز. بيد أن امتلاك كوريا الشمالية للخيار النووي يشكل بدوره عامل قوة للعرب في سعيهم للتخلص من ربقة هذا العدو المشترك، وقد كان جلياً كيف انتفض مجلس الوزراء "الإسرائيلي"، كأنما مسه شيطان، عند الإعلان عن التجربة النووية الكورية!!