(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


بدايات الأدب والنشر في الولايات المتحدة:

 نزوع للاستقلال الثقافي عن بريطانيا وانتهاك لحقوق الملكية الفكرية

 

العرب اليوم، 13/7/2008

http://www.alarabalyawm.net/pages.php?news_id=104518

 

 

إعداد : د. إبراهيم علوش

 

على موقع وزارة الخارجية الأمريكية على الإنترنت، تجد في ثنايا القسم الإنكليزي كتاباً بعنوان "موجز الأدب الأمريكي" Outline of American Literature.  ويحمل الفصل الثاني من ذلك الكتاب عنواناً مثيراً هو: الأصول الديموقراطية والكتاب الثوريين 1776-1820.  وهي الفترة التي بدأت مع حرب الاستقلال ضد الاستعمار البريطاني، والمترافقة أدبياً مع الانتشار الواسع للكراسات السياسية صغيرة الحجم ذات النزعة الثورية والاستقلالية التي لعبت دوراً رئيسياً في تحريض الناس وتوعيتهم وتعبئتهم باتجاه المواجهة مع بريطانيا الاستعمارية والعمل المسلح.   وهو ما يعتبر اليوم "إرهاباً"، أو على الأقل "تحريضاً على العنف"، لو طبقنا ما أنتجه أباء الاستقلال الأمريكي أنفسهم من أدبيات على حق الشعوب المحتلة والمقهورة حول العالم في مواجهة الإمبريالية الأمريكية نفسها...

 

وقد ازدهرت الكراسات السياسية الثورية خلال حرب الاستقلال والسنوات التي سبقتها، ونشر منها أكثر من ألفين، بعضها كان يبيع عشرات آلاف النسخ أو أكثر، وكان بعض تلك الكراسات يقرأ قراءة للجمهور، حتى اعتبرت الكراسات أحد أشكال الحرب ضد بريطانيا.  كما انتشرت الصحف بكثافة في تلك الفترة، في الولايات المتحدة أكثر من أية دولة أخرى في العالم، وكان هذا التوجه نحو الجمهور، وبعضه غير بريطاني بالأصل، يعني تبسيط الكلمة والأسلوب والتخلي عن التعقيد.  أما الكتب والأعمال الأدبية، فكانت قليلة جداً ولم يكن لها شأنٌ يذكر في العقود الأولى بعد تأسيس الولايات المتحدة...    

 

وبعد الاستقلال عن بريطانيا، بدا للكثير من الأمريكيين إن انتصار أول حرب تحرير حديثة ضد قوة استعمارية "علامةً إلهية بأن أمريكا وشعبها كان مقدراً لهما العظمة"، كما جاء في مطلع الفصل الثاني من كتاب "موجز الأدب الأمريكي" المنشور على موقع وزارة الخارجية الأمريكية منذ نهاية عام 2006.  وتقول الفقرة الأولى من ذلك الفصل: "أثار النصر العسكري آمالاً بأدب جديد عظيم.  لكن باستثناء الكتابات السياسية البارزة، فإن قليلاً من الأعمال [الأدبية] المتميزة ظهرت خلال أو فوراً بعد الثورة".

 

وفي فقرة قد توحي بأن كاتبها إسلامي أو قومي عربي متعصب لو كانت قد نشرت في جريدة أو مجلة عربية اليوم، يضيف الفصل الثاني من كتاب "موجز الأدب الأمريكي":   "كان الأمريكيون يدركون لحد الألم مدى اعتمادهم المفرط على النماذج الأدبية البريطانية.  فأصبح البحث عن أدب [أمريكي] أصيل هوساً قومياً.  وكما كتب محرر إحدى المجلات الأمريكية عام 1816 تقريباً: التبعية حالة من المهانة المشحونة بالعار، وكوننا نعتمد على ذهن أجنبي للحصول على ما نستطيع أن ننتجه بأنفسنا يعني أن نضيف إلى جريمة الكسل وهن الغباء".  وهي فقرة تستحق أن يقرأها بإمعان من يقلدون الغرب بدون تحفظ ... كما يستحق أن يقرأها بإمعان المسؤولون الأمريكيون الذين يحاولون أن يفرضوا نموذجهم السياسي والثقافي علينا.

 

ويضيف الكتاب: "الثورات الثقافية، على عكس الثورات المسلحة، لا يمكن فرضها فرضاً  بنجاح، بل يجب أن تترعرع في تربة التجربة المشتركة.  فالثورات [الثقافية] تعبير عن قلب الشعب، فهي تنمو تدريجياً في الأحاسيس الجديدة وثروة الخبرة.  وقد تطلب الأمر خمسين عاماً من التاريخ المتراكم لكي تكسب أمريكا استقلالها الثقافي، ولكي تنتج أول جيل عظيم من الكتاب الأمريكيين من أمثال واشنطن إيرفينغ وجيمس فينيمور كوبر ورالف والدو أمرسون وهنري ديفيد ثورو وهرمان ميلفيل وناثانيل هوثورن وإدغار الآن بو ووالت ويتمان وأميلي ديكنسون.  لكن الاستقلال الأدبي لأمريكا تباطأ بسبب استمرار ترابط الهوية مع انكلترا والتقليد المفرط للنماذج الأدبية الإنكليزية أو الكلاسيكية، وبسبب الظروف السياسية والاقتصادية الصعبة التي أعاقت عملية النشر". 

 

ومن الطريف أن يشكل الاستقلال الثقافي الأمريكي عن بريطانيا، بالرغم من تشابه الجذر اللغوي والعرقي إلى حد بعيد، هاجساً يحتل هذا الحجم من الاهتمام لدى الأمريكيين منذ الاستقلال حتى تاريخ نشر كتاب "موجز الأدب الأمريكي". 

 

وحول تلك البدايات لتحقيق الاستقلال الثقافي، يدلنا الفصل الثاني من ذلك الكتاب أن نشأة صناعة النشر الأمريكية قامت بشكل شبه كلي على قرصنة حقوق الملكية الفكرية وحقوق الطبع والتأليف للأدب الأوروبي، خاصة الإنكليزي، بحماية الدولة الجديدة.  وهذا الانتهاك المنهجي، المحمي من الدولة عملياً، لحقوق الملكية الفكرية للكتب الأجنبية، كانت توازيه قرصنة حقوق براءات الاختراع للمنتجات الأوروبية في مجال الصناعة، وهو الأمر الذي أشار له أكثر من كاتب عند إصرار حكومة الولايات المتحدة الأمريكية على تضمين قوانين منظمة التجارة العالمية WTO بنوداً تتعلق بحماية حقوق الملكية الفكرية المرتبطة بالتجارة المعروفة باسم TRIPS أو Trade-Related Intellectual Properties، وهي الحقوق التي تعطي الشركات متعدية الحدود والدول المتقدمة حقوقاً احتكارية للمنتجات وطرائق الإنتاج، وقد أشار نقاد العولمة وقتها إلى أن هذه القوانين، لو طبقت على الدول الصناعية في بداياتها، فإنها كانت ستمنع أية عملية تصنيع حقيقية ومستقلة في تلك البلدان. 

 

ويقول الفصل الثاني من كتاب "موجز الأدب الأمريكي" بالنسبة لصناعة النشر الأمريكية: "من سخرية القدر، أن قانون الطبع والتأليف الصادر عام 1790، الذي سمح بالقرصنة [للمطبوعات] كان قومياً في مضمونه، وكان ذلك القانون الذي صاغه نوح وبستر، المعجمي العظيم الذي وضع القاموس الأمريكي المعروف باسمه Webster، يحمي فقط أعمال المؤلفين الأمريكيين، إذ أن الشعور السائد آنذاك كان بأن المؤلفين البريطانيين عليهم أن يحموا أنفسهم بأنفسهم"!!  فهل تتذكر السفارات الأمريكية ذلك التي تنشر على مواقعها على الإنترنت تقارير دورية عن مدى تقيد الدول التي توجد فيها بمعايير حقوق الملكية الفكرية؟!

 

ويبدو أن الدولة الأمريكية الوليدة كانت تدرك جيداً ماذا تفعل هنا، حيث يشرح الكتاب المنشور على موقع وزارة الخارجية الأمريكية أن ذلك القانون، على الرغم من إلحاقه الضرر ببعض المؤلفين الأمريكيين الذين ينشرون في الخارج مثلاً، فإنه أسهم بوضع الأساس للنهضة الثقافية والأدبية الأمريكية التي جاءت لاحقاً.  لكن المؤلفين الأمريكيين كانوا قلائل جداً، والأولوية كانت على ما يبدو لخلق أرضية جماهيرية للثقافة كما نفهم من الفقرة التالية في الكتاب:  "بالرغم من ذلك، فإن العرض الوفير والرخيص للكتب الأجنبية المقرصنة والكلاسيكيات [الأدبية] في السنوات الخمسين الأولى من عمر البلد الجديد أفاد بتثقيف الأمريكيين، ومنهم الكتاب العظام الأوائل، الذين بدأوا يظهرون على المسرح حوالي عام 1825"!

 

وعند قراءة الفقرات المتعلقة بالجو البائس للكتابة والطباعة والنشر في الولايات المتحدة الأمريكية المستقلة حديثاً، الذي دفع الدولة لحماية القرصنة الفكرية من أوروبا بشكل واعي ومنهجي،  نستطيع بسرعة أن نرى مدى تشابهه مع حالة الكتابة والنشر في معظم الدول العربية ودول العالم الثالث، إذ يقول الفصل الثاني من نفس الكتاب: "كانت التحديات العنيدة لبناء أمة جديدة تستقطب الناس المتعلمين والموهوبين للسياسية والقانون والديبلوماسية، فتلك المساعي كانت تعود على أصحابها بالشرف والمجد والأمان المالي، أما الكتابة، فلم تكن تعود على أصحابها بشيء.  فالكتاب الأمريكيون الأوائل، بالذات بعد انفصالهم عن إنكلترا، كانوا يفتقدون عملياً لناشرين حديثين أو لجمهور أو لحماية قانونية مناسبة.  أما التحرير والتوزيع والدعاية فكانت كلها بدائية"!

 

"وحتى عام 1825، كان معظم المؤلفين الأمريكيين يدفعون للناشرين لكي ينشروا أعمالهم"، وبالتالي كانت الكتابة حرفة للأثرياء والمرفهين، والاستثناء الوحيد كان الكاتب المعروف بنجامين فرانكلين، القادم من عائلة فقيرة، ولكن الذي كان يعمل ناشراً أصلاً، الأمر الذي سمح له أن ينشر أعماله بنفسه...  وما عدا ذلك كان الكتاب الذين يحاولون العيش من كد كتابتهم يموتون في العوز.

 

"وكان نقص جمهور القراء مشكلة أخرى.  فجمهور القراء الصغير المصقول في أمريكا كان يرغب بقراءة الكتاب الأوروبيين المعروفين، جزئياً بسبب الاحترام المبالغ به الذي كانت تكنه المستعمرات السابقة لحكامها السابقين.  ولم يكن ذلك التفضيل للأعمال البريطانية غير منطقي بالكامل، بالنظر لرداءة الإنتاج الأدبي الأمريكي، بيد أنه جعل حالة الأدب الأمريكي أسوأ لأنه حرم المؤلفين الأمريكيين من جمهور.  فقط الصحافة كانت تقدم عائداً مالياً، ولكن الجمهور العريض كان يريد شعراً خفيفاً غير متطلب [لخلفية ثقافية] ويريد مقالات قصيرة تعالج مواضيع الساعة، وليس أعمالاً طويلة أو تجريبية".

 

وهو الأمر الذي أثر بتحول معظم الكتاب الجيدين إلى الصحافة، وإلى الكتابة السياسية القصيرة، بقدر ما ترك أثره حتى اليوم بنوعية الشعر الأمريكي الذي يشبه النثر.

 

وعودة إلى موضوعة حقوق الطبع والتأليف يوضح الفصل الثاني من كتاب "موجز الأدب الأمريكي" المنشور على موقع وزارة الخارجية الأمريكية: "كان غياب قوانين تحمي حقوق الطبع والتأليف السبب الأوضح للركود الأدبي.  فكان من المفهوم أن يرفض الناشرون الأمريكيون الذين يقرصنون المؤلفات البريطانية الأكثر رواجاً أن يدفعوا لمؤلف أمريكي مقابل مادة غير معروفة.  وكانت تعتبر إعادة الطباعة غير المخولة للكتب الأجنبية خدمة للمستعمرات [الولايات المتحدة الأمريكية] بالإضافة لكونها مصدراً للربح بالنسبة لناشرين مثل بنجامين فرانكلين الذي أعاد طباعة الكلاسيكيات والكتب الأوروبية العظيمة من أجل تثقيف الجمهور الأمريكي"، فهل هناك أوضح من هذا التبرير الرسمي لسرقة حقوق الطبع والتأليف عندما كان ذلك يخدم الولايات المتحدة الأمريكية؟!

 

ويضيف الكتاب حول نفس الموضوع: "وكان الناشرون في كل أرجاء أمريكا يتبعون مثال فرانكلين، وهناك أمثلة مشهورة على القرصنة"، يذكر الكتاب منها مثال الناشر ماثيو كاري الذي كان يوجد له جواسيس مأجورين في دور النشر البريطانية يسرقون له المسودات والمخطوطات ويرسلونها على متن السفن السريعة (تحتاج لشهر للوصول لأمريكا) ليتم نشرها من قبله في الولايات المتحدة، بمعرفة الدولة وحمايتها.