(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


 

قناة الجزيرة الإنجليزية في الإعلام الأمريكي: استقبال مبطن بالعداء

 

د. إبراهيم علوش

 

في الساعة الثامنة من صباح يوم الأربعاء الموافق في 15/11/2006، بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة الأمريكية، انطلقت قناة الجزيرة باللغة الإنكليزية لتغطي ثمانين مليون منزلاً حول العالم يستثنى منها أساساً الجمهور المستهدف في الولايات المتحدة الأمريكية. 

فالجمهور الأمريكي يعتمد معظمه، باستثناء حوالي مليونين من أصل عشرات ملايين المنازل، على نظام الكيبل cable tv لتلقي القنوات التلفزيونية، وهي خطوط توصل القنوات للمنازل كخطوط الهاتف والمياه والغاز والكهرباء... ثم أن شركات الكيبل المسيطر عليها يهودياً ومن احتكارات الإعلام الكبرى ترفض حتى الآن شبك الجزيرة على أقنية الكيبل.  لا بل أن أكبر شركتي "دش" (صحن لاقط للقنوات الفضائية)، وهما Dish Network و  DirecTV، ولديهما حوالي مليوني منزل كما سبق الذكر، ما زالتا ترفضان إيصال  الجزيرة مع حزمة قنواتهما! 

وما عدا ذلك فلدى الجزيرة اتفاقات مع شركات ثانوية لإيصال القنوات الفضائية للمشاهد الأمريكي، منها شركة GlobalCast، وهي فرع لشركة فرنسية تعمل بالسوق الأمريكية.  وهناك بالإضافة لهذه الشركة شركة قنوات فضائية ثانوية أخرى هي Fision، وشركتان توصلان القنوات الفضائية عبر النت هما شركة Jump TV، وشركة VDC  التي يبلغ عدد زبائنها عشرة ألاف مشترك فقط!

وهذا الموقف العدائي الذي يمثل عملياً حالة حصار إعلامي وتجاري، ينطلق من اعتبارين، سياسي وتنافسي، وهما اعتباران غير منفصلين.  فالاعتبار السياسي ينطلق من أن الجزيرة تسبقها في الولايات المتحدة سمعة العداء لأمريكا، بالرغم من استضافتها للمسئولين الأمريكيين والصهاينة- أي ممارستها للتطبيع في النهاية-  والاعتبار التنافسي يرتبط بكسر الاحتكار الإعلامي على السوق الأمريكية لقنوات تلفزيونية تعد بالعشرات والمئات ولكنها تقدم في النهاية إنتاجاً إعلامياً متجانساً، أي تقدم سلعاً إعلامية لا تختلف جذرياً في مضمون رسالتها الأساسية، وهو الجزء الإعلامي من لعبة الديموقراطية المزيفة في المجتمع الرأسمالي التي تفوز فيها دوماً بالنهاية نفس النخبة الحاكمة بالرغم من تقلب الوجوه...

ومن خلال مسح أولي لردة فعل وسائل الإعلام الأمريكية الرئيسية على انطلاق قناة الجزيرة الناطقة بالإنكليزية، يكاد المرء يصاب بالذهول من شدة تطابق مواقفها، بالرغم من "تنوعها"، إلى حد تشابه التعابير والمصطلحات، وهو ما يلاحظه المراقب عامة في وسائل الإعلام الأمريكية في قضايا السياسة الخارجية.  والطريف أن هذه الوسائل الإعلامية الأمريكية مثلاً تجمع على التذكير بأن الجزيرة الإنكليزية تابعة لقطر، أي رسمية، وهو ما يرسل رسالة للمتابع الذي لا تتاح له متابعة القناة هنا، بأنها ستكون قناة غير محايدة، بل تمثل خطاً رسمياً، وبالمقابل، تتبنى كل وسائل الإعلام هذه موقفاً موحداً من الجزيرة الإنكليزية إلى حد تطابق الألفاظ أحياناً، وكأنك تستمع لأعضاء حزب أو تنظيم واحد!

وبسبب ضيق الحيز، سنأخذ تغطية عينة عشوائية من وسائل الإعلام الأمريكية للجزيرة الإنكليزية، تمثل جريدة شعبية واسعة الانتشار مثل يو أس إيه توداي USA Today، وإذاعة صوت أمريكا Voice of America، وقناة فوكس نيوز التلفزيونية، كما جاءت على مواقعها على النت يوم 15/11/2006: فالثلاثة تذكر أن الجزيرة الإنكليزية ممولة بسخاء، وذلك يذكر مباشرة ومن خلال الإشارة إلى فخامة مكاتبها في واشنطن وعدد موظفيها والوقت الطويل الذي استغرقته في الإعداد (الرسالة/ منافسة غير نزيهة مع احتكارات الإعلام الأمريكية "العصامية")، وأن القناة ترتبط بالعائلة الحاكمة في قطر (الرسالة/ القناة رسمية وغير محايدة، فعدم استقبالها إذن ليس إعاقة للمشاريع الحرة أو حرية الإعلام)، وأن الجزيرة الناطقة بالعربية كان لها باعٌ طويل في الترويج للإرهاب بدلالة بثها لخطابات "الإرهابيين" ورسائلهم السياسية، وبدلالة قول بعض "الإرهابيين" المعتقلين بأن ما رأوه على الجزيرة حركهم للقيام بما قاموا به، وأن القناة متحيزة بدلالة ذكر أحد المذيعين في مقدمة سؤاله في أحد البرامج في اليوم الأول للبث أن رد "إسرائيل" على الفلسطينيين "غير متناسب" مع ما يقومون به (النقطة طبعاً أن المذيع قال ذلك وليس أحد الضيوف). 

وثمة قدر من العنجهية البيضاء والاستخفاف بالقناة وتأثيرها المحتمل أيضاً.  وكما أكد تقرير لصحيفة اليو أس إيه توداي USA Today في اليوم السابق للبث الأول: "منافسو الجزيرة في القنوات الإخبارية على الكيبل غير قلقين.  فقناة فوكس نيوز لم تعلق (على حدث انطلاقة الجزيرة الإنكليزية)، وقناة MSNBC قالت أن الجزيرة الإنكليزية ليست حتى على شبكة رادارها (التنافسي)، وقالت الناطقة باسم قناة السي أن أن الإخبارية  المعروفة  CNN لوري غولدبرغ (يهودية) أن هناك حوالي مئة قناة إخبارية حول العالم وها هي الجزيرة الإنكليزية تضيف إليها واحدة أخرى!".

وحسب تقرير قناة الفوكس نيوز نقلاً عن مدير قناة البي بي سي BBC Global News السيد ريتشارد سامبروك "أن القناة الجديدة قد تأخذ بعض مشاهدي البي بي سي، ولكنها تبقى أقل شأناً بكثير من البي بي سي التي تصل إلى 270 مليون منزل حول العالم"!

ويضيف سامبروك بتهكم إنكليزي تقليدي حاد ومبطن أن ثقة الجزيرة الإنكليزية بنفسها ليست "مفاجئة بالنظر إلى موازنتها الكبيرة"، وأن الزمن سيكشف ما إذا كانت محاولة الجزيرة الإنكليزية التعبير عن وجهة نظر الدول النامية، مقارنة بالسي أن أن الأمريكية والبي بي سي البريطانية، قد تحد في النهاية من قدرتها على الوصول إلى الجمهور (أي الجمهور الغربي)!  أي أنه يتنبأ لها بالفشل إن هي حاولت الخروج عن الخط الإعلامي الذي وضعته السي أن أن والبي بي سي لتغطية الخبر العالمي.

وهنا بيت القصيد: الجزيرة الإنكليزية تدخل حلبة عمالقة الإعلام العالمي بمنتوج جديد، وليس كشركة جديدة تقدم نفس المنتوج الغربي.  فإن نجحت بالترويج لفكرة تغطية الخبر العالمي من منظور الدول النامية، فإنها ستحارب وتحاصر، ولكنها ستسهم إيجابياً بمعركة كسر احتكار الإعلام العالمي، وإن حاولت التأقلم مع الضغوط بمسايرتها، فإن وجودها لن يأتي بمثل النتائج المزلزلة التي أتت بها الجزيرة العربية في الإعلام العربي.  ووسائل الإعلام الأمريكية تترقب بتوجس.  وتعد، كما تقول، بفتح الباب للسوق الأمريكية أمامها إن بقيت الجزيرة "مؤدبة"!  فبأي اتجاه ستذهب الجزيرة الإنكليزية؟!