(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
د. إبراهيم علوش
في دارفور وفي غيرها، تعودنا
أن نسمع مقولة
أهل مكة أدرى
بشعابها، كما سمعناها من قبل
من قوى 14 آذار في لبنان، ومن المعارضة العراقية سابقاً، ومن جماعة أوسلو
في
فلسطين المحتلة،
لتبرير المطالبة بالتدخل الدولي أو التفاهم مع الطرف الأمريكي-الصهيوني.
ولكن إن كان أهل مكة
سيتعاونون مع غزاة
الكعبة، ماذا تفيدنا معرفتهم
بشعابها؟!.
فلنضع بعض النقاط
على الحروف بالنسبة لدارفور
بالذات:
المنطقة تسكنها قبائل مثل
الفور والزغاوي
والمساليت.
وقد عرفت تاريخياً صراعات ما
بين الجماعات المستقرة التي تعمل
بالزراعة، ومعظمها أفريقي،
وما بين القبائل التي تعيش
على الرعي، ومعظمها عربي، مع
أن المجموعتين مسلمتان…
وعندما يشتد الجدب، تزداد
الصراعات والهجمات.
ومشكلة الصراع بين البدو
والحضر، مشكلة
عرفها العرب منذ
بدء التاريخ،
وكان حلها دوماً قيام دولة
مركزية
قوية
وليس المطالبة بحكم الروم أو
الفرس مثلاً.
وقد أدى قيام الدولة
العربية المركزية الأولى في
ظل الإسلام مثلاً إلى نشوء
ذلك النوع من الاستقرار
الذي يقوم على مدى المساحات
الشاسعة في ظل الدولة المركزية فقط.
وكان تزايد الصراع بين البدو
والحضر من
علامات تفكك الدولة المركزية،
مما يؤدي بدوره إلى التدخل
الدولي وتزايد
الصراعات الداخلية في آنٍ
معاً.
ولذلك فإن المطلب الطبيعي هنا
يفترض أن يكون
تقوية الحكومة المركزية،
وإعطاء أصحاب الحقوق حقوقهم،
وليس دعم التفكك (الانفصال) الذي يأتي
دوماً بالمزيد
من الصراعات.
مليشيات الجنجويد (من القبائل
العربية في
دارفور) بدأت تتلقى دعماً
ملموساً من الحكومة بعد بدء
التمرد في دارفور على الحكومة
المركزية في شباط/
فبراير عام 2003 بدعم من
القوى الانشقاقية في
الجنوب.
وكان البادئ بحمل السلاح بغرض
التمرد جيش/حركة تحرير
السودان،
ثم حركة العدالة والمساواة،
حسب هذا التقرير لمنظمة العفو الدولية في
14 أيار/مايو 2004
.AFR54/049/2004
وحسب تقارير عدة، فإن استهداف
القوات المسلحة السودانية من
قبل
المتمردين في الإقليم أدى إلى عمليات
انتقامية
ضد بلدات بأكملها من قبل
الجنجويد.
ولكن حسب مدير منظمة الصحة
العالمية،
ومنظمة أطباء بلا حدود، وحسب تقرير
للأمم المتحدة كما جاء على
قناة CBC.
في 1شباط/ فبراير 2005، فإن
ما حدث في دارفور لم يكن إبادة جماعية كما يدعي البعض،
ولم
يكن تطهيراً عرقياً،
بل كان جرائم حرب...وقد
ارتكبت على الجانبين
بالمناسبة.
ولكن دعونا لا ننسى أن هذا
التمرد الذي تقوده حركة تحرير السودان
وحركة
العدالة والمساواة وحركات
أخرى هو تمرد مدعوم أمريكياً،
لا بل هو تمرد مدعوم
صهيونياً.
والدليل؟
الدليل أن تحالف المجلس
اليهودي-الأمريكي للعلاقات
العامة (أحد أقسام
اللوبي اليهودي في أمريكا)،
أعلن عن تنظيم عشرة أيام من
الاحتفالات
المستمرة احتفاءً بقرار مجلس
الأمن 1706 الداعي لإرسال قوات دولية
إلى
دارفور.
ونلفت النظر هنا أن القرار
صدر بموجب الفصل السابع، أي الذي
يتيح
استخدام القوة لتنفيذه.
كما أنه صدر بعد توقيع
الحكومة السودانية
اتفاقية أبوجا مع المتمردين
في دارفور، وبداية عودة
الهدوء إلى الإقليم، فجاء
هذا القرار لتحريضهم
على العودة للتمرد، ولدعم
حركات التمرد في دارفور التي لم توقع على الاتفاق.
وهذه المنطقة التي اكتشف فيها
النفط واليورانيوم سوف توضع
تحت الاحتلال
الدولي بسبب عدم وعي بعض
الأخوة
السودانيين للمؤامرات التي تحاك ضد
بلدهم، وبسبب الصراعات
الداخلية مع
النظام.
وهناك قوات للاتحاد الأفريقي
يفترض أن تحفظ السلام في
دارفور،
وقيل لا بد من قوات دولية
بدلاً منها لأن الاتحاد الأفريقي ليس لديه
مال.
حسناً، كيف يوجد مال لقوات
دولية ولا يوجد للاتحاد الأفريقي، وكلفة
القوات
الدولية أكثر بأضعاف؟!
طبعاً الدول العربية معظمها
(وليس كلها) لم
يدفع المتوجب عليه لميزانية
قوات الاتحاد الأفريقي في
دارفور، وهو جزء من الجهد
العربي الرسمي لتبرير
التدخل الدولي في دارفور.
وقد تم التمديد رغم ذلك
لقوات الاتحاد الأفريقي بضعة
أشهر أخرى،
ولكن الضغط شديد على الحكومة
السودانية لكي تقبل بالوصاية
الدولية على
البلاد.
فإن فعلت، فإنها تكون قد
خانت الأمانة،
ويصبح القتال مسؤولية الشعب وحده.
وإن قاتلت، فإن واجب كل عربي ومسلم
وحر في هذا العالم أن
يدعمها في
مواجهة الغزوة الغربية
الجديدة.
من الواضح أن نظام البشير
ارتكب أخطاء،
ومن الواضح أن سكان دارفور قد
تكون عندهم مظالم
مشروعة،
ولكن من يعتقد أن التدخل
الإمبريالي-الصهيوني في الوطن العربي يأتي
حرصاً
على سكان دارفور (أو لبنان أو
العراق) فإنه يحتاج إلى محلل نفسي
وليس لمحلل سياسي!
وقد حرضت أمريكا المتمردين،
وقدمت لهم الأموال، وضغطت
لمنع توقيع اتفاق
أبوجا الذي أنهى القتال في
دارفور، فتقدمت بمشروع القرار 1706
لمجلس
الأمن القاضي بإحلال قوات
دولية محل قوات الاتحاد الأفريقي الذي كان
يفترض
أن تنتهي مهمتها في أول تشرين
أول/ أكتوبر 2006.
فأمريكا لا تحرص على
وقف القتال، أو جرائم الحرب
(التي تبالغ في شأنها
وسائل الإعلام تماماً كما
بالغت بشأن أسلحة الدمار
الشامل العراقية)، بل
على تفكك السودان ووضعه تحت
الهيمنة.
وقد سبق أن رأينا نماذج
الديموقراطية الأمريكية والصهيونية في
العراق
وفلسطين وجنوب لبنان، ناهيك
عن غوانتنامو.
والمشروع
الصهيوني في
المنطقة، ومشروع المحافظين الجدد،
الذي يحاول
إثارة مشاكل داخلية حقيقية عندنا،
هو مشروع التفكيك، أي ما يسمى
بمشروع"
الشرق أوسطية".
وهذا يعني أن الصراعات
بعد التدخل الدولي سوف تزيد
والمذابح الطائفية
في العراق أتت بعد التدخل
الدولي
وليس قبله.
والآن جاء موعد تفكيك السودان.
والسودان فيه مناطق أخرى غير
دارفور والجنوب قد تكون عندها
مظالم
مشروعة أو غير مشروعة مثل كردفان
والنوبة.
ومن الملفت للنظر هنا أن
المتمردين في الجنوب، يعني جماعة
غير
المغفور له جون غارنغ، كانوا
قد وقعوا صفقة نفطية مع شركة بريطانية
هيWhite
Nile Limited وظلت
الشركة البريطانية نفسها متحكمة
بالنفط
بعد اتفاقي
ماشاكوس ونيفاشا الذين
أنهيا القتال في الجنوب.
ومن المستغرب أن ادعاءات
المجازر في دارفور كثيراً ما
تحدث في محيط
الحقول النفطية المكتشفة
حديثاً حسب
هذا التقرير
"Link Between Oil and Abuses in Sudan Documented", Christian Aid
afrol.com, March 15, 2002.
هنا لا بد من إضافة ملاحظتين:
أولاً،
ثمة مشروع إمبريالي-صهيوني
تسنده الوثائق لتفكيك عموم المنطقة
والسيطرة عليها
وعلى ثرواتها.
ثانياً، أن ذلك المشروع يتم
عادةً من خلال إثارة قضايا الأقليات
والحقوق الفردية
أو الحقوق الثقافية... لينتهي
دوماً بالمطالبة بالتدخل
الدولي.
وجماعة الحقوق الجزئية هذه،
سواء كانت مشروعة أو غير مشروعة،
يصبحون
دعاة للتدخل الدولي،
وللتفكيك،
وبالتحديد، تفكيك
القاسم المشترك
العربي-الإسلامي الذي يوحد هذه المنطقة
حضارياً.
وبحكم هذه
الروابط المشتركة، لا يجوز أن
نسمح لأحد أن ينادي بالتدخل
الدولي بذريعة أن أهل
مكة أدرى بشعابها.
التدخل الدولي خط أحمر وموضوع
معركة لأنه ينتهك سيادة
الأمة على أرضها.
وبعد رفض التدخل الدولي علناً
يمكن أن نتحاور بشأن أية
مظالم أو قضايا
أخرى.
مرة أخرى، أي قطعة أرض عربية
هي من
اختصاصنا.
وليس قتال العربي في العراق
أو فلسطين ضد العدو الأمريكي-الصهيوني
حقٌ
له، بل هو واجبٌ عليه كما كان
دوماً واجبٌ على أجداده من
قبله.
وهذا السودان أو لبنان، وأية دولة
عربية، مهددة بالتدخل الخارجي،
ليست
ملكاً لنظامها
الرسمي، بل نحن الشعب العربي
الواحد من يدفع بالكامل
ثمن
التدخل الدولي.
ننتقد الأنظمة، نعم، ندافع عن
الحريات والحقوق، نعم،
ولكن لا نمتهن سيادة
الوطن.
وكل القوى والشخصيات
السودانية الداعية للتدخل
الدولي تقف مدانة اليوم
أمام التاريخ والأمة على
موقفها المعيب هذا.
وهو
أساس الموقف من منظمات
التمويل الأجنبي أيضاً التي تتبنى قضايا
مختلفة، مشروعة
أو غير مشروعة، ضمن نفس
السياق... سياق التفكيك
والتمهيد للتدخل الخارجي.