(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
ثلاثة مسارات تاريخية أمام الأمة
د. إبراهيم علوش
من المنظور التاريخي، تتبدى ثلاثة مشاريع كبرى أمام أمتنا اليوم: إما العودة بالزمن إلى الوراء، وإما السير بالمنطق "الواقعي" الراهن، منطق التعايش مع واستيعاب شروط التبعية للخارج، إلى "نهايتنا" المنطقية كأمة، وإما المشروع القومي، مشروع الوحدة والتحرير والنهضة العربية، مشروع التقدم إلى الأمام.
أما المشروع الأول، فهو مشروع من يشعر ويعاني من كل تجليات وقوع الأمة في براثن التجزئة والتبعية والتخلف، دون أن يفهمها بشكل علمي ومنهجي، ودون أن يمتلك رؤية قادرة على التصدي لها بشكل فعال، فيقرر أن الحل يكمن بالعودة إلى "زمن ذهبي" ما، في الماضي السحيق، مما يتطلب تقليم الواقع وإجراء عمليات بتر جراحية و"تجميلية" له، لكي يصبح أكثر انسجاماً مع متطلبات رؤيته الماضوية المطلوب فرضها عنوةً على الواقع المعاصر لكي يتم "تخليصه"، بتلك العصا السحرية، من كل علله وآفاته بضربة واحدة. وهو كمن وجد حذاءً أعجبه كثيراً سوى أنه ضيقٌ جداً، فقرر أن يقصر أصابع قدميه بالساطور لكي تتسع للحذاء... وهذا هو فحوى المشروع الأصولي لمستقبل الأمة أساساً ولا نقول مشروع كل الإسلاميين.
أما المشروع الثاني، فهو مشروع من فقد الأمل بإمكانية التغيير، واستسلم للأمر الواقع، أو مشروع المستفيدين من الأمر الواقع، كالأنظمة العربية والسلطة الفلسطينية مثلاً، والشرائح المرتبطة بها، وكلهم يتلخص سقفهم السياسي بتحسين شروط التبعية والتعامل مع الطرف الأمريكي-الصهيوني بأحسن الأحوال: الصراع على التفاصيل في ظل القبول بالأمر الواقع. كما أنه فعلياً مشروع قطعان التمويل الأجنبي للمنظمات غير الحكومية، ومشروع استقلال الأقليات الحقيقية والمفبركة، ودعاة تغييب المشاريع والرؤى الثورية الكبرى، "المثالية"، من أجل التركيز فقط على "العمل الملموس" وعلى حقوق جزئية أو مطلبية يمكن تحقيق تقدم عملي فيها... "هنا والآن" طبعاً! ومنهم كذلك دعاة التركيز على "محاربة الأصولية"، كخطر مساوي أو أكبر من خطر الطرف الأمريكي-الصهيوني، على حد زعمهم. فكل هؤلاء يركبون فعلياً قطار التغريب وتحقيق شروط الهيمنة الأجنبية، ويتركون الإمبريالية والصهيونية وأذنابها تعيث خراباً في هوية الأمة وفي نسيجها الاجتماعي والسياسي.
أما المشروع الثالث، فهو مشروع النهوض الكبير الذي لا بد منه لتعيش الأمة مهما بدا بعيداً الآن، مشروع الوحدة والتحرير والنهضة، وهو مشروع واحد لا تمكن تجزئته إلى ثلاثة مشاريع. ويخطئ من يظن أن المشروع النهضوي العربي، مشروع الخروج من التخلف، هو مشروع ثقافي مسالم فحسب، أو مهمة اقتصادية لرجال الأعمال العرب فقط، غير المشروع المقاتل لتحقيق الوحدة والتحرر من الاحتلالات والهيمنة الأجنبية. فالتنمية الاقتصادية العربية مثلاً لا تتم بدون تكامل اقتصادي عربي، وهذا لا يتم بدون وحدة عربية، وتلك لا يمكن أن تأتي سلمياً، لأن القوى التي فرضت التجزئة، والقوى المستفيدة منها، لن تتخلى عنها بدون قتال.
كذلك لا تنتج التحولات الثقافية الكبرى على يد نخب متقوقعة في جبنها في كنف المجتمعات الراكدة، بل تنتج بالضرورة على هامش الحركات الاجتماعية الكبرى، ومن قلب حركات التغيير، كبذرة النهضة العربية التي أنتجها رفاعة الطهطاوي على هامش مشروع محمد علي باشا مثلاً، أو كالشعر الفلسطيني المقاوم المنبثق من قلب الثورة الفلسطينية المعاصرة، أو كعصر التنوير الذي قدمت له بالضرورة الثورة الصناعية في أوروبا الغربية. ولا تنتج ديموقراطية في المجتمعات التابعة المفككة سياسياً وسيكولوجياً، فقبل الديموقراطية لا بد من وجود مواطن ووعي قومي، وإلا فلكم أن تتمتعوا ملياً بديموقراطيات العشائر والطوائف والاثنيات في ظل فسيفساء دويلات "الحكم المحلي".
كذلك فإن اليأس الذي تسلل إلى قلوب الناس في بلادنا، بشكلين متوازيين ومتلازمين: تغريبي وأصولي (بالمعنى المذكور أعلاه)، كان النتيجة الطبيعية لوصول تلك الأشكال المحددة التي اتخذها المشروع القومي -والوطني التحرري - في الخمسينات والستينات إلى طريق مسدود، وعجزها عن التغلب على العقبات التي تعيق تقدم الأمة باتجاه الوحدة والتحرير والنهضة، وهو ما لا يقلل من أهمية التغلب على تلك العقبات لكي تعيش الأمة وتتخطى محنتها، أي من ضرورة وجود مشروع قومي يستلهم ويستفيد من تجارب وإخفاقات ونجاحات المشاريع التي سبقته – ولا يجوز أن ننسى وجود نجاحات.
بالتالي، فإن التحول الثقافي الحقيقي يتطلب إحياء الأمل بالمشروع القومي – والوطني التحرري – أي يتطلب بالضرورة حركات سياسية كبرى، جماهيرية، ثورية حقيقية، وفي هذه اللحظة يتطلب حركة قومية صاعدة أكثر مليون مرة مما يتطلب جهداً ثقافياً نخبوياً لن يجد أمامه إلا التحالف مع الأنظمة العربية (لمواجهة "الخطر الأصولي"؟!!) في ظل غياب الالتزام بمشروع حقيقي للتغيير السياسي... وما عدا ذلك، لن نجد أمامنا إلا خيارين يتبادلان السيطرة على الشارع: تغريبي مرتبط بمشروع الهيمنة الأجنبية لتفكيك الأمة، وماضوي لا يمتلك رؤىً أو حلولاً حقيقية لمشاكل الواقع!
والمشروع القومي هو بالأساس مشروع سياسي لأنه مشروع نهضة ووحدة وتحرير، فهو لا يستبعد أبداً إمكانية وجود تأويلات إسلامية متنورة وثورية، أو ماركسية - متنورة وثورية أيضاً، لا بل لا يستبعد وجود تأويلات أخرى له قد تتنوع بتنوع الشرائح المعنية بالتغيير الحقيقي في المجتمع العربي. وما دام الهدف هو النهوض والوحدة والتحرير، فأهلاً بكل تلك التأويلات...
لكن الغائب عن الميدان اليوم يبقى مشروع الوحدة والتحرير والنهضة، أي المشروع القومي حتى لو اتخذ شكلاً إسلامياً أو ماركسياً أو بعثياً أو ناصرياً أو شكلاً جديداً لم يفرزه الواقع بعد. بيد أن تحقيق التحرير من الاحتلالات والوحدة والنهضة عبارة عن ضرورة موضوعية يفرضها واقع الأمة، لذلك فإن غياب المشروع القومي، أو تغييبه، وعجزنا عن إعادة إنتاجه على الأرض بشكل يتلاءم مع معطيات الواقع، هو الذي يخلق الفراغ الذي لا بد أن يمتلئ بشيء ما، لأن الطبيعة السياسية، كأي طبيعة، لا تعرف الفراغ.
وإذا لم يتبلور ذلك المشروع القومي، قد ينتصر خيار العودة للماضي "الذهبي" مع تراكم المشاكل المستعصية للنظام القطري العربي وانفجارها، وقد ينتصر خيار الخضوع للهيمنة والتغريب تحت وطأة ضغط قوى الهيمنة الأجنبية ومخططاتها، وقد تتجرع أمتنا تلك التجربة المرة عقوداً أو أكثر، كما عاشتها من قبل، ولكن من بين الحطام، سيعود الواقع ليفرض جدول أعماله من جديد: النهضة والوحدة والتحرير، وهذه أمة تأبى روحها أن تموت، وتظل متقدة تحت الرماد، وعندها ستنتج حركة قومية جديدة، ولكنها بالضرورة ستقصر من أمد معاناتها كلما أنتجتها بصورة أسرع.