(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
فيلم "فريق
الصيد"
The Hunting Party:
دعوة لتدخل عسكري وأمني أمريكي أكثر فعالية في منطقة البلقان
د. إبراهيم علوش
قبل إعلان إقليم كوسوفو انفصاله الأحادي عن يوغوسلافيا في 18/2/2008، كجزء من إستراتيجية حلف الناتو لتفكيك الكتل المعيقة لتمدد هيمنته شرقاً وجنوباً، وبدعمٍ علني من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، كانت وسائل الإعلام والترفيه الأمريكية تعمل دون توقف، بالأخص منذ العدوان الثلاثيني والحصار الإجرامي على العراق، على تصوير الإمبريالية الأمريكية والأوروبية باعتبارها نصير الإسلام والمسلمين في البوسنة. وهو ما أتاح لها أن تضرب عصفورين بحجر واحد: 1) تحقيق مصلحتها ببسط هيمنتها على أوروبا الشرقية وتفكيك يوغوسلافيا، ومن ثم صربيا، وصولاً لتطويق روسيا بحلف الناتو، بعد تفكك الاتحاد السوفياتي السابق، و2) امتصاص بعض آثار العدوان على العراق، ودعم الكيان الصهيوني، وآثار السياسيات الأمريكية المعادية عامة للعرب، باللعب على وتر المشاعر الإسلامية في الشارع العربي.
وكجزء من عملية تكريس مفهوم "انحياز الغرب للمسلمين"، في مواجهة الكتلة السلافية في أوروبا، تعاونت مجموعة من شركات الإنتاج والتوزيع السينمائي في الغرب على فيلم "فريق الصيد" The Hunting Party، الذي يحاول بلا جدوى جمع الإثارة والأكشن والكوميديا السوداء. وقد جيء بالممثل المعروف ريتشارد غير بنفسه، الذي يتبنى أيضاً قضية تفكيك الصين الشعبية، من خلال دعمه لانفصال هضبة التيبت وصداقته مع شيخ مشايخ البوذيين "الدالي لاما"، وتبنيه لمجموعة من قضايا حقوق الإنسان، على ما زعموا، ليلعب الدور الرئيسي في فيلم "مجموعة الصيد" الذي أطلق في دور العرض في 7/9/2007، سوى أن هذا الفيلم تتلخص رسالته الأساسية بأن الغرب لا يفعل بما فيه الكفاية لدعم المسلمين في البوسنة، وأن المطلوب هو تدخل غربي مباشر، أمني وعسكري، أكثر فاعلية ضد الصرب.
فالرسالة الأساسية للفيلم هي أن التدخل مبرر باسم "جرائم الحرب"، ولكن وكالة المخابرات المركزية، CIA، وغيرها، تماري، ولا تفعل بما فيه الكفاية على صعيد التدخل العسكري والأمني المباشر. فهو مدح في قالب ذم في الواقع، لأنه يكرس فكرة: 1) مشروعية التدخل العسكري والأمني الأمريكي في البلقان، 2) أن مرجعية التدخل هي الغرب، الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بالتحديد، 3) أن ذلك التدخل، حين يتم، سوف يجري لأسباب إنسانية، لا علاقة لها أبدا بالمصالح الإستراتيجية والجغرافية السياسية. فالفيلم بالأساس دعوة "للتدخل العسكري الخارجي، والعمليات الأمنية السرية خارج الحدود، لأغراض إنسانية"، وبهذا المعنى فإن النقد الموجه لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية في الفيلم هو أنها لا تفعل ما يكفي في هذا المضمار،
ولولا انفصال كوسوفو الأحادي عن جمهورية الصرب لما احتاج هذا الفيلم للتقييم والنقد، فقد كان تجاوب الجمهور معه ضعيفاً جداً، في الولايات المتحدة وأوروبا وخارجهما على حدٍ سواء، باستثناء تركيا نوعاً ما، فتحول الفيلم إلى فشل تجاري ساحق لمنتجيه، وفشل فني لريتشارد غير، بالرغم من المقابلات التي أجراها الممثل غير حول فيلمه، قبيل إطلاقه رسميا، في بعض أشهر البرامج الحوارية الأمريكية (مثل برنامج دايفيد لترمان وكونان أوبريان). قد كلف إنتاج الفيلم خمساً وعشرين مليوناً من الدولارات، ولكن مبيعات بطاقاته على شباك التذاكر في الشهرين التاليين لإطلاقه في الولايات المتحدة لم تصل حتى إلى مليون دولار واحد، ووصلت إلى حوالي نصف مليون دولار في تركيا، وأقل من ربع مليون دولار في ألمانيا، وحوالي خمسين ألف دولار فقط لا غير في النمسا، ووصلت إلى الكثير من الترحيب والتهليل في سراييفو نفسها من قبل الموالين للتدخل العسكري والأمني الأمريكي في البلقان. ولكن يبدو أن سطحية المعالجة وسخافة الأداء والعنجهية الهوليوودية في التعامل مع مسائل دولية معقدة أسقطت هذا الفيلم الرث حتى لدى الجمهور الذي يؤيد تدخل حلف الناتو في البلقان في الولايات المتحدة وأوروبا – باستثناء تركيا طبعاً.
وقد تم تصوير هذا الفيلم في المناطق الكرواتية أساساً في البوسنة، وفي سراييفو، بالتعاون مع ممثلين كرواتيين وبوسنيين، وقصته مستمدة من مادة صحفية نشرت في مجلة "إسكوير" Esquire الأمريكية في شهر أوكتوبر عام 2000 عن خمسة صحافيين حاولوا بالفعل إلقاء القبض على ردوفان كارادتش، السياسي والطبيب والشاعر الصربي، المطلوب لمحكمة الجرائم الدولية في لاهاي، بتهمة المشاركة في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة جماعية في البوسنة، والذي وضعت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية جائزة قيمتها خمسة ملايين دولار على رأسه. وحسب مقال مجلة "إسكوير" الذي يعتمد عليه فيلم "فريق الصيد"، فإن محاولة هؤلاء الصحافيين إلقاء القبض على ردوفان كارادتش أدت إلى تدخلات من حلف الناتو والمسئولين الأمريكيين الديبلوماسيين والأمنيين.
ومن جاءت رسالة فيلم "فريق الصيد" الأساسية أن هناك من يغطي في الغرب على كارادتش، والمطلوب الأخر معه، راتكو ملادتش، القائد العسكري الصربي في البوسنة في بداية التسعينات، وبرز ريتشارد غير ليملأ هذا "الفراغ الأمني" سينمائياً بجهوده وجهود فريقه الصحافي المؤلف من اثنين، أحدهما خريج غر تم تعيينه للمهمة لأن أباه مسؤولٌ كبير في المحطة التلفزيونية الكبيرة التي يعمل فيها صديق ريتشارد غير الصحافي الأخر، الممثل المعروف تيرينس هوارد... ولا بأس من بعض النكهات الهندية هنا، على طريقة الفيلم الهندي:" أين أمي؟"، إذ يبرز الدافع النفسي الدفين لما يقوم به ريتشارد غير من مطاردة لشخصية د. رودوفان كارادتش (الملقب في الفيلم بالثعلب) في المناطق الصربية من البوسنة، هو قيام الأخير بالإشراف على مجزرة وعمليات اغتصاب في قرية بوسنية مسلمة راحت ضحيتها حبيبة غير البوسنية، التي تحمل طفله. مما أفقده توازنه وأدى إلى تدمير حياته المهنية بالكامل. وبالتالي، فإن ما يقوم به غير يصبح محاولة لاسترجاع حياته، وإحقاق العدالة التي لا يقوم حلف الناتو والأجهزة الأمنية الأمريكية بما يكفي لإحقاقها.
وثمة تهجم شديد على الأمم المتحدة ودورها في الفيلم، بنفس الطريقة المتهكمة للمحافظين الجدد في الولايات المتحدة. حيث تصور الأمم المتحدة وقواتها في البوسنة كبيروقراطية كبيرة لا تفعل شيئاً. ويظهر هذا في مشهد يقوم فيه ضابط من الأمم المتحدة في البوسنة، وهو يشرح لريتشارد غير أن هناك أوامر لكي لا يفتش عن الثعلب، أو لكي لا يتحرك من مكانه عملياً، بطلب القهوة أو الشاي من سكريترته التي تبعد عنه بضعة أمتار فقط عن طريق الإنتركوم : )
طبعاً المهزلة أن هذا الأمر مع الأمم المتحدة يفترض أنه جرى، حسب الفيلم، في عام 2000، ولكن بعثة الأمم المتحدة العسكرية في منطقة النزاع في كوسوفو انتهى تفويضها في 20/12/1995، حيث حلت محلها قوات النانو! ولكن ليس حسب مخرجي الفيلم الذي يريدون أن يوصلوا رسالة للأمريكيين هي عدم جدوى حل المشكلة عبر الأمم المتحدة... وهي رسالة تقليدية للمحافظين الجدد، بالرغم من أن غير يفترض أنه ديموقراطي النزعة، ومعادٍ لهم!
وبالمناسبة، ليس صحيحاً أن حلف الناتو لم يحاول القبض على ردوفان كارادتش، بل حاول القبض عليه أكثر من مرة، كان منها محاولة فاشلة في أيار / مايو 2005، ومحاولة أخرى في 7/7/2005 أدت لاعتقال ابنه...
وبالتأكيد فإن ردوفان كارادتش لم يك قديساً، ولا راتكو ملادتش، ولربما يستحقان العقاب على ما قاما به، كما يستحقه كل من قام بجرائم في الحروب الأهلية، سوى أن مشكلة هذين بالتحديد أنهما يقفان في طريق المصالح الأمريكية، لا أنهما ارتكبا جرائم، ولهذا لم يأت مثلاً ذكر جيش تحرير كوسوفو Kosovo Liberation Army المدعوم أمريكيا وذي النزعة الانفصالية الذي ارتكب جرائم كبيرة في البوسنة بدوره، دون أن يمنع ذلك بعض مسئوليه من تبوء مناصب كبيرة في دولة كوسوفو "المستقلة حديثاً" (بفضل قاعدة الناتو الكبيرة الموجودة فيها).