(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
البعد الداخلي في التقرير الأمني الأمريكي عن نووي إيران
د. إبراهيم علوش
لم يمض وقت طويل منذ استقالة جورج تينيت، المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA، بعد تعرض وكالته لانتقادات حادة حول المعلومات المضللة التي يفترض أنها قدمتها عن امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل، وعجز الوكالة عن توقع المقاومة العراقية. فقد جاءت استقالة جورج تينيت في أوائل شهر تموز/ يوليو 2004، بعد سبع سنوات على رأس الوكالة منذ ما قبل جورج بوش، ولكن قبيل الانتخابات الرئاسية الأمريكية. فراح جورج تينيت كبش محرقة للتعويض عن فشل جورج بوش في العراق.
وقد مضى وقتٌ أقل منذ استقالة بورتر غوس في 5/5/2006 خليفة جورج تينيت على رأس وكالة المخابرات المركزية الأمريكية. وقد ربط بعض المحللين الأمريكيين وقتها ما بين استقالة غوس وانكشاف فضيحة شبكة السجون السرية التي كانت تديرها السي أي إيه خارج الولايات المتحدة، وتفاقم فضيحة سجن أبو غريب.
ومع أن ثلة من الرؤوس الكبيرة في الإدارة الأمريكية كانت قد تدحرجت على خلفية فشل سياسيات إدارة بوش، مثل أحد أهم صانعي حرب العراق وزير الدفاع دونالد رامسفلد في 8/11/2006 الذي أينع رأسه عشية فشل الجمهوريين في الانتخابات النيابية الجزئية في 2006 ومثل وزير العدل البرتو غونزالس مهندس قوانين الطوارئ التي أعطت صلاحيات استثنائية للرئيس الأمريكي للتجسس على المواطنين الأمريكيين، وأعطت الأجهزة الأمنية صلاحيات كبيرة خارج إطار الدستور الأمريكي... وهذا ناهيك عن بعض أهم رموز المحافظين الجدد في المجلس الدفاعي الاستشاري مثل ريتشارد بيرل وبول ولفوويتز... من مهندسي سياسة "الضربة الأحادية".
وقد استقال أول مفوض عام لكل الأجهزة الأمنية الأمريكية جون نيغروبونتي في أول سنة 2007 ليصبح مساعداً لوزيرة الخارجية رايس، دون أن يتضح سبب الاستقالة بالضبط، بعد عامين في ذلك المنصب. وكان نيغروبونتي على مدى عقود قبلها جزءاً من كادر وزارة الخارجية الأمريكية، ومنها دوره كسفير في العراق. وقد حل محله كمدير عام للأجهزة الأمنية الأمريكية الأميرال جون مايكل ماكونل، وقد جاء تعينه ذا دلالة، بسبب خلفيته في وزارة الدفاع الأمريكية، نظراً للتنافس التاريخي ما بين السي أي إيه ووزارة الدفاع، ناهيك عن الصراع التاريخي بين السي أي إيه ووزارة الخارجية، مع العلم أن ماكونل قضى ستاً وعشرين عاماً في مخابرات البحرية. وقد جعلت إدارة بوش من حل التناقضات القديمة بين هذه المؤسسات جزءاً معلناً من أهدافها...
المهم أن تقرير الأجهزة الأمنية الأمريكية القائل بأن إيران توقفت عن السعي لإنتاج السلاح النووي خرج من تحت يد المدير العام للأجهزة الأمنية الأمريكية جون مايكل ماكونل. وحالما خرج التقرير، ازدهرت نظريات المؤامرة في بعض وسائل الإعلام العربي التي لم تأخذ بعين الاعتبار البنية الداخلية للمؤسسة الحاكمة الأمريكية وصراعاتها وتوازناتها. ولا يعني ذلك أن الأجهزة الأمنية الأمريكية لا تمارس التآمر، بل هو في صلب عملها، ولكن هذا الإعلان بالذات جاء محرجاً بشدة للإدارة الأمريكية، للرئيس بوش، ولوزير الدفاع روبرت غيتس القادم من رئاسة جامعة كبرى في تكساس بعد رئاسته للسي أي إيه، الذي انتقد التقرير بمرارة في المؤتمر الأمني الإقليمي في المنامة في 8/12/2007. فقد أظهر تقرير الأجهزة الأمنية الإدارة الأمريكية بأنها كاذبة ومنقسمة على نفسها، فأضعف من مساعيها لفرض عقوبات أشد على إيران، والأهم، وهنا بيت القصيد، أنه وجه ضربةً موجعة لجهود الإدارة الأمريكية لحشد تحالف إقليمي ودولي للدخول "في حرب عالمية ثالثة"!
وقد نقلت الجزيرة نت عن الصنداي تايمز البريطانية في 9/12/2007 أقوالاً للمحافظين الجدد من مكتب نائب الرئيس ديك تشيني تزعم بأن معدي التقرير "من المسؤولين السابقين في وزارة الخارجية المناهضين للرئيس الأميركي جورج بوش والمعارضين لحرب العراق وفرض عقوبات على إيران".
ولا يخفى مدى امتعاض الكيان الصهيوني من نفس التقرير..
فإذا كان في الأمر خدعة، فإن هدفها الرئيسي هو إدارة الرئيس بوش وسياساتها الخارجية المغامرة التي أضعفت الوزن الدولي للولايات المتحدة مقابل روسيا والصين وفنزويلا وإيران وغيرها.
فالأجهزة الأمنية الأمريكية تعلم أن "البطة العرجاء" جورج بوش وإدارته سوف يغادران البيت الأبيض عند ظهر يوم 20/1/2009، وأن الانتخابات الرئاسية والنيابية وانتخابات حكام الولايات سوف تتم في 4/11/2008، وحتى ذلك الوقت، لا تريد الأجهزة الأمنية أن تتهم بتزويد الإدارة بمعلومات خاطئة عن برنامج إيران النووي، كما حدث في حالة العراق، أو أن يتحمل رؤساؤها مسؤولية فشل سياسات إدارة بوش الخارجية.
فالتقرير إشعارٌ رسميٌ من جزء رئيسي للمؤسسة الحاكمة الأمريكية بأن أية مغامرة يقدم عليها بوش قبيل مغادرته الحكم لا تقوم على توصيات المؤسسة الأمنية. ومن الواضح أن هذا لا يعني أن احتمالية ضربة عسكرية لإيران قد زالت، بل يعني أنها ضعفت، ومن الممكن أن يقوم بوش بعمل مجنون لأنه لن يتحمل شخصياً عواقبه بعدما يذهب، بل تتحمله إدارة الرئيس الذي يليه، والأرجح أن الأجهزة الأمنية تحاول احتواء هذه الاحتمالية بالذات.
ريتشارد بولتون، أحد أبرز عتاة المحافظين الجدد، والسفير السابق للولايات المتحدة في الأمم المتحدة الذي رفض مجلس الشيوخ الأمريكي إقرار تعيينه، قال لمجلة دير شبيغل الألمانية أن تقرير الأجهزة الأمنية الأمريكية عن إيران يمثل محاولة "انقلاب داخلي.. يوضح أن الاستخبارات غير راضية عن سياسة الحكومة"، وهو أقرب للصحة. فمما لا شك فيه أن التقرير يمثل نصراً لتيار بيكر-هاملتون في السياسة الخارجية الأمريكية، وتحولاً في ميزان القوى داخل المؤسسة الحاكمة الأمريكية، ولكنه يعبر أيضاً عن شعور الأجهزة الأمنية الأمريكية أن إدارة بوش سفينة غارقة، وأن سمعة الأجهزة الأمنية قد تضررت بشدة تحت إدارة بوش، مما أثر على قدرتها على الاستقطاب والاختراق وجمع المعلومات عالمياً كما صرح مسئولوها أكثر من مرة! فهي محاولة من الأجهزة الأمنية الأمريكية لاستعادة مصداقيتها، وللحفاظ على ديمومة المؤسسة بعد بوش.
ولا ينفي ما سبق أن الإدارة الأمريكية قد تحاول توظيف التقرير بسياق عملية الانفراج الجارية حالياً ضمن علاقة الوحدة والصراع بين القطب الإيراني والقطب الأمريكي في الإقليم، والمنعكسة على لبنان والعراق والساحة الفلسطينية وعلى العلاقة مع سوريا بطرق مختلفة، ولكن التقرير يحد من الخيارات الإستراتيجية لإدارة بوش، ويضعف قدرتها على المناورة. ولكن اللوبي الصهيوني وبقايا المحافظين الجدد لم يعجبهما التقرير الأمني الأمريكي عن إيران، ولذلك فإن لعبة التوازنات داخل الإدارة الأمريكية لم تنته بعد، ومن السابق لأوانه شطب احتمال الحرب.