(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
وقّع معارضو العمليات الاستشهادية، المعروفة باسم القنابل البشرية، مؤخرا عريضة يطالبون فيها بوقف "الهجمات ضد المدنيين الإسرائيليين". وتأتي هذه العريضة متزامنة مع الإدانات المتكررة للعمليات الاستشهادية من قبل السلطة الفلسطينية (نتيجة الضغوطات الشديدة من الولايات المتحدة وغيرها من الحكومات). لذا، تصبح هذه العريضة، التي وقّعها عدد من "المثقفين" و"الناشطين السياسيين" الفلسطينيين، ذات أهمية خاصة من حيث توقيتها، لا فقط محتواها، عندما توضع في سياق حملة الإعلام المتضافرة دوليًّا لخلق الانطباع بأنّ العمليات الاستشهادية البطولية هي قضيّة جدليّة بين الفلسطينيين، بينما العكس هو الصحيح تماما.
ففي الواقع، إنّ استطلاعات للرأي أُجريت حول هذا الموضوع تشير بأنّ دعم الفلسطينيين للعمليات الاستشهادية يصل إلى اكثر من90 بالمائة كحد أعلى (حسب إحصائية ال Al-jazeera.net) وإلى أكثر من 60 بالمائة كحد أدنى، (حسب وكالة تابعة للسلطة الفلسطينية التي تدين العمليات الاستشهادية). استطلاع آخر قامت به ييديعوت أحرونوت, الجريدة "الإسرائيليّة", يشير إلى أنّ دعم العمليات الاستشهادية بين الفلسطينيّين هو حوالي 78 بالمائة.
لذا، فإنّ عزلة هؤلاء المعارضين للعمليات الاستشهادية في الساحة الفلسطينية تصبح أكثر وضوحا إذا ما تذكّرنا بأنّ طبقا لكل استطلاعات الرأي أعلاه، فإنّ عددا كبيرا من الإجابات التي لم تؤيد العمليات الاستشهادية، لم تصوّت ضدها أيضاً.
وبغض النظر عمّا إذا اتفق المرء، من حيث المبدأ، أم لم يتفق مع العمليات الاستشهادية، فيجب علينا أن نتساءل عن جدوى انسياقنا وراء حملة تقودها مؤسسات صنع القرار الدولي، مثل الحكومة الأمريكية، التي لديها تاريخ طويل في معاداة القضية الفلسطينية وقضايا العالم الثالث بشكل عام. فبالنهاية، إنّ التصريحات والأفعال لا تقع في فراغ سياسي، بل تؤدي بالضرورة إلى خدمة مصالح هذه الجهة أو تلك. وفي هذه الحالة، فإنّ الحملة الإعلامية لإدانة العمليات الاستشهادية نشأت من استراتيجيات ومصالح، هي على أقل تقدير، معادية للفلسطينيين، أي أنّ الحملة الإعلامية تلك، لم تنبع من وجهة نظر بديلة ولكن مخلصة حول كيفية تحقيق الأهداف القومية العربية الفلسطينية، بل من مراكز القوى نفسها التي لديها تاريخ استعماري قديم وطويل، والتي أنشأت القضية الفلسطينية في بادئ الأمر، والتي لديها مصلحة في زرع الخلاف والتشويش وتبرير الممارسات الصهيونية ضد الفلسطينيين. لذا، فإنّ هؤلاء الموقعين على تلك العريضة، المطالبين بوقف "الهجمات على المدنيين الإسرائيليين"، قد أدانوا أنفسهم قبل كل شيء في توقيتهم واستراتيجيّتهم السّياسيّة المريبة، بغض النّظر عن مضمون رسالتهم، وذلك بسبب ارتباطهم بسياسات مراكز القوى الناشئة في ظل النظام العالمي الجديد، مثل الاتحاد الأوروبي، الذي موّل نشر هذه العريضة.
من حيث الأسلوب، فإنّ معارضي العمليات الاستشهادية لا يستنكرون مشروعية العمليات الاستشهادية، بل يركّزون في نقدهم لها على حكمتها السياسية. ربما يعود ذلك للتأييد الكبير للعمليات الاستشهادية من قبل الفلسطينيين والعرب والمسلمين، مما جعل المعارضين لها يدركون بأنّ أية محاولة للتشكيك بمشروعية العمليات الاستشهادية سوف تصطدم بحائطٍ من فولاذ. وعلى كل حال، فإنّ أساس الحملات الدعائية الجديدة لمعارضي العمليات الاستشهادية هي بأنّ "الهجمات على المدنيين الإسرائيليين" سوف تؤدي إلى الآتي:
وهلمّ جرا...
وهكذا، يحاول هؤلاء المعارضون أن يستخدموا خطاباً جديداً لتجنّب الوقوف في وجه التأييد الشعبي العارم للعمليات الاستشهادية، وليركبوا الموجة الوطنية أملاً بتغيير اتجاه مسارها، في مناورة معروفة وقديمة جدا في الساحتين العربية والفلسطينية. وبالطبع، فإنّ العديد من موقّعي العريضة التي تطالب بوقف "الهجمات على المدنيين الإسرائيليين" هم مخلوقات سياسية تم تفقيسها في حاضنات فرق المفاوضات مع "إسرائيل" والتمويل الأجنبي والمنظمات غير الحكومية (NGO) بكل ما يترتب على ذلك من امتيازات شخصية وتنازلات سياسية. العديد منهم قد عبّروا صراحة عن مواقف انهزامية، تتراوح بين التخلي عن حق العودة والخلاف التام مع ما سموه "عسكرة الانتفاضة". أما اليوم، فقد اجتمعوا ليعزفوا لحنا مختلفا هو في الحقيقة ليس جديداً على الإطلاق في مواجهة كل حركات التحرر الجذرية في العالم...
فلنفترض معا بأنّ مشروعية العمليات الاستشهادية ليست موضع نقاش هاهنا، وبأننا هنا نحلل فوائدها الاستراتيجية والسياسية فقط. وخلال ذلك، فلنفترض أيضا بأنّ الموقعين على العريضة التي تطالب بوقف العمليات الاستشهادية يؤمنون بأنّ الشعوب التي ترزح تحت نير الاحتلال لديها الحق بأن تدافع عن نفسها بكل ما أوتيت من وسائل لتحرير نفسها. ولنفترض أيضا بأنّ الموقعين على العريضة المذكورة يعرفون بأنّ "إسرائيل" ليست جيشا احتل شعبا، بل مجتمعا استيطانيا-استعماريا، حاول استئصال مجتمع آخر بأسره ليحل محله. ولنفترض للحظة بأنّ الموقعين المذكورين يعرفون ويفهمون أيضا بأنّ "إسرائيل" هي قاعدة استعمارية في قلب الوطن العربي، وبأنهم يفهمون جيدا لماذا يعتقد معظم الفلسطينيين بأنّه لا يوجد شيء اسمه "مدنيون" في "إسرائيل" ولماذا يعتقدون بأنّ جميع هؤلاء المستوطنين- المستعمرين هدفا مباحا (للمزيد عن هذا الموضوع، إذهب إلى: Ten Reasons why "Israeli" Jews are Kosher Targets).
إذن، إنّ مبدأ استهداف المستوطنين-المستعمرين (وليس المدنيين) ليس موضع البحث هنا. فلنرجع إذا إلى مسألة الحكمة السياسية والاستراتيجية للعمليات الاستشهادية. وعلى هذا الأساس فلنراجع معاً المعطيات التّالية:
بالنهاية، هناك نوعان من البشر في هذا العالم: أولئك الذين لا يرون إلا العوارض، وأولئك الذين يحفرون عميقا بحثا عن الأسباب الرئيسية. العنصرية في "إسرائيل"، المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة، الاعتقال الإداري، إطلاق النار على المتظاهرين الفلسطينيين، الاغتيالات، إلخ.. كل ذلك عوارض لسبب رئيسي واحد: الاحتلال الصهيوني لفلسطين. إنّ ميّزة العمليات الاستشهادية على جميع وسائل مقاومة الاحتلال الأخرى، هي أنها، أكثر من أي وسيلة مقاومة أخرى، تذهب إلى أصل المشكلة، أي المجتمع الاستيطاني-الاستعماري نفسه. بالتالي، فهي تترأس جميع وسائل المقاومة الأخرى.
أما المثقفون، فهناك بالنهاية نوعان منهم في هذا العالم: أولئك الذين يستخدمون عقولهم لتبرير الأمر الواقع، وأولئك الذين يستخدمون عقولهم لتغييره. فبعد كل ما ذُكر سابقا، إنّ أولئك الذين وقّعوا العريضة المطالبة بإنهاء العمليات الاستشهادية، كانوا فعليا يدافعون عن الوضع الراهن، أي عن وجود الاحتلال (مع بعض التحسينات). من جهة أخرى، فإنّ المثقفين والكتّاب والصحفيين والمتحدّثين الرسميين والفنانين المهتمين بالقضاء على الاحتلال، يؤثرون التركيز على فضح زيف ومزاعم الصهاينة والمتخاذلين مهما اتخذت من أشكال.
لا نحتاج لأن نكذب أو أن نتنازل عن المبادئ لكسب مؤيدين لقضيتنا. إنّ قضيتنا تقف على أرض صلبة، سواء اختار المرء أن يضعها في إطار مصطلح تاريخي، أو منطقي، أو قانوني، أو إسلامي، أو عربي، أو ماركسي.
لا نحتاج أيضا لأن نعتذر عن حقنا المشروع في المقاومة. بل على العكس، نحتاج لأن نفخر بأنه بينما يهب إخواننا وأخواتنا أرواحهم على أرصفة الشوارع لكي تحيا فلسطين (لا لأنهم أفراد يائسون) نتشرف نحن بالمهمة الأقل شأناً وهي الدفاع عن تضحياتهم في عالم الفكر والإعلام. هذه هي مهمة الساعة، التي يجب على كل الكتاب والمتحدثين الفلسطينيين الشرفاء أن يكرسوا لها أنفسهم. بل تلك هي مهمة المدافعين عن الحقيقة والعدالة في كل مكان.
الصوت العربي الحر