(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


المساعدات الخارجية للأردن:
نعمة أم نقمة؟

د. إبراهيم علوش

بلغت المساعدات الأمريكية للأردن خلال السنوات الأخيرة 225 مليون دولار سنوياً، يذهب 75 مليوناً منها كمساعدات عسكرية، و 150 مليوناً يفترض أنها مساعدات اقتصادية، حسب موقع السفارة الأمريكية في الأردن على الإنترنت. ويضيف هذا الموقع أن 300 مليون دولار إضافية تم تخصيصها للأردن من قبل الكونغرس الأمريكي خلال العامين 1999 و2000 كجزء من صفقة واي ريفر، منها 200 مليون دولار تم تخصيصها كمساعدة عسكرية، و100 مليون أخرى كمساعدة اقتصادية. وتقدر مصادر السفارة الأمريكية في عمان أن المساعدات الأمريكية للأردن ستصبح حوالي 300 مليون دولار سنوياً مع مجيء العام 2003، مع العلم أن الرئيس الأمريكي بوش طلب من الكونغرس الأمريكي أن يخصص للأردن 198 مليون دولار كمساعدة عسكرية، بدلاً من 75 مليوناً، و250 مليون دولار كمساعدة اقتصادية، بدلاً من 150 مليوناً.

ويقول تقرير أخر صادر عن الخارجية الأمريكية في شباط /فبراير 2002 أن إجمالي المساعدات الأمريكية للأردن (الأساسية والإضافية) بلغ 313 مليون دولار عام 2000، و479 مليون دولار عام 2001، و256 مليون دولار عام 2002 (تقدير).

ويضيف تقرير الخارجية الأمريكية نفسه أن المساعدات التي تلقاها الأردن خلال الأعوام نفسها من مصادر أخرى غير أمريكية كانت أو ستكون: 230 مليون دولار عام 2000، و288 مليون دولار عام 2001، و291 مليوناً عام 2002 (تقدير).

والحقيقة هي أن من ينظر إلى هذه الأرقام قد ينتابه للوهلة الأولى شعور مزيف كالسراب بأن حكومة الولايات المتحدة، ومن خلفها حكومات بعض الدول الغنية في شمال الكرة الأرضية، قد اعترتها سورة من الكرم الحاتمي، فقررت أن تغدق العطايا على الأردن لوجه الله، طمعاً في إغاثة الملهوف وأملاً في نشر الخير والمعروف.

ولكن الواقع أبعد ما يكون عن هكذا أوهام لا يمكن أن تعلق إلا بأذهان من لا ينظرون في ثنايا الأمور وشياطين التفاصيل. فالمجتمع الأمريكي، والمجتمعات القائمة في دول الشمال الغنية، هي بالأساس مجتمعات رأسمالية تقوم في عقيدتها وآليات عملها على مبدأ تعظيم الربح الذي تضعه فوق كل مبدأ، ولو أدى ذلك إلى استخدام العنف وأسلحة الدمار الشامل لسحق كل مقاومة في وجه تحقيق مصالحها الكونية الاقتصادية والسياسية وغيرها.

من هذا المنطلق فقط نستطيع أن نفهم المساعدات الأمريكية بشكل عام، وعلى رأسها المساعدات الأمريكية للكيان الصهيوني ثم مصر وباقي دول العالم، وأخيراً المساعدات الأمريكية للأردن، حيث أن الجزء الأساسي من المساعدات الأمريكية الخارجية يذهب إلى حفنة من الدول التي تخدم المصالح الأمريكية والصهيونية في بقاع استراتيجية من العالم. والحقيقة هي أن المساعدات الأمريكية إلى مصر والأردن هي في جوهرها مساعدات للكيان الصهيوني، لأنها ترتبط بشكل مباشر بعقد الاتفاقات السياسية بين الدول العربية والكيان الصهيوني، كما رأينا أعلاه في حالة مساعدات اتفاق واي ريفر. وقد تم إعفاء الأردن من 700 مليون دولار من الديون عام 1994 بعد اتفاق وادي عربة، وتحصل مصر على ملياري دولار سنوياً لقاء صفقة كامب ديفيد.

ويصف وزير الخارجية الأمريكية الأسبق جورج شولتز برنامج المعونات الأمريكية في مقدمة تقريرٍ خاص صدر عن الخارجية الأمريكية عام 1983 على أنه "أداة أساسية من أدوات سياسة أمريكا الخارجية وأنه يرتبط ارتباطاً مباشراً بأمن أمريكا القومي وازدهارها الاقتصادي".

ويضيف الرئيس الأسبق رونالد ريغان في رسالته السنوية أمام الكونغرس الأمريكي عام 1986 في هذا السياق: "إن كل دولار ينفق على المساعدات الأمنية يساهم في الأمن العالمي بالمساهمة نفسها لذلك الدولار في بناء قوة الدفاع الأمريكية".

وهلم جرا...

وحتى لو نحينا جانباً الاعتبارات السياسية والاستراتيجية، وهي الأساس، فإن الولايات المتحدة كانت حتى الآن تربح اقتصادياً في الأردن أكثر مما تخسر. فلنتحدث بالأرقام. إن عجز الأردن في ميزانه التجاري مع الولايات المتحدة، أي الفرق ما بين صادرات الأردن ووارداته من وإلى الولايات المتحدة سنوياً، كان خلال السنوات الثلاثة الأخيرة، حسب تقرير وزارة الخارجية الأمريكية الصادر في شباط/فبراير 2002 ما يلي: 352 مليون دولار عام 2000، 391 مليون دولار عام 2001، و172 مليون دولار عام 2002 (تقدير).

وهذا يعني أن الولايات المتحدة ربحت في الأردن أكثر من 900 مليون دولار خلال العامين والنصف الماضيين، وهي كمية تقل قليلاً فقط عن المساعدات الأمريكية للأردن خلال الفترة نفسها. فالمساعدات الخارجية الأمريكية، كغيرها، تهدف إلى فتح الأسواق أمام المنتجات الأمريكية، وخلق شريحة من رجال الأعمال المحليين الذين ترتبط مصالحهم السياسية بالاستيراد والتصدير من وإلى أمريكا. ولنلاحظ هنا أن تقديرات أرباح أمريكا السنوية من الأردن في العام 2002 أقل بكثير من العامين السابقين، ويعود ذلك برأيي إلى عاملين:

1) ازدياد الصادرات من المناطق الصناعية المؤهلة QIZ من الأنسجة والألبسة إلى الولايات المتحدة، وتسمى هذه زوراً صادرات أردنية، وهي في الواقع صادرات من الأردن إلى الولايات المتحدة من قبل شركات غير أردنية، جنوب شرق آسيوية وصهيونية وغيرها، ففوائد الأردنيين منها قليلة جداً

2) انخفاض الواردات الأمريكية إلى الأردن نتيجة اشتداد حملة المقاطعة الشعبية على المنتجات الأمريكية، رداً على السياسية الأمريكية العدوانية في بلادنا في خضم الانتفاضة في فلسطين. وإذا أردنا أن نفهم أحد أهم أسباب تفاقم الحملة القمعية على أنصار مقاطعة المنتجات الأمريكية في الأردن، فإن علينا أن نتمعن في الأرقام التي تظهر انخفاض أرباح التجارة الأمريكية مع الأردن أكثر من النصف خلال العام 2002، وما يعنيه ذلك بالنسبة للشركات الأمريكية ووكلائها المحليين.

فيما يتعلق بالمساعدات الخارجية الأمريكية والموازين التجارية الأمريكية مع الدول المتلقية لهذه المساعدات، فلنلاحظ على سبيل المقارنة أن الولايات المتحدة تعطي مصر ملياري دولار في العام مثلاً، ولكن فائض الولايات المتحدة في ميزانها التجاري مع مصر خلال العام 2001 كان 2،9 مليار دولار، أي أن الولايات المتحدة أخذت من مصر 900 مليون دولار أكثر ما أعطتها حلال العام الماضي. بالمقابل، نجد خلال العام نفسه، أي 2001، أن تجارة الولايات المتحدة مع الكيان الصهيوني نتج عنها حوالي 5،8 مليار دولار كفائض لمصلحة هذا الكيان، وهو ما يماثل قيام الولايات المتحدة بإعطاء الكيان الصهيوني 5،8 مليار دولار، بالإضافة إلى كل المساعدات التي يتلقاها هذا الكيان أصلاً، وهي أكثر من أية مساعدات تعطيها الولايات المتحدة لأية دولة أخرى في العالم.

ينتج العجز في الميزان التجاري بشكلٍ عام الحاجة إلى الاقتراض من الخارج. فإذا نظرنا بعد ذلك إلى رؤوس الأموال التي يدفعها الأردن كأقساط وفوائد على ديونه الخارجية، أي إذا نظرنا إلى كمية المدخرات الأردنية التي تذهب للمؤسسات الدولية والدول الدائنة، فسنجدها تبلغ بأدنى التقديرات بين 14 و15 بالمائة من دخله الإجمالي سنوياً، أي أكثر من حوالي 500 مليون دولار سنوياً كمعدل. وهذا يعني أن دفعات أقساط وفوائد الديون السنوية وحدها تقارب في حجمها كل المساعدات، الأمريكية وغير الأمريكية، مجتمعة (إذا استثنينا مساعدات واي ريفر). هذا مع العلم أننا نقصر دوماً عن أداء الدفعات المطلوبة، فيصبح ما ندفعه فعلاً كخدمة للدين العام (الأساس النقدي) أقل بصورة دائمة من اللازم (أساس المستحقات)، مما يدفعنا للمطالبة بإعادة الجدولة، وهو ما يعني فعلياً زيادة حجم الديون، وبالتالي الأقساط والفوائد المترتبة عليها، فلا بأس بعد ذلك أن تزداد المساعدات قليلاً إذا كانت المستحقات ستتحول إلى جزء من الأصل، وكان دفع الأقساط سيذهب أدراج الرياح!

فالمساعدات هنا هي الحل المؤقت دائماً الذي يشدنا باستمرار إلى نظام العلاقات الاقتصادية الدولية غير المتكافئة الذي يخلق الحاجة إلى المساعدات الخارجية في المقام الأول. وهي تصبح بذلك عائقاً أمام التنمية الاقتصادية الحقيقية والحلول الطويلة المدى التي يحتاجها الأردن والوطن العربي والعالم الإسلامي والعالم الثالث، والتي تعارضها دول الشمال بكل ما أوتيت من عزم.

وحتى الآن، كان الافتراض المتضمن أعلاه هو أن المساعدات الخارجية الأمريكية وغير الأمريكية هي مساعدات للأردن أو غيره، والحقيقة أن هذا الافتراض غير دقيق على الإطلاق. فالمساعدة العسكرية الأمريكية مثلاً هي في واقع الأمر مساعدة للشركات العسكرية الأمريكية أو لوزارة الدفاع الأمريكية، أما المساعدات الاقتصادية الأمريكية فالجزء الأساسي منها مشروطٌ بشراء المنتجات الأمريكية، فهي كمن ينقل ماله من جيبه الأيمن إلى جيبه الأيسر. وكذلك الأمر في مصر، حيث تشكل المساعدات العسكرية 1،2 مليار دولار من أصل مليارين، بينما يذهب أكثر من سبعين بالمائة من ال800 مليون المتبقية كمساعدة عينية لشراء المنتجات الأمريكية مباشرة، مثل مساعدة القمح الأمريكية للأردن، أو كرواتب إجبارية للمستشارين الأمريكيين. أما القليل المتبقي بعد ذلك، فينفق بالطريقة التي يراها هؤلاء المستشارين!

وما زلنا في الفوائد الاقتصادية للمساعدات الخارجية، ونضيف إليها أن المساعدات الخارجية الأمريكية في المنطقة العربية تذهب فعلياً لصيانة المنظومة الإقليمية التي تحافظ على المصالح الأمريكية والغربية والصهيونية في هذا الجزء من العالم، وتمنع بالتالي تطوره الاقتصادي والسياسي الحقيقي، مع العلم أن أكثر من نصف المساعدات الخارجية الأمريكية في العالم يذهب تقليدياً للشقين الأمني والعسكري.

وقد أجمل الدكتور محمد عبد العزيز ربيع أهداف برنامج المساعدات الأمريكية في المنطقة، في دراسته الموثقة عن الموضوع، بما يلي:


1) تقوية أمن أمريكا ودورها الدولي
2) مساعدة أمريكا على الوصول إلى الأسواق العالمية ومصادر الطاقة والمعادن الاستراتيجية
3) احتواء الأنظمة والحركات السياسية المعادية لأمريكا
4) الحفاظ على التفوق العسكري والسياسي الصهيوني على العرب

(د. محمد عبد العزيز ربيع، "المعونات الأمريكية لإسرائيل"، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1990).

ويمكن أن نضيف إلى هدف ربط الدول المتلقية للمساعدات اقتصادياً وسياسياً بالدول المانحة هدفاً آخر تتعاون حكومة الولايات المتحدة في تحقيقه مع المنظمات غير الحكومية الممولة أجنبياً، وهو هدف إعادة هندسة المجتمع وخلق شريحة من المثقفين الليبراليين الذين ترتبط عقولهم، وليس فقط مصالحهم، بأمريكا والغرب والصهيونية. فيصبح منطقياً بعد ذلك أن تستخدم الولايات المتحدة ورقة المساعدات الأمريكية لمصر من أجل الضغط عليها لترويج نموذج سعد الدين إبراهيم. 

والخلاصة هي أن المساعدات الخارجية تشكل على المدى البعيد خسارة استراتيجية صافية لشعوب العالم الثالث، على الرغم من سراب الفوائد التي يبدو أنها تأتي بها على المدى القريب. أما بديلها المنطقي فهو العمل لخلق حلول اقتصادية حقيقة لمشكلة التنمية. ويأتي على رأس هذه الحلول التخلص من استنزاف الموارد النابع من الاستغلال الذي تمارسه دول الغرب الرأسمالي والبنى الديكتاتورية التابعة لها في العالم الثالث، التي تشكل بدورها مرتعاً خصباً لهدر الموارد والفساد، والسعي لتشكيل تكامل اقتصادي وتكتلات إقليمية محلية مستقلة عن دول الشمال قد تكون السوق العربية المشتركة من بينها المفتاح الأهم للخلاص الاقتصادي بالنسبة للأردن وغيره من الدول العربية.