(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
د. إبراهيم علوش
ذكر موقع ال BBC على الإنترنت يوم 15/1/2003 أن رئيس الوزراء البلجيكي غاي فيروفشتات أعلن أنه يؤيد تغيير قانون بلاده الخاص بحقوق الإنسان من أجل إتاحة الفرصة لمقاضاة ارييل شارون على جرائم الحرب التي ارتكبها في صبرا وشاتيلا خلال اجتياح لبنان عام 1982.
قانون حقوق الإنسان البلجيكي المسنون عام 1993 كان قد فتح الباب لمقاضاة مرتكبي جرائم الحرب في أي مكان في العالم أمام المحاكم البلجيكية. وبناءً عليه، قام محاميان بلجيكيان ومحامي لبناني اسمه شبلي ملط برفع قضية في المحاكم البلجيكية يوم 18/6/ 2001 ضد شارون، موجهين له تهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. بيد أن محكمة الاستئناف البلجيكية فسرت هذا القانون في حزيران/ يونيو عام 2002 بطريقة لا تتيح مقاضاة المتهمين بجرائم الحرب إلا إذا تواجدوا على أرض بلجيكية، وهو الأمر الذي أدى إلى تعليق محاكمة شارون ... وفيديل كاسترو والرئيس العراقي صدام حسين!
ويبدو أن البرلمان البلجيكي بصدد إقرار مشروع يوسع إطار صلاحيات القانون المذكور بصورة تسمح بمقاضاة المتهمين بجرائم الحرب حيث وجدوا، وليس فقط على الأراضي البلجيكية.
ولكن بغض النظر عما إذا تم تعديل القانون البلجيكي أم لا، فإن التوقيت يبقى غريباً، لا بل غريبٌ جداً.
ففي 6/1/2003 نشرت صحيفة الدايلي ستار اللبنانية، الصادرة بالإنكليزية، تقريراً عن خمسة عشر أكاديمياً وكاتباً ومحامياً عربياً أطلقوا عريضة تطالب العالم العربي بممارسة الضغوط على القيادة العراقية كي تتنحى عن الحكم وتقبل بالنفي طوعاً باعتبار ذلك "الطريقة الوحيدة لتجنب المزيد من العنف" على حد قولهم! ويضيف التقرير أن عدداً من الرسميين المصريين والسعوديين والقطريين والأتراك يمارسون ضغوطاً على القيادة العراقية لقبول النفي خارج العراق في إطار مفاوضات مزعومة عن "ضمانات أمنية" أمريكية. وقد لخص تقرير لأسبوعية "المجد" الأردنية في 6/1/2003 الدور الأمريكي في السعي لتحقيق هذا المشروع دون تسمية الدول العربية الضالعة فيه بالاسم. وسنعود بعد فقرات إلى البعد السياسي لهذه العريضة، وكل الحديث عن استقالة صدام المزعومة، التي تصب موضوعياً في مجرى إيجاد نصر يحفظ ماء الوجه للأمريكيين الذين يواجهون تزايد المعارضة الدولية لحملتهم على العراق في ظل تبخر كل حججهم القانونية وغير القانونية للعدوان.
المهم، تقول الدايلي ستار في تقريرها أن الموقعين على العريضة في ازدياد وأنهم يطالبون بوضع مراقبين دوليين في كافة أنحاء العراق لتأمين الانتقال السلمي للسلطة فيه، نقلاً عن أحد أهم محركي العريضة، الأستاذ شبلي ملط (نفسه الذي يريد أن يقاضي شارون)!!!!
فيا لهذه الصدفة العجيبة التي تدعونا للتساؤل: ما العلاقة يا ترى بين السعي لتعديل القانون البلجيكي ليسمح "بمحاكمة شارون" من جهة، والعريضة الداعية لاستقالة صدام والقيادة العراقية وقبولهما النفي الطوعي ووضع مراقبين دوليين "في كافة أنحاء العراق" من جهةٍ أخرى؟!
حتى الآن، الرابط البادي للعيان ما بين الموضوعين هو الأستاذ اللبناني في القانون الدولي شبلي ملط، فهو المروج الأساسي للقانون البلجيكي الذي "يسمح بمحاكمة شارون".. وغير شارون، وهو من جهة أخرى المروج الأساسي لعريضة استقالة صدام ووضع المراقبين "في كافة أنحاء العراق".
ثم جاء الصحفي البريطاني المعروف روبرت فيسك ليثير المزيد من التساؤلات حول ملط، فإذ به يكتب مقالة في جريدة الإندبندنت البريطانية يوم 9/1/2003 تحمل العنوان التالي: "الصلة الأمريكية للمحامي اللبناني الذي يقود حملة نفي صدام". في تلك المقالة يكشف فيسك أن ملط الذي يقود حملة نفي صدام هو صديق حميم لأحمد الشلبي من مسئولي مجموعات المعارضة العراقية المعروفة بتلقيها المساعدات السخية وبارتباطها مع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA، والمتهم بقضية نصب واحتيال في عمان، الأردن. وعن الشلبي يقول ملط عندما سأله فيسك عن مدى تنسيقهما في أمر العريضة أنه يحبه كثيراً ويستشيره في الكثير من الأمور، ولكن في أمر العريضة بالذات، لم يستشره هذه المرة! ولم يصدقه فيسك كما تدل مقالته بل كتب وكأن معلومة التنسيق الأمني بين شبلي ملط والأمريكيين هي أمر بديهي، وقد جاءت المعلومات المجموعة من مختلف الاتجاهات بالاتجاه نفسه، لتؤكد موقفي المتشكك في موضوع محاكمة شارون منذ البداية!
**********************************
منذ البداية، لم تكن بريئةً حملة "محاكمة شارون" التي تحمس أنصار القضية الفلسطينية حول العالم لها، لا في العوامل الموضوعية التي جعلتها ممكنة، ولا في أبعادها السياسية. فهي:
1) تعكس التحول العميق في بنية النظام الدولي الجديد باتجاه جعل النقطة المرجعية للسيادة والقضاء خارجية بعد أن كانت داخلية، كما هو دأب العولمة في تفكيك الدولة والثقافة الوطنية وإعلاء المؤسسات والقيم والمفاهيم المعولمة محلهما
2) وتعطي المشروعية لمفهوم التدخل في شؤون الدول التي لا تتبنى النموذج الليبرالي الغربي في الحكم بحجج "إنسانية" الظاهر، مما يغطي الأغراض السياسية للدول المتدخلة
3) وتسوق الأوهام حول إمكانية نيل العدل من خلال مؤسسات النظام الدولي الجديد إذا تم العمل السياسي بناءً على منطلقاته، أي من خلال نبذ وسائل المقاومة التي "لا يرضى عنها المجتمع الدولي". فالعرب يقال لهم هنا أن المؤسسات الدولية، لا نضالهم ووحدتهم، هي التي تعيد الحقوق المسلوبة
4) وتغطي حقيقة أن المتدخل دائماً هو الدول الأقوى والمتدخل فيه هو دائماً الدول الأضعف، فالاستعمار هو الذي يضع نورييغا أو بينوشيه في الحكم، ثم يقرر محاكمتهما، وهو الذي يقرر متى تقتضي مصالحه محاكمة ميلوسوفيتش أو القذافي أو صدام حسين
5) وهي في حالة الحملة لمحاكمة شارون، وبعض ضباطه ربما، محاكمة، إن وقعت، ستغدو بديلاً وجدانياً عن محاكمة الصهيونية وكيانها سياسياً، أي أنها تصبح أحد أدوات تسويق "حل عادل ودائم في الشرق الأوسط" بين العرب والمسلمين وأنصار القضية الفلسطينية الأمميين
6) وهي في حالة شارون أيضاً، حملة، المطلوب من العرب فيها أن يقبلوا بحماسة بالمرجعية القانونية للمحاكم الدولية تمهيداً لاستخدام تلك المرجعية في مشروع "تغيير الأنظمة" وإعادة رسم خرائط المنطقة، بعد أن تكون المحاكم الدولية قد اكتست بشيء من "الموضوعية" و"الحياد" في أعينهم!
وقد حاولت أبان التعبئة الإعلامية لحملة محاكمة شارون، التي اشترك فيها عددٌ كبيرٌ من المناضلين والأنقياء الذين أقدرهم وأحترمهم، أن أثير النقاط أعلاه حيث وجدت إلى ذلك سبيلا. وكان من ذلك محاضرة في مجمع النقابات المهنية في إربد، ومحاضرة أخرى في مقر جبهة العمل الإسلامي في الرصيفة، ومقالة في صحيفة القدس العربي والدولي، ومداخلة في الندوة التي نظمتها المنظمة العربية لحقوق الإنسان في عمان بالاشتراك مع مركز دراسات الشرق الأوسط حول انتهاكات حقوق الإنسان في فلسطين، ومداخلة في الاجتماع الكبير الذي عقد في المنتدى العربي في عمان لبحث موضوع محاكمة شارون. وأسجل هنا للأستاذ المحامي حسين مجلي، رئيس المنتدى العربي، أنه كان من القلائل الذين أدركوا الأبعاد غير البريئة لحملة محاكمة شارون، وأنه خطب في ذلك الاجتماع كاشفاً بواطنها وأبعادها السياسية.
وأخيراً، أسجل للتاريخ أن هيئة تحرير نشرة "الصوت العربي الحر" على الإنترنت وضعت دراسة تتضمن الكثير من النقاط أعلاه. هذه الدراسة المنشورة منذ صيف عام 2001 قالت بالحرف: "أن من يعتقد أن المحاكم البلجيكية مستقلة عن الإدارة الأمريكية لا يعرف كثيراً عن أوروبا. فالقضية ضد شارون لن تصل إلى حد معاقبته. والمطلوب منها هو ممارسة ضغط على شارون من قبل الولايات المتحدة والحكومات الأوروبية، وإعطاء مظهر حيادي لهذه الحكومات، ومشروعية للتدخل في حالات أخرى غير حالة شارون". وتستطيعون قراءة الدراسة على العنوان التالي: www.freearabvoice.org/arabi/muhakamatuSharon.htm
وبغض النظر عما إذا حوكم شارون في المستقبل أم لا، فإن الحكم الأساسي في هذه الدراسة، وهو أن المطلوب من حملة محاكمة شارون إعطاء المحاكم الدولية ما يكفي من المصداقية لمحاكمة غير شارون، حسب حاجة الدول الغربية لمشاريع "تغيير الأنظمة"، يبقى صحيحاً اليوم، كما سأبين تالياً.
ولكن الدراسة كانت ساذجة حين تعاملت مع الأبعاد الموضوعية فقط لحملة محاكمة شارون، معتبرةً أنه لا يوجد "أي سبب للاعتقاد بأن الذين رفعوا القضية ضد شارون مشبوهين، على العكس، كل شيء يوحي بأن دوافعهم نبيلة، ولكن فلننظر إلى النتائج الموضوعية"!
فقد ثبت أن هناك الكثير من علامات الاستفهام حول المحامي العربي الوحيد، شبلي ملط، الذي شارك مع محاميين بلجيكيين في رفع القضية على شارون، نيابةً عن ضحايا صبرا وشاتيلا، كما أشار روبرت فيسك والعديد من المصادر الأخرى.
**********************************
جاءت إشارات روبرت فيسك في الإندبندنت البريطانية في 9/1/2003 حول صلة شبلي ملط، الذي ينشط في الترويج لعريضة تدعو لنفي صدام حسين وفي حملة مقاضاة شارون في بلجيكا في آنٍ معاً، بأحمد الشلبي المعارض العراقي المعروف بعلاقاته الأمنية الأمريكية، كما سلف، لتثير التساؤلات حول شخصية دكتور القانون اللبناني شبلي ملط ودوره السياسي، والعلاقة بين حملته من أجل "محاكمة شارون"، ولو صدقت، من جهة، وعريضته الداعية لعزل ونفي صدام والقيادة العراقية، من جهةٍ أخرى، وهي جزءٌ من مجهودٍ مكثف تشارك فيها أطراف عربية وإقليمية بالتنسيق مع أمريكا كما أشارت الدايلي ستار اللبنانية و المجد الأردنية في 6/1/2003.
وعلى الرغم من أن د. شبلي ملط يقول أن فكرة العريضة استوحيت من غسان تويني، الذي ارتبط اسمه تاريخياً بجريدة النهار اللبنانية، والذي كان قد كتب مقالة قبل أمد يحث الرئيس صدام حسين فيها على الاستقالة، فإن الإعلام الغربي الذي أعطى العريضة الكثير من الاهتمام، ومن ذلك مثلاً مقابلة د. ملط والأستاذ تويني مع الراديو الحكومي الأمريكي NPR يوم 6/1/2003، يتعامل مع ملط على أنه محركها الرئيسي.
ولذلك، بذلت مع هيئة تحرير "الصوت العربي الحر" مجهودات للتعرف أكثر على خلفية ملط وشخصيته، فوجدت جميع المصادر تشير بشكلٍ مباشر أو غير مباشر إلى ما ذهب إليه روبرت فيسك في الإندبندنت البريطانية حول ارتباطات ملط الأمريكية.
وأبرز ذلك مثلاً المادة المنشورة في مجلة "كريستشيان سينس مونيتور" الأمريكية في 12/9/2002 عن دور شبلي ملط العلني في الترويج لما أسمته "مبادرة العراق الديموقراطي" بدعمٍ من أطراف من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والإدارة الأمريكية والمعارضة العراقية المرتبطة بها.
وتقوم مبادرة "العراق الديموقراطي"، وكان يجب أن تسمى "العراق الأمريكي"، على الأسس التالية:
1) الاستمرار بتهديد العراق عسكرياً وحشد القوات ضده
2) إلقاء
المزيد من الأضواء الإعلامية والديبلوماسية على رموز المعارضة العراقية المرتبطة
بأمريكا لإعطائها المصداقية أمام الشعب العراقي والعالم
3) استخدام القوات
الخاصة لتحويل مناطق الحظر الجوي في شمال وجنوب العراق، بالإضافة إلى المنطقة
الصحراوية في الغرب، إلى مناطق تمنع فيها القوات العسكرية والأمنية العراقية حتى من
استخدام السيارات، أو أي شكل أخر من المواصلات
4) استثمار كل ذلك سياسياً وصولاً
لعزل صدام والقيادة العراقية وإجبارها على التخلي عن الحكم، ومن ثم إدانتها على
جرائم الحرب في المحاكم الدولية
5) وضع مراقبين في مختلف أرجاء العراق من أجل
تأمين الانتقال السلمي للسلطة للمعارضة المرتبطة بأمريكا
ويضيف تقرير مجلة "كريستشيان سينس مونيتور" نفسه نقلاً عن شبلي ملط أن الهدف من هذه المبادرة هو منع العراق من استخدام أسلحة دماره الشامل (أي أنه يؤكد مسبقاً أن مثل هذه الأسلحة موجودٌ وأن العراق سوف يستخدمها، وهي الحجة الأمريكية لضرب العراق)، وتحقيق "تغيير النظام" في العراق دون حرب!!
فهل هذا خطاب شخص حريص على "حقوق الإنسان" ومعادي للصهيونية فعلاً؟! ولماذا يرغب من يحمل مشروعاً كهذا يقدم العراق لقمة سائغة لأمريكا أن يروج لحملة إدانة شارون أن لم يكن للأسباب المذكورة سابقاً، أي الأسباب التي تخدم مصالح الطرف الأمريكي – الصهيوني في بلادنا؟!
ولكن مجلة "كريستشيان سينس مونيتور" في نفس تقريرها الصادر في أيلول/ سبتمبر 2002 استبعدت أن ينجح ملط بكسب التأييد لمبادرته باعتبار أن الصقور في الإدارة الأمريكية يرجحون كفة الحرب على العراق.
ولذلك، تأتي العريضة التي يسوقها ملط اليوم، بالتزامن مع السعي في البرلمان البلجيكي لتغيير القانون المتعلق بحقوق الإنسان ليسمح بمحاكمة المتهمين بجرائم الحرب حيث وجدوا، وليس فقط على الأراضي البلجيكية، في وقت باتت تحتاج فيه الإدارة الأمريكية لمخرجٍ يلتف على تصاعد المعارضة الدولية ضد الحرب على العراق، بينما تتبخر حججها المعلنة لشن هذه الحرب واحدة بعد الأخرى. وهو يفعل ذلك تحت غطاء "تجنيب المنطقة المزيد من العنف"... فأي عنف أكبر من تغيير الأنظمة من الخارج بالقوة أو التهديد بالقوة كما تفعل أمريكا وصديقها شبلي ملط!
**********************************
الثابت إذن أن شبلي ملط، المحامي الناشط في "محاكمة شارون"، كان في أيلول/سبتمبر عام 2002 يروج لمبادرة: 1) تدعو لقطف ثمار الحرب على العراق دون حرب، 2) من خلال تخلي القيادة العراقية عن السلطة طوعاً، 3) بدعمٍ من أطراف دولية وعراقية معروفة بتاريخها المتآمر على العراق، 4) وصولاً إلى إدانة هذه القيادة في المحاكم الدولية.
ولكن تخلي القيادة العراقية عن السلطة، لن يغير الأهداف الاستراتيجية للطرف الأمريكي – الصهيوني في المنطقة العربية أو العراق، سواء كانت السيطرة على الثروات أو إعادة رسم الخرائط، أو تحطيم مرجعية الدولة الوطنية من خلال تسويق "محاكمة شارون". لا بل أن تخلي القيادة العراقية عن السلطة في لحظة المواجهة الحاسمة مع الإمبريالية الأمريكية، سوف يسهل تحقيق الأهداف الإقليمية للطرف الأمريكي – الصهيوني، لذلك فهو ليس في مصلحة العراقيين والعرب والمسلمين، وكل من يعاني من مشاريع الهيمنة الأمريكية في هذا العالم.
ولا حاجة بنا للتذكير أن أية "ضمانات أمنية" أو سياسية تقدمها أمريكا للقيادة العراقية في حالة قبولها النفي طوعاً لا قيمة لها على الإطلاق، فميلوسفيتش كان قد أعطي الكثير من "الضمانات" أيضاً، ولكن الدول تحترم مصالحها أولاً، ثم تعهداتها، كما أن سجل أمريكا الطويل في مجال التعهدات والضمانات تشهد عليه مئات الاتفاقيات الرسمية المنتهكة التي وقعتها الدولة الأمريكية مع قبائل الهنود الحمر في خمسة قرون، وهو النموذج التاريخي الذي قامت عليه اتفاقيات أوسلو، بالرغم من تفاهتها.
كما أن تخلي القيادة العراقية عن السلطة وجرها من ثم إلى المحاكم الدولية، بعد إعطاء المشروعية الشعبية لذلك من خلال تصعيد المطالبة بمحاكمة شارون في بلجيكا، ليس في مصلحة الأنظمة العربية المذعورة من الحرب إلى درجة الضغط على القيادة العراقية للتخلي عن الحكم. فهذا منطق قصير النظر يعالج وجع الرأس بقطعه، فمشروع "تغيير النظام" في العراق ليس إلا مقدمة "تغيير أنظمة" ومحاكمة قيادات أخرى في المنطقة العربية، كما أوضحت العديد من الأوراق والتصريحات المتداولة في دوائر الإدارة الأمريكية عامةً، وفي وزارة الدفاع الأمريكية خاصةً. والأنظمة العربية جميعها يمارس القمع، ولو كان الشارع يعرف الفرق بين الخاضع للطرف الأمريكي – الصهيوني منها والمقاوم له، ودرجات هذه المقاومة أو القمع، ولكن مقاومة "تغيير الأنظمة" هو أكثر عمل ديموقراطي يمكن أن يقوم به الإنسان العربي اليوم.
وذلك أن مشاريع التغيير الأمريكية في المنطقة العربية تأتي لإجهاض التغيير الديموقراطي الحقيقي الذي يمكن أن يأتي به العرب من تحت، من الشارع، لمصلحة مشاريع الهيمنة الأمريكية وأدواتها المحلية، مثل المعارضة العراقية المزعومة المرتبطة بأجهزة الأمن الأمريكية، ومثل التحالف الشمالي في أفغانستان وحامد كرازي. وهذه ليست مشاريع ديموقراطية بأي حال من الأحوال، بل هي مشاريع هيمنة أمريكية جديدة، لتفكيك التفكيك، ولتجزئة التجزئة، ولازدهار المذابح والعصبويات الجهوية والإقليمية والطائفية والأثنية الغارقة في بحرٍ من الدماء والتغريب تحت سماء الإمبراطورية الإقليمية "الإسرائيلية" الموسعة، أي ما هو أسوأ من الأنظمة العربية الحالية بالرغم من كل مساوئها.
ولهذا، فإن التغيير الديموقراطي الحقيقي في الوطن العربي يبدأ من مقاومة كل أشكال الهيمنة الأمريكية – الصهيونية على بلادنا. فإدانة الدعوات المشبوهة لعزل الرئيس العراقي أو غيره هي في الواقع إدانة لمحاولات الطرف الأمريكي – الصهيوني أن يفرض نفسه علينا، وهي لا تتعارض مع المطالبة بالديموقراطية في كافة أرجاء الوطن العربي، سواء في ظل الأنظمة المقاومة بهذه الدرجة أو تلك للهيمنة الأجنبية أو الخاضعة بهذه الدرجة أو تلك لها. هذا فضلاً عن أن مسألة حكم العراق شأن عراقي داخلي ليس لأمريكا أن تحشر أصابعها فيها، خاصةً وهي تكشف مشاريعها ومخططاتها المعادية لكل شعوب المنطقة من عربٍ ومسلمين.
وليس غريباً أن يقدم الأستاذ شبلي ملط مشروعه وعريضته لتغيير القيادة العراقية "سلمياً" من خلال الضغط العربي، وما أسماه "عزل صدام داخلياً"، كمحاولة لتجنيب العراق مآسي الحرب. . فهو ذو ماضٍ عريق في اللعب على الكلام، وأقترح على كل متشكك هنا أن يحاول الحصول على التقرير المنشور في جريدة النهار اللبنانية في 14/12/2002 عن محاضرة للأستاذ ملط في منطقة راشيا في لبنان، والموجود على موقع الإنترنت الخاص بالاستاذ ملط نفسه، حيث يبدأ بالجملة التالية: "صراعنا مع إسرائيل هو صراع وجود لا صراع حدود"، لينتهي إلى الجملة التالية: "إن العيش المشترك بين الجهتين ضروري إلى درجة الحتمية ... والتضحيات على الجانبين لم تذهب سدى..."، والادهى أنه ينسب هذا الخط الداعي للتعايش مع العدو الصهيوني إلى الشهيد المرحوم كمال جنبلاط المعروف بمواقفه الوطنية المشرفة لبنانياً وفلسطينياً!
أخيراً، أقول أن العرب لا خلاص لهم إلا في الاستعداد لمواجهة الطرف الأمريكي – الصهيوني الذي أعلن الحرب عليهم بكل الوسائل. فلا التمسح بالمؤسسات الدولية يجدي فتيلاً، ولا استرضاء العدوان يأتي بالأمان، ولا راحة للجبناء في عالمٍ يحكمه قانون الغاب. بل لن يحاكم شارون وأمثاله من الصهاينة كما يجب أن يحاكموا إلا على يد القوى المستعدة والقادرة على تقديم التضحيات اللازمة للقيام بالزحف المظفر حتى تحرير أخر ذرة من ثرى فلسطين.