(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
اللاجئون في
مواجهة الجغرافيا السياسية:
النتائج الضرورية لاستحقاقات التسوية
د.
إبراهيم علوش
منذ
البدء، وضعت مسألة من يسمون باللاجئين
الفلسطينيين في إطار يمهد لتصفيتها ضمن سياق
ملائم للمصالح الصهيونية والاستعمارية في
بلادنا.
فكل
قضايا اللاجئين في العالم تشرف عليها
المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة
للأمم المتحدة، أما قضية اللاجئين
الفلسطينيين فقد أوكلت للأنروا (وكالة الغوث).
والفرق بين المفوضية العليا لشؤون اللاجئين
ووكالة الغوث (الأنروا) كبير وشاسع. فالأولى
ينص دستورها على أنّ من مهماتها العمل على
إعادة اللاجئين المشمولين برعايتها إلى
بلادهم، أما الثانية، أي الأنروا، فلا ينص
دستورها على إعادة اللاجئين إلى بلادهم، بل
على تقديم برامج الإغاثة المباشرة والتشغيل
لهم بالتعاون مع الحكومات المحلية، استعدادا
للوقت الذي ينعدم فيه توفر المساعدة الدولية
للإغاثة ومشاريع التشغيل!
ويورد
الباحث عبدالله حمودة في دراسة مهمة عن الفرق
بين المفوضية العليا لشؤون اللاجئين من جهة،
والأنروا من جهة أخرى، الفقرة الواردة في
دستور المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التي
تستثني اللاجئين الفلسطينيين قانونيا من
دائرة اختصاصها. فحسب هذه الفقرة، الواردة في
الفصل الأول من المادة الأولى تحت عنوان "تعريف
عبارة لاجئ"، ينص دستور المفوضية على ما
يلي: "لا تسري هذه الاتفاقية على الأشخاص
الذين يتلقون حاليا الحماية أو المساعدة من
هيئات أو وكالات تابعة للأمم المتحدة غير
مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين".
واضح إذن أنّ اللاجئين الفلسطينيين
المشمولين برعاية الأنروا لا تسري عليهم
الاتفاقية الدولية التي أسست المفوضية
العليا لشؤون اللاجئين بموجبها، فهم مشمولون
بحماية ومساعدة هيئات ووكالات "تابعة
للأمم المتحدة غير مفوض الأمم المتحدة السامي
لشؤون اللاجئين". وهذا الفصل المتعمّد بين
حالة اللاجئين الفلسطينيين وغيرهم من
اللاجئين في العالم هو نقطة البدء الضرورية
لفهم التصور الدولي الذي تحكمه بالضرورة
تصورات ومصالح القوى المهيمنة في النظام
الدولي بصدد مسالة اللاجئين الفلسطينيين
والقضية الفلسطينية.
ولن
تسمح القوى المهيمنة على النظام الدولي بملء
إرادتها بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى
بلادهم خوفا من أن يؤدي ذلك إلى نشوء أغلبية
سكانية عربية في فلسطين، الأمر الذي قد يؤدي
إلى اختلال حقيقي في التوازنات السياسية التي
تحافظ على مصالحها الاستراتيجية في بلادنا.
فقضية اللاجئين لا يمكن فصلها بأي حال من
الأحوال عن قضية فلسطين والأهداف بعيدة المدى
لإقامة الكيان الصهيوني على أرضنا. فالدولة
الصهيونية جاءت جزءا محوريا من المخطط العام
ضد الأمة العربية، وكان هذا يتطلب إقامة
أغلبية صهيونية في موقع استراتيجي يفصل
الجناح الآسيويّ عن الجناح الإفريقيّ من
الأمة العربية.
بدأت
بريطانيا تفكّر جديا بإقامة الكيان الصهيوني
في فلسطين منذ النصف الأول للقرن التاسع عشر.
رسالة بالمرستون إلى سفيره في استنبول معروفة
في هذا المجال، وقد أورد نصّها الدكتور عبد
الوهاب الكيالي في كتابه "تاريخ فلسطين
الحديث". ولكن للمزيد من التأكيد على هذا
التوجه، نورد فيما يلي رسالة روتشيلد إلى
بالمرستون في نيسان عام 1840، وقد ذكرها الكاتب
عوني فرسخ في جريدة "العرب اليوم"
اليومية الأردنية الصادرة في 6/9/2000. يقول
روتشيلد في رسالة إلى بالمرستون:
"هناك
قوة جذب بين العرب، وهم يتطلّعون لاستعادة
مجدهم القديم، وإنّ رد جيوش محمد علي من بلاد
الشام، وحصر نفوذه في مصر لا يكفي. وإنّ
فلسطين هي الجسر الذي يصل عرب آسيا بعرب
إفريقيا، بوابة مصر إلى الشرق. وإنّ إقامة
تركيب بشريّ غريب [انتبه للإشارة إلى ضرورة
إقامة تركيب بشريّ غريب!] على هذا الجسر وهذه
البوابة ما يحول دون وحدة العرب، ويكبح جماح
مصر".
وقد
حصلت بريطانيا فيما بعد على "امتياز"
حماية اليهود في كل أنحاء الدولة العثمانية
تمهيدا لتحقيق هذا المخطط، لا ضدّ
الفلسطينيين بالذات، بل ضدّ الأمّة العربية
كلها، وبالتحديد أكثر ضدّ دولها الكبيرة
المرشّحة للقيام بدور وحدوي، وعلى رأسها مصر.
وبعد شقّ قناة السويس، واكتشاف النفط في
الوطن العربي، ازدادت الأهمية الاستراتيجية
لإقامة "تركيب بشريّ غريب" في فلسطين.
والسؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم، إذا أردنا
معرفة ما إذا كانت عودة اللاجئين إلى ديارهم
ما برحت تتناقض مع المصالح العامة للقوى
المهيمنة دوليا في بلادنا هو: هل زالت حاجة
هذه القوى المهيمنة لوجود "تركيب بشريّ
غريب" في فلسطين حتى توافق بطيب خاطر على
عودة اللاجئين؟
قد
يقال إنّ ازدياد الأهمية النسبية لوسائل
المواصلات الجوية والاتصالات اللاسلكية على
حساب وسائل المواصلات البرية والبحرية ربما
يكون قد انتقص من أهمية فلسطين كموقع
استراتيجي. فقد قيل أيضا أنّ انهيار الاتحاد
السوفيتي ودول المنظومة الاشتراكية سوف يقلل
من أهمية العدو الصهيوني الاستراتيجية
بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية والغرب
الرأسمالي الذي كان يتبنى "احتواء
الشيوعية" محورا لسياساته وتحالفاته خلال
فترة الحرب الباردة. كما سمعنا مؤخّرا من يقول
أنّ رياح العولمة سوف تعصف بالاقتصاد
الصهيوني والسيادة الصهيونية على فلسطين،
كما تفعل فعلها بالضبط في إضعاف دور الدول
وسيادتها في باقي أنحاء العالم. غير أنّ
الوقائع أشياء عنيدة لا يمكن تجاهلها بسهولة،
والوقائع تشير إلى تزايد التعاون الاقتصادي
والتكنولوجي والسياسي والأمني والعسكري
والدبلوماسي بين الولايات المتحدة الأمريكية
والعدو الصهيوني منذ نهاية الحرب الباردة، لا
إلى فتور هذا التعاون. ومن أهم ثمرات ذلك
استمرار الحصار على العراق منذ عام 1990، ومن ثم
العدوان عليه وصولاً إلى احتلاله. وقد كشف انهيار الاتحاد السوفيتي
ودول المنظومة الاشتراكية، والتطور الرهيب
في وسائل الاتصالات والمواصلات، وتسارع
العولمة في العقد الأخير من القرن الماضي
مقدار أهمية الكيان الصهيوني للغرب عامة
والولايات المتحدة الأمريكية خاصة. فالمخطط
الاستعماري ضد الأمّة العربية لم ينته، بل
اتّخذ أشكالا جديدة، يلعب فيها العدو
الصهيوني دورا متميزا من خلال مشاريع التفتيت
والتوطين والتطبيع والوطن البديل والتغلغل
التي ينعقد لواؤها تحت عنواني"الشرق
الأوسط الجديد" و "السلام العادل
والشامل".
من
هنا يمكننا القول أنّ القوى التي تهيمن على
النظام الدولي، ليست في صدد السماح بملء
إرادتها وعن طيب خاطر بعودة اللاجئين
الفلسطينيين الجماعية إلى فلسطين حفاظا على
"التركيب البشري الغريب" الذي يحافظ على
مصالحها الاستراتيجية هناك. فطريق عودة
اللاجئين إلى فلسطين هو طريق الصدام مع هذه
المصالح الاستراتيجية، فهو طريق التحرير، أي
طريق العودة رغم أنف الصهيونية والاستعمار،
من خلال بناء القوى اللازمة لذلك، والتمسّك
بالثوابت حتى يحين ذلك الوقت الذي جاء ويجيء
لمن يسعى إليه.
أما
من يفصلون قضية اللاجئين عن قضية الصراع
العربي- الصهيوني، فإنهم يفعلون ذلك بغض
النظر عن حسن أو سوء نواياهم، بالتساوق مع
مشاريع الحل النهائي التي تطرح هذه الأيام
لتصفية القضية الفلسطينية عن طريق تجزئتها
إلى أقسام يمكن التفاوض عليها مثل القدس،
اللاجئين، المستوطنات،الخ… وبالتالي الوطن
البديل. فحق العودة
هو حقّ يرتبط أساسا بالحق العربي التاريخي
بالأرض الفلسطينية، أما طرح حق العودة كحق
عودة فرديّ، من خلال الحصول على وثائق "إسرائيلية"،
فلا يجوز أن يكون محور استراتيجية من يدّعون
اليوم التحدث باسم اللاجئين الفلسطينيين في
المحافل الدولية، لأنّه يميع القضية
الأساسية، قضية الاحتلال ووجود الكيان
الصهيوني. كما أنّ استراتيجية طرح المسألة
بهذه الصيغة غير واقعي لأنّه لا يأخذ بعين
الاعتبار المصالح الاستراتيجية للاستعمار في
بلادنا.
النتائج
الضرورية لاستحقاقات التسوية:
وعلى
أية حال، فإن للتسوية مع العدو الصهيوني
استحقاقات لا مناص من التعامل معها، وبالشروط
التي يحددها الطرف الأقوى في المعادلة، أي
الطرف الأمريكي-الصهيوني.
هذه الاستحقاقات تتسلل كحلقات في روابط
لا تنفصم عراها ما بين مقدمات بديهية ونتائج
ضرورية. ومن ذلك ما يلي:
1
– إن مجرد الاعتراف بحق دولة العدو بالوجود،
وشرعية الاستيطان اليهودي في فلسطين، يترك
مشكلة اللآجئين دونما حل بالضرورة، خاصة وأن
العدو الصهيوني لن يوافق بملء طوعه عن أكثر من
صيغة شكلية لحق العودة. وهذا
يطرح فوراً عدداً من الخيارات لحل مشكلة
اللآجئين، يبرز على رأسها مشروع التوطين.
ولكن التوطين بالنسبة لبلد مثل الأردن
يفتح الباب على مصراعيه لتسلل مشروع الوطن
البديل، مما يفجر النزعات الإقليمية ويهدد
الأمن والاستقرار. ويصر
لبنان على رفض التوطين لهذا السبب أيضاً.
2
– إذا كان الطرف الأمريكي-الصهيوني يخطط لحل
مشكلة اللآجئين (وغيرها) على حساب النظام
القطري العربي، بعد أن أدى ذلك النظام دوره في
المرحلة المنصرمة، فإن التسوية مع العدو
الصهيوني ستعني محاولة إضعاف الأنظمة
العربية والغاء دورها وتهميشها وصولاً إلى
تفتيتها. ومن هنا
فإن رفض مشاريع التوطين والوطن البديل فعلاً،
بغض النظر عن منطلقات ذلك الرفض، لا بد له أن
يصطدم في المحصلة بمشاريع الحلول التسووية
للصراع العربي-الصهيوني.
3
– إن التطبيع السياسي والاقتصادي والثقافي
من الشروط الضرورية للتسوية.
والتطبيع يفترض حل المشاكل المعلقة
بطريقة أو بأخرى. بالتالي،
لا بد من فهم التطبيع كجزء من برنامج، لا
بصورة منفصلة عن البرنامج العام للطرف
الأمريكي-الصهيوني. وهذا
يعني أن التطبيع يسهل شرط الإضعاف والتفتيت
بقدر ما يتحقق به. فهو
جزءٌ من كلٍ متكامل يتضمن التوطين والوطن
البديل والغاء هوية المنطقة من خلال منظمات
التمويل الأجنبي وغيرها من الأطراف العاملة
على تحقيق مشروع "الشرق أوسطية" بشكلٍ
عام.
4
– إن طرح قضية حق العودة كحق فردي بالعودة إلى
"إسرائيل"، لا كحق عربي تاريخي بأرض
فلسطين، يسهل تحقيق مشروع التوطين والوطن
البديل. فالحق الفردي يملك أن يسقطه فرد
إذا وافق على قبض تعويضات مثلاً، أما الحق
العام، فلا يملك أن يسقطه أي فرد.
ويتبع أن تلهف بعض الأفراد للحصول على
تعويضات لا يمكن ولا يجوز أن يسقط الحق العام،
أي الحق العربي التاريخي بأرض فلسطين.
5
– إن مشروع التطبيع-التوطين-الوطن البديل-التفتيت
هو بالضرورة الشكل الذي سيتخذه مشروع التسوية
في ظل موازين القوى الحالية.
فليس منطقياً أن نقبل المقدمات ونرفض
النتائج. وليس منطقياً أن نتبنى "السلام
كخيار استراتيجي" لنرفض بعدها ما يترتب على
ذلك من شروط يفرضها الطرف الأقوى. أما محاولة تحسين شروط الالتحاق
بالعملية التسووية من خلال الفهلوة، فليست
بديلاً عن تغيير ميزان القوى على الأرض.
6
– إن دفع تعويضات كبيرة كما تدّعي الشائعات،
ولو تحقق، لن يحل التناقض التناحري بين
المشروع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين
والأمة العربية. فهذا
المشروع، كما كتب الدكتور
هشام غصيب هو "النقيض الاستراتيجي للأمة
العربية، فإما الكيان الصهيوني المتمدد،
وإما الأمة العربية الموحدة".
ومشروع "الشرق أوسطية" الذي لا يتم
الاستقرار للكيان الصهيوني بدونه هو مشروع
تفتيت التفتيت وتجزئة التجزئة، والغاء
الهوية الحضارية لهذه المنطقة.
7
– إن الطرف الأمريكي-الصهيوني يملك في جعبته
الكثير من الأوراق. وهذا يعني أننا لو افترضنا جدلاً
أنه سيقدم من التنازلات ما يعادل التنازلات
الفلسطينية والعربية في العدد والنوع، وهو ما
لا يمليه منطق ميزان القوى، فإن العدو سيكون
الرابح الأكبر في أية تسوية. فالعدو إذا قدم تنازلات، فإنه
سيقدمها من الاحتياطي الكبير الذي راكمه عبر
العقود، أما الجانب الفلسطيني والعربي فإنه
لا يملك إلا عدداً محدوداً من الأوراق مثل
الاعتراف والتطبيع قدم معظمها قبل أن يدخل
المفاوضات.
8
– إن أي اتفاق بين طرفين هو انعكاس لميزان
القوى القائم بينهما. وبالتالي،
إن القبول بميزان القوى الحالي كنقطة إنطلاق،
باعتباره ميزاناً أبدياً لن يتغير، يعني
القبول بالشروط الأمريكية-الصهيونية جميعها.
فالعدو لن يقدم مثل القدر من التنازلات
الذي يقدمه الجانب العربي، وهو سيفرض القدس
عاصمةً له، والجزء الأساسي من المستعمرات في
الضفة وغزة سيبقى تحت سلطته، وحق العودة
سيبدده كما في "وثيقة جنيف"، وهو ما يعني
بالضرورة تهيئة شروط التوطين والوطن البديل.
والمشكلة هنا تتلخص في أن العدو ماضٍ
بتعزيز عناصر قوته الاستراتيجية، من الأسلحة
النووية إلى الصواريخ المضادة للصواريخ،
بينما نستسلم نحن للقبول بأزلية تفوق العدو،
وهو ما يسميه البعض "واقعية"، فلا نعمل
على تعزيز عناصر قوتنا.
9
– إن الأنظمة العربية التي تبنت "السلام
كخيار استراتيجي" أو وقعت المعاهدات مع
العدو، أو المثقفين الذين يدعون لحوار الأخر
ومعرفته والتخلي عن الشعرات "القديمة"،
ولو كانوا من النوع الذي يدعو لتسوية على أساس
القرار 242 أو بشروط أفضل من الشروط التي يريد
فرضها العدو، لا يعدون العدة لتحقيق التسوية
بشروطهم، بل يلعبون لعبة دفاع تكتيكية في
الوقت الذي يوافقون فيه على الأسس
الاستراتيجية التي وضعها الطرف الأمريكي-الصهيوني
للعبة التسوية. فموقفهم
إذن لا عقلاني...
10
– إن تعديل ميزان القوى السياسي، حتى لمن
يريد التفاوض مع العدو بحيث لا تفرض عليه شروط
مدمرة للذات، يتطلب الاهتمام أولاً بميزان
القوى الإقليمي. مثلاً، جاء حصار العراق ثم احتلاله
إضعافاً للنظام الرسمي العربي بمجمله إزاء
الطرف الأمريكي-الصهيوني.
ولذلك فإن كل الدعوات لتسوية "عادلة"
ستبقى ضرباً من اللغو الفارغ كلما تعززت
المواقع الإقليمية للطرف الأمريكي-الصهيوني
في المنطقة العربية، والعكس بالعكس كلما
تعززت المقاومتين العراقية والفلسطينية
ومقاومة التطبيع وجهود المقاطعة وغيرها.
ولأوضح
أني لست أبداً من أنصار التسوية، غير أن ما
سبق يمثل مجموعة من المقدمات والنتائج
الأساسية التي تفرض نفسها بنفسها على ما يسمى
بعملية التسوية، وأترجم تالياً مقتطفات من
مقالة تؤيد هذا الرأي ظهرت قبل سنوات في صحيفة
أمريكية هي Orlando Sentinel للكاتب
شارلي ريس: "إن
الخطأ الأساسي في عملية أوسلو، والخطيئة
الأصلية للموقف الأمريكي، يتلخص في أن طرفين،
أحدهما جبارٌ عتي، والآخر ضعيف لأقصى درجة،
لا يمكن لهما أن يتفاوضا. وذلك أن ضعف الطرف الثاني يجعل
الطرف الأقوى غير مبالٍ لتقديم أية تنازلات
في الوقت الذي لا يملك فيه الطرف الضعيف أية
طريقة لجعل الطرف الأخر يقدم التنازلات.
ولأن الفلسطينيين ليس لديهم شيء، لن يكون
لديهم شيئاً يقدمونه كتنازل.
فقط الأطراف التي تتمتع بقوىً متقاربة
نسبياً تستطيع أن تتفاوض فعلاً... ولو كانت
الولايات المتحدة حيادية على الأقل، لساعد
ذلك قليلاً، ولكن لأن الولايات المتحدة جعلت
واضحاً منذ البداية أن موفقها سيكون داعماً
لإسرائيل، فإن المفاوضات معروفٌ مصيرها منذ
البداية".
حسناً،
لربما اقتنع بعض العرب بهذا الرأي بعد أن كتبه
صحافي أمريكي. ولربما
بدا بديهياً عندها أن الخروج من هذا المأزق
يبدأ بتعديل ميزان القوى.
ولكن بما أن التفوق على العدو في ميادين
الأسلحة التقليدية أو التكنولوجية المتطورة
غير ممكن في المدى المنظور على الأقل، فإن
تعديل ميزان القوى يتطلب خوض حرب استنزاف
طويلة الأمد ضد العدو إلى أن تخرج الأمة
بمشروعها النهضوي، وهذا ما يتطلب معالجة أخرى.