(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
الموقف من نصرالله وحزب الله ونصرهما عشية الذكرى الأولى
د. إبراهيم علوش
في الذكرى الأولى لنصر المقاومة اللبنانية على الجيش الصهيوني في صيف عام 2006، وبالمعية على المشروع الأمريكي-الصهيوني وأذنابه في لبنان وجواره، يشكل الموقف الإشكالي من حزب الله، ومن قبل حزب الله، واحداً من أعقد المسائل التي تشغل قطاعات لا بأس بها من الشارع العربي في أقطارٍ عربية شتى.
وقد ازداد هذا الموقف تعقيداً بالأخص بعد جريمة اغتيال الرئيس الشهيد صدام حسين ورفاقه في القيادة الشرعية للعراق، وبعد تغول إيران في العراق والإقليم في مشروع هيمنة واضح المعالم، مما أدى إلى فقدان السيد حسن نصرالله وحزب الله مقداراً كبيراً من الرصيد الشعبي والمعنوي الذي اكتسباه خلال المواجهة مع العدو الصهيوني في صيف عام 2006.
وقد استغلت بعض الأنظمة العربية المتحالفة مع الطرف الأمريكي-الصهيوني حالة الانقسام وضبابية الرؤيا هذه لتصعد من حملتها ليس على إيران أو على حزب الله والسيد حسن نصرالله فحسب، بل بالتحديد أكثر على: 1) المقاومة اللبنانية ونهجها وإنجازاتها الرائعة في صيف عام 2006، 2) الشيعة العرب، 3) قوى المقاومة الإسلامية في فلسطين بالأخص بذريعة تحالفها مع إيران.
وانتشرت في الشارع إشاعات ما أنزل الله بها من سلطان ولا يقبلها العقل ولا المنطق، وطفقت بعض مواقع الإنترنت السلفية تروج بقوة للأسف، بأن كل المواجهة بين حزب الله والكيان الصهيوني خلال صيف عام 2006 كان مجرد "خدعة"، و"مسرحية مفتعلة"، هدفها الوحيد هو استمالة السنة العرب إلى صف إيران!
ولعل المرء يسقط في يده وهو يسمع رجلاً بالغاً عاقلاً يقول ما معناه بأن الكيان الصهيوني هندس عن سابق قصد وتصميم هزيمته العسكرية الميدانية، واسقط غطرسته المتعالية على العرب والمسلمين تحت أقدام المقاومين اللبنانيين، وضيع ثقة جمهور المستعمرين بجيشه وحكومته وهيبتهما، وسمح بأن تدب الخلافات الداخلية في صفوفه، وهز موقف حلفائه اللبنانيين والعرب، وكشف عورته الإستراتيجية، وأفشل مخطط المحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية في صهينة لبنان ومحاصرة سوريا، وغير ذلك كثير، فقط من أجل عيون إيران في مؤامرة سرية حبكت معها من خلف الستائر.
وإذا كان من المفهوم أن تنشر الأطراف السياسية صاحبة المصلحة بإثارة الشقاق السني-الشيعي ومحاربة نهج المقاومة وتهميش إنجازاتها هذا الكلام، فليس من المفهوم أبداً أن يقرأ المرء مثل هذه الترهات أو أن يسمعها من أنصار المقاومة العراقية أو حتى من السلفيين الجهاديين الذين يقارعون الطرف الأمريكي-الصهيوني في أكثر من مكان حول العالم. وهي في الواقع هواجس وهلوسات وتهجيص سياسي ينال من مصداقية وتوازن وعقل من يروج له، فليس من المعقول أن يذل الكيان الصهيوني نفسه من أجل عيون أحد، حتى ولو كان حكومة الولايات المتحدة الأمريكية! والكيان الصهيوني ليس نظاماً عربياً مثلاً حتى يفعل ذلك!!
وليس القصد هنا الدفاع عن علاقة حزب الله بإيران أو عن موقف حزب الله في العراق أو حتى التظاهر بأن حزب الله منزهٌ تماماً عن الأجندة الإيرانية في الإقليم، وبالتأكيد ليس القصد هو القول بأن علينا أن نسكت عن السياسات والمشاريع الإيرانية في الإقليم بذريعة عدم الانزلاق في معسكر الولايات المتحدة وحلفائها. فالمصلحة القومية تقتضي نهجاً قومياً لا يرتبط إلا بها، لا بإيران ولا بالعدو الرئيسي وهو الطرف الأمريكي-الصهيوني وأذنابه.
ولكن لا بد من حد أدنى من الموضوعية والتوازن عند التصدي للقضايا المعقدة، وحزب الله ودوره. ففي السياق اللبناني، وفي سياق الصراع العربي-الصهيوني، ومشروع محاصرة سوريا، يخدم حزب الله موضوعياً المصلحة القومية العليا ما دام يقف حاجزاً في وجه مشروع صهينة وأمركة لبنان من قبل الكيان الصهيوني عسكرياً أو من قبل قوى الرابع عشر من آذار سياسياً، ونصر حزب الله في هذا الميدان هو نصر للأمة تم بقوى عربية على أرض عربية لمصلحة عربية، حتى لو استفادت منه إيران أيضاً.
وفي السياق الإقليمي، وليس فقط في العراق، يرتبط حزب الله بأجندة الهيمنة الإيرانية، هذا واضح، بيد أن هذا الدور المزدوج والمركب لحزب الله لا يجوز أن يدفعنا للتفوه بمغالطات عجائبية مثل أن هزيمة الكيان الصهيوني في لبنان في صيف عام 2006 كان "خدعة" أو "مؤامرة" أو "لعبة" الخ...
ففي هذه اللحظة السياسية بالذات، عندما يصبح سلاح المقاومة قضية دولية، ومشروعاً على طاولة مجلس الأمن الدولي لوضع قوات دولية لفصل لبنان عن سوريا، وعندما تصبح اللجنة الدولية المكلفة باغتيال رفيق الحريري أداةً لابتزاز سوريا واصطياد رؤوس المقاومة، فإن الحري بنا أن نفكر جيداً قبل التلفظ بأشياء تهدف فقط إلى إنفاذ مشروع التفكيك الطائفي في بلادنا، ووضع لبنان وسوريا تحت الوصاية الدولية ونزع المشروعية الشعبية العربية عن نهج المقاومة.