(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


*****

التغييرات الإقليمية ومنهجية المقاومة في الوطن العربي

 

د. إبراهيم علوش

جاء احتلال العراق وسقوط بغداد في 9 نيسان/ إبريل 2003 عند جيل الشباب في زماننا بمثابة صدمةٍ تعادل في قوتها نكسة 5 حزيران 1967 عند جيل آبائنا وأمهاتنا الذي عاش المد الوطني التحرري في ذروته خلال الخمسينات والستينات من القرن الماضي.  وبعد أن اشتعل الشارع العربي تأييداً للصمود العراقي في مواجهة العدوان الأمريكي-البريطاني، وبعد أن أفاق المواطن العربي على رائحة الأمل، تقوس ظهره  تحت ثقل الهزيمة من جديد، وعاد للتقوقع في رتابة الحياة اليومية.  فطلق وسائل الإعلام، ولم يعد يتابع زفرات الصحاف.  وإذ عاد بعض المتطوعين العرب من العراق ليخبروه عن انسحابٍ غير مفهومٍ للقوات العراقية من بغداد قبل دخولها من الغزاة بيومٍ أو يومين، تحولت الهزيمة إلى لغز يكاد في صمته أن يفجره من الداخل.    

 

وفرض الطرف الأمريكي-الصهيوني بشكلٍ موازٍ في فلسطين "تغييراً للنظام" باختلاق منصب رئيس وزراء السلطة الفلسطينية لأبي مازن ليكمل ما بدأه عرفات.  وما زال الطرف الأمريكي-الصهيوني يصر على إنهاء كافة أشكال المقاومة وعلى تفكيك بناها التحتية وعلى الخضوع لكافة الشروط الصهيونية، كما جاء في "خريطة الطريق" وعلى لسان جورج بوش الابن، قبل تقديم جائزة الترضية. والجائزة عبارة عن "استقلال" دويلة دون سيادة أو حدودٍ أو عاصمة كانت قد أصبحت منذ زمنٍ بعيد بديلاً عن هدف التحرير عند السياسيين والمثقفين القابضين على جمر "الواقعية"!  والمرء في كل هذا لا يملك إلا أن يحتار أيهما أكثر قرفاً: شروط الطرف الأمريكي-الصهيوني أم الجائزة التي يعرضها لقاء تنفيذ هذه الشروط؟!

 

وفي 16 نيسان/ إبريل 2003، أي بعد أسبوعٍ بالضبط من سقوط بغداد، وقع بوش قراراً بمنح "إسرائيل" تسعة مليارات دولار من ضمانات القروض لمساعدتها على مواجهة أزمتها الاقتصادية زائد مليار إضافي كمنحة عسكرية (غير المعونة  السنوية) لمساعدتها على تخطي أزمتها الأمنية.  ولو نظرنا إلى هذه المساعدات والقروض الإضافية كدليلٍ إحصائيٍ على عمق الأزمة التي سببتها الانتفاضة للكيان الصهيوني لتذكرنا القول أن النصر صبر ساعة، وأنهم يألمون أكثر مما نألم.  ولكنها واحدة من فرص النصر الضائعة!  وعلى كل حال، لم يقدم العرب والمسلمون للانتفاضة مثلما قدمه الأمريكيون للصهاينة.  ولكنها تبقى، ولو في المجرد، واحدة من الفرص الضائعة. 

 

وإذ حافظت الفصائل الفلسطينية المعارضة على "الهدنة" خلال شهر تموز/ يونيو 2003، استمر العدو الصهيوني بممارسة عمليات القتل والاغتيال ومداهمة المنازل والاعتقال ومصادرة وتجريف الأراضي وحصار المدن والإغلاق، واستمر ببناء جدارٍ فاصلٍ عملاقٍ سيؤدي عند انتهائه إلى مصادرة أكثر من 45 بالمائة من أراضي الضفة الغربية بينها بعض أكثر الأراضي خصوبةً وأغناها بالمياه والكثير من المواقع الاستراتيجية والمستعمرات اليهودية.  وإبان ذلك كله يستمر مشروع تهويد فلسطين على قدمٍ وساق والمواطن العربي غير مصدقٍ لما يجري وغير قادرٍ على تغييره وغير عابئٍ بكل السطح السياسي من أنظمة ومعارضة وغير واثقٍ كيف يخرج من حالة الفصام بين واقعٍ لا يطيقه وحقٍ لا يطوقه.

 

وفي 9 إيار/ مايو 2003، أي بعد شهر بالضبط على سقوط بغداد بأيدي الغزاة ووضع اليد مباشرة على نفط العراق، أعلن بوش عن مبادرته لتأسيس منطقة تجارة حرة مع ما يسميه المستشرقون "الشرق الأوسط" في محاولة لقطف الثمار الإقليمية لاحتلال العراق.  فالمبادرة تمثل في الواقع "خريطة طريق" أمريكية للمنطقة العربية برمتها حيث يصبح الإلحاق صورة المستقبل العربي.  وهي تهدف لتشييد غطاء أمريكي جديد لمشروع "الشرق أوسطية" القديم الذي واجه معارضة رسمية عربية في أواخر التسعينات، والذي اصبح الطرف الأمريكي-الصهيوني يعتقد أن الطريق أصبحت ممهدة لاستئنافه.  وهكذا، فإن شرط الانضمام لهذه المنطقة الحرة المفروضة علينا قسراً من الناحية العملية يصبح نسج العلاقات الاقتصادية مع دولة "إسرائيل".  وفي 21 حزيران/ يونيو 2003 عقدت في الأردن دورة استثنائية جداً لمنتدى دافوس السويسري، الذي يمثل أكبر ألف شركة متعدية الحدود، من أجل تمرير مشروع عولمة وصهينة المنطقة العربية وتسويق مبادرة منطقة التجارة الحرة الأمريكية معها.  وتكتمل بعد ذلك بقية الصورة من خلال كتابات صقور المحافظين الأمريكيين والمنظرين الصهاينة: سيطرة على النفط وإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة العربية باتجاه تفكيكها وشطب هويتها الحضارية العربية-الإسلامية تحت أقنعة الفدرالية والانفتاح الاقتصادي وتعديل المناهج الدراسية و"تجفيف منابع الإرهاب".

 

إذن هدأ الشارع العربي واستكانت قواه الحية بينما الطرف الأمريكي-الصهيوني يسعى في سورةٍ من نشوة النصر وغطرسة القوة أن يفرض تصوراته ومخططاته الاستراتيجية على وطننا العربي، والأنظمة الحاكمة ومعارضتها بين متواطئٍ ومستسلمٍ وعاجزٍ ومترقب.

 

ولكن ليس كل شيءٍ على ما يرام في ظل الجدار الأمريكي.  فالسكوت لا يعني الرضا، ولكن يبدو أن قدر المنطقة العربية أن يأخذ كلُ جزءٍ منها دوره كنقطة ضوء في زمن الظلام.  فكما كان جنوب لبنان في زمن التسعينات الرمادي، وكما كانت الانتفاضة الفلسطينية قبل ذلك ثم بعده، أصبح وسط العراق اليوم في مواجهة الاحتلال الأمريكي.  وهذه اليوم هي شعلة الأمل في ظلام العرب.  وكان يمكن أن تكون هذه الشعلة أقوى وأكثر توهجاً لتعم على جنوب العراق أيضاً لولا التأثير الإيراني الذي لن يتمكن في المحصلة أن يلغي قانون المقاومة الذي ينسحب على كل شعوب الأرض.  ولكن ما يجري في وسط العراق وغربه يبقى عائقاً موضوعياً لمخططات الاحتلال والشعلة القابلة للامتداد ولقلب المعادلات لا داخل العراق فحسب، بل حيث تجري خطوات لتنفيذ المشروع الأمريكي-الصهيوني على الأرض.  وما زالت قوى الانتفاضة الفلسطينية الحية، وقوى حزب الله في جنوب لبنان، تمتلك الكثير من الطاقات القادرة على تحقيق انتصارات عظيمة إذا نجت من المؤامرات السياسية عليها. 

 

ولا ننسى أيضاً طاقات الشارع العربي الهائلة وموقفه المعادي للتطبيع مع العدو الصهيوني، والملتزم إلى حدٍ ما بمقاطعة المنتجات الأمريكية، والرافض للغزوة الثقافية الغربية، والمتعاطف مع كل القوى المناهضة لأمريكا والعدو الصهيوني والمتعاونين معهما. ونلاحظ هنا أن القاسم المشترك في تأييد الشارع العربي لشخصيات متعارضة مع بعضها البعض مثل حسن نصرالله وبن لادن وصدام حسين ليس بالضرورة خطاب هذه الشخصيات الأيديولوجي، بل تناقض هذه الشخصيات الحاد مع الطرف الأمريكي-الصهيوني. ونلاحظ بالمقابل أن الشارع العربي يحتقر الشخصيات السياسية والثقافية بقدر انكشاف توافقها مع الطرف الأمريكي-الصهيوني.  ولكن المعارضة السلبية التي تتخللها انفجارات عفوية قوية، على الرغم من أنها تكشف حجم عدم الرضا والطاقات الكامنة، فإنها لا تعوض عن النشاط الفاعل والمنظم من أجل تغيير الواقع.

 

والخلاصة، كما رأينا آنفاً، هي أن الطرف الأمريكي-الصهيوني قد أعلن الحرب على الأمة العربية، وأن هذه الحرب تأخذ أشكالاً شرسة ومتعددة عسكرية وسياسية واقتصادية وثقافية وإعلامية ونفسية وإلى ما هنالك، ولذلك، فإن المقاومة يجب أيضاً أن تكون شاملة، أي عسكرية وسياسية واقتصادية وثقافية، من حرب العصابات إلى مقاومة الصهينة والتطبيع إلى مقاطعة المنتجات الأمريكية إلى كشف الخطاب الإعلامي المتواطئ والمضلل إلى كل ما تتفتق عنه المبادرات الشعبية من وسائل لمواجهة الطرف الأمريكي-الصهيوني وأدواته ومخططاته.  ولكن يبقى أن منهجية المقاومة في بلادنا لا بد أن تكون شاملة بمعنى:

 

1)     اتخاذ المقاومة موقفاً ومنهجاً في العمل عند كل مستوى من المستويات التي يدور فيها الصراع

2)     حسم الموقف بشكل نهائي من الطرف الأمريكي-الصهيوني وأدواته، وإزالة أي تشويش بصدد إمكانية التوصل لتفاهم أو تسوية من أي نوع معه، وبالأخص، مواجهة كل النزعات الوسطية والانتهازية والمتذبذبة في صفوفنا

3)     ضرورة تعبئة طاقات أوسع شرائح الشعب لخوض هذه المواجهة المفروضة علينا على أساس تفعيل المبادرات الذاتية لإيجاد الحلول الخلاقة واكتساب المهارات اللازمة للتغلب على الاختلال في ميزان القوى بيننا وبين العدو عند كل مستوى من مستويات الصراع

4)     العمل على خلق أطر مرنة للتنسيق بين كل القوى المعنية بهذه المواجهة على أساس هدف المقاومة الشاملة، لا على أساس الاستقطاب الحزبي الضيق أو التبعية لزعيم أوحد أو لنهج فكري محدد، مع الاحتفاظ بحق الاختلاف ضمن الخطوط الحمراء

5)     الاستفادة من كل نقطة قوة لدينا وكل نقطة ضعف عند العدو لتحقيق الانتصارات التراكمية، مثلاً، نزعتنا الاستشهادية مقابل العامل البشري عند العدو، أو قوتنا الشرائية مقابل حافز الربح عند العدو، أو حرب عصاباتنا لتحييد التكنولوجيا المتقدمة عند العدو، أو عددنا وثقافتنا لاحتواء محاولات الاختراق، وهكذا..

6)     الاستعداد لتقديم التضحيات دون حساب للوصول بالمواجهة إلى نهاياتها المنطقية، إذ ليس هناك أسوأ من متقاعس عن العمل إلا من يقدم عليه بخطوات مترددة

7)     وأخيراً، جعل الهدف الاستراتيجي لنشاطنا خلال المرحلة المقبلة العمل على تأسيس بنى تحتية مترابطة لحركة شعبية عربية شاملة تستطيع أن تحمل على عاتقها عبء خوض المواجهة بجميع مستوياتها بصورة منظمة ومستمرة (دون أن يعني ذلك تحول مثل هذه الحركة إلى حزب أو تنظيم مغلق).         

 

استراتيجية المقاومة الشاملة هذه يستطيع كل فرد منا أن يساهم فيها بقسطٍ يتناسب مع إمكانياته وقدراته.  ولكن هذا لا يعفينا من طرح الإشكال التالي: بينما يمكن أن نصل كأفراد أو مجموعات صغيرة لتصورات معينة حول كيفية التصدي لمشاكلنا العامة، فإننا نصطدم بحقيقة أن الموارد والقوى اللازمة للمضي قدماً بهذه الحلول لا يمتلكها أي فرد من لوحده، ولذلك تجد الواحد منا يقعد أحياناً عن العمل لشعوره أنه لا يستطيع وحده أن يحقق شيئاً يذكر.

 

ولكن سبب هذا الإشكال يعود إلى اعتقاد الذين يعيشونه أنهم يبدأون من الصفر، أو أن عليهم أن يخلقوا شيئاً حيث لا يوجد شيء، حلولاً كاملة، مرة واحدة، هكذا، لمسائل تاريخية تمس أمة بأسرها.  وهذا التقدير ليس صحيحاً على الإطلاق.  فالأمة تنتج باستمرار تيارات مقاومة عريضة لا بد لكل مستعد وقادر أن ينخرط فيها: مثلاً، تيار المقاومة العسكرية في العراق أو فلسطين والروافد الداعمة له في الوطن العربي، أو تيار المثقفين المقاومين للتطبيع والصهينة، أو تيار مقاطعة المنتجات الأمريكية، ومختلف أنواع التيارات العريضة الأخرى التي تشارك في خلقها قوى وشخصيات كثيرة.  وإذا كانت هذه التيارات بحاجة إلى المزيد من التطوير والتفعيل والتنظيم، فإن ذلك يختلف تماماً عن القول أن الإنسان عليه أن يبدأ من لا شيء.  بل الصحيح هو أن هناك خبرات سابقة لا بد من الاستفادة منها وقوىً ضخمة تحتاج للتعبئة والتنظيم لولا غياب الرؤية السياسية الناظمة. 

 

وقد تكون هناك حاجة للمزيد من التيارات العلنية أو الشبه علنية أو السرية، السلمية أو الشبه سلمية أو العنيفة، الثقافية أو الحزبية أو السياسية أو غيرها، فإذا كانت هناك حاجة موضوعية لإحدى هذه التيارات في بلادنا، كما كانت الحاجة في فلسطين للعمليات الاستشهادية في مرحلة ما، أو لحركة المقاومة في أواخر الستينات، فإن الواقع سيفرزها كنبتة أصيلة تنبع من بطن أرضنا من كل مكان.  أما ما نحتاجه اليوم، فأقترح أنه تبني استراتيجية المقاومة الشاملة التي نستطيع أن نبدأ بممارستها حتى كأفراد على صعدنا المحدودة، لا بل التي لا بد لنا أن نبدأ بممارستها كأفراد ومجموعات ضمن أفقها التراكمي كحرب المواقع، ولكن التي لن تنتقل بنا إلى مراحل أعلى من التأثير النوعي الفعال والمنهجي إلا بقيام حركة مقاومة شعبية عربية شاملة لا بد أن يصبح تأسيسها هدفنا الاستراتيجي في هذه المرحلة.