(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
الثورة الإيرانية وتداعي المد الوطني والقومي في الشارع العربي
د . إبراهيم علوش
على الرغم من كل الأموال والجهود المبذولة في مواجهة المد الناصري أساساً، ثم البعثي واليساري، في الشارع العربي في الخمسينات والستينات والسبعينات، فإن التأثير السياسي والأيديولوجي للمحور السعودي وتحالفاته في تلك الحقبة بقي محاصراً ومحدوداً ومكشوفاً، فلم يتمكن من إحداث انقلاب لمصلحته في المزاج الجماهيري مهما حاول، وبقي الناس مدركين بأنه كان يحاول استغلال الإسلام سياسياً – والإسلام منه براء - لتمرير أجندة قوى الهيمنة الخارجية في محاربة الاتحاد السوفياتي وحركات التحرر الوطني. وكان التحالف التاريخي لذلك المحور مع بريطانيا ثم الولايات المتحدة في مواجهة قوى التحرر والوحدة في الوطن العربي كفيلاً بإسقاطه شعبياً وسياسياً، وبإبقائه في موقفٍ دفاعيٍ صعب في وجه حالة المد الوطني والقومي المتأججة في الشارع العربي.
وبعد هزيمة ال1967 والنكسة التي تعرض لها القطب الناصري والخط القومي عربياً، فإن الشارع لم يرتد إلى الخلف إلى أحضان القطب السعودي وتحالفاته وامتدادته، بل انقضت أقسامٌ واسعة منه إلى الأمام، باتجاه اليسار الجديد، جزئياً بوحي التجارب الثورية في كوبا وفيتنام، وعلى نطاقٍ أوسع بكثير، باتجاه التفاعل مع الثورة والبندقية الفلسطينية على المستوى الشعبي العربي بطريقة لم تكن لتخطر حتى على بال قياداتها، فباتت تلعب الثورة الفلسطينية في السبعينات، بمحض الإسقاط وقوة الدفع الشعبي العربي، بعضاً من الدور التعبوي والتحريضي الذي لعبه التياران القومي والشيوعي في الساحة العربية في الخمسينات والستينات.
وجاء الانزياح الذي أنتجه أنور السادات في مصر في السبعينات باتجاه الاصطفاف مع المحور الأمريكي، بالتعاون مع كمال أدهم، ليخرج مصر وما تمثله من ثقلٍ معنوي وسياسي في الشارع العربي من دائرة التأثير القومي التحرري، ثم جاءت اتفاقية كامب ديفيد أساساً لتكبيل الدور الجغرافي السياسي لمصرَ عربياً. ولا شك أن تخلي نظام السادات عن المرجعية والدور المصريين لعب دوراً مفصلياً في إضعاف الزخم الوطني والقومي، غير أن التحول الحقيقي في الشارع العربي، وفقدان القوى الوطنية والقومية لزمام المبادرة فيه، جاء مع وبسبب تأثيرات الثورة الإيرانية في الشارع العربي بعد عام 1979.
فحتى الثورة الإيرانية، كان الخطاب المدعي للأصالة شكلياً، والمتحالف مع الغرب عملياً، مكشوفاً من الناحية السياسية وغير ذي تأثير، وبالتالي، كان النقيض الموضوعي المعترف فيه جماهيرياً لذلك الخطاب هو الخط الوطني والقومي بكافة ألوانه وتنويعاته. ثم جاءت الثورة الإيرانية فرفعت ابتداءً شعارات مناهضة لأمريكا وللصهيونية، وبدت للجماهير العربية للوهلة الأولى وكأنها تلقي حجراً ثورياً في المستنقع الرسمي العربي الآسن، خاصة بعد محادثات جنيف واتفاقية كامب ديفيد.
وفي ظل غياب المرجعية الناصرية وتخثر حركة التحرر الوطني العربية، انقضت الثورة الإيرانية على مفردات حركة التحرر الوطني العربي من داخلها، كحصان طروادة إيديولوجي، فأجهضتها وهمشتها وفككتها كما كان يحلم الخطاب الرسمي السعودي وامتدادته أن يفعل من قبل، وحلت تأثيرات ومفردات الثورة الإيرانية محل الخطاب الوطني والقومي عربياً، والأهم، بات نموذج التغيير الثوري ومرجعيته عند الطلائع العربية، غير عربيين.
وغفلت كريات الدم العربية البيضاء عن الاختطاف الإيراني لمرجعية حركة التحرر الوطني العربية لأنه كان ينسل إلى الداخل بذرائعَ ثوريةٍ دوماً. فقد اعتلى نظام الملالي صهوةَ موجةٍ شعبيةٍ ثوريةٍ إيرانيةٍ مشروعةٍ ضد ظلم الشاه المتحالف مع أمريكا، ولكنهم ركبوا عليه مشروعاً إسلامياً في المظهر، قومياً فارسياً في الجوهر، جعل أولويته الأولى، وهو لم يكد يستلم السلطة بعد، إسقاط النهج القومي في العراق تحت شعار خدع كثيرين للأسف هو "تصدير الثورة"، ولو تحقق للملالي ما يريدون في العراق لما أوقفهم شيء حتى حدود مصر، ولأصبحت مكة وصنعاء ودمشق مجرد محمياتٍ فارسية، تماماً كما في عهد كوروش! وليس من المنطقي في النهاية لمن يكفر البعث العربي الإسلامي في العراق أن يضمر الخير للقوميين والوطنيين العرب في غير العراق... وليس من المعقول أن يحب الإسلام من لا يعترف بالعروبة، موئل الإسلام الأول ولسانه الفصيح!
بعد الثورة الإيرانية، اختلط الحابل بالنابل في الساحة العربية، فذبلت المرجعية القومية العربية وخسرت المفردات الوطنية وهجها وتأثيرها، بينما كان كثيرٌ من القوميين والوطنيين يطبلون ويزمرون لحفاري قبورهم الأيديولوجيين، وللزحف الفارسي على المشرق العربي تحت شعار "تصدير الثورة"، و"تحرير القدس عبر بغداد"، وهي شعاراتٌ لم تكن يوماً إلا أقنعة سياسية لتخطي عقبة العراق للسيطرة على المشرق العربي. وما زالت ألغازٌ كثيرة تحيق بالثورة الإيرانية وظروف انتصارها: لماذا لم يتدخل جيش الشاه، أكبر جيش في "الشرق الأوسط" ضدها؟ لماذا لم تتدخل أمريكا ضدها؟ لماذا احتضن الغرب الخميني وسمح له أن يعود لإيران من باريس؟ الخ... وهي وغيرها أسئلة كثيرةٌ لم يعد من المجدي أن نتجاهلها باعتبارها "تناقضات ثانوية" في ضوء الدور الإيراني في العراق وفي الإقليم اليوم...
ولنضع الاصطفاف الطائفي الناتج عن الثورة الإيرانية في المشرق العربي جانباً، وكيف تبين أن ذلك يخدم مشروع التفكيك الصهيوني للإقليم، وردة الفعل الطائفية من نفس اللون ولكن بالاتجاه الآخر، فلنضعها هي الأخرى جانباً، ولنضع إيران-كونترا والسلاح الأمريكي و"الإسرائيلي" لإيران خلال الحرب العراقية-الإيرانية جانباً، ولنضع التعاون الإيراني مع أمريكا في اجتياح أفغانستان والعراق جانباً، وهي وغيرها من الوقائع الساطعة لا يمكن أن تغطي بغربال، أو بحفنة من الشعارات المناهضة للشيطان الأكبر أو "إسرائيل"، نعم، "الموت لإسرائيل"، ولكن ثمة تقاسم أدوار في الإقليم بصراحة، حتى عندما يوجد تنافس دموي على الأدوار هنا!
لا، لا يمكن أن نكون يوماً كمواطنين عرب مع عدو الأمة الرئيس، وهو الطرف الأمريكي-الصهيوني، ولا يمكن إلا أن نكون مع المقاومة الوطنية والإسلامية في العراق وفلسطين ولبنان وكل الوطن العربي، ولا يمكن أن نصطف مع أعداء المقاومة ضدها، ولكن ما جرى ويجري في العراق، وهذا الحقد الدفين الذي كشفه إعدام الرئيس صدام حسين وبرزان وبندر، في الموقف والطريقة والتوقيت، وهذا الضياع للناس ما بين أعداء الأمة، وأعداء الأمة، والدور الإيراني الموضوعي في إجهاض مرجعية حركة التحرر العربية وفي اختراق دورها ومفرداتها، يؤكد كله على حقيقة بسيطة: لا بد لنا أن نعيد إنتاج المشروع العربي النهضوي التحرري، المشروع الخاص بنا، مشروع الأمة، وليس صحيحاً أنا مضطرون للتحالف مع الروم ضد الفرس، أو مع الفرس ضد الروم. باختصار، أين هو مشروعنا الخاص كأمة؟!