(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


*****

عن الصهيونية واليهودية: أحكام علاقة اليهود بالأغيار

 

د. إبراهيم علوش

لم يكن ارتداد اليهود ابتداءً من القرن التاسع عشر بعيداً عن حركة التنوير اليهودية (الهاسكالاة) الداعية لاندماج اليهود على قدم المساواة في الشعوب التي يعيشون بينها ليأتي بالصورة الصهيونية العنصرية والاستعمارية التي جاء عليها لو لم تكن ثمة عناصر أصيلة في الديانة اليهودية نفسها  تدعمه وتقدم له إمكانيات النجاح.

وقد يعترض معترض هنا بأن تحميل اليهودية مسؤولية "شطط" الصهيونية لا يصح  منهجياً إلا بمقدار ما يتحمّل أي دين أو عقيدة مسؤولية الشطط الذي تحدثه جماعة من اتباعها.

ولكن اليهودية ليست كباقي الأديان والعقائد المعروفة لأن العنصرية والاستعمار لا يمثلان انحرافاً عنها بقدر ما يمثلان التأويل الأساسي، ولو لم يكن التأويل الوحيد، لها.

وقد ترجم الكاتب إسرائيل شاحاك نصوصاً عبرية قديمة من التلمود حول الكيفية التي يجب أن تدار بها علاقة اليهود بغيرهم لا يمكن أن تجد لها مثيلاً في أي ديانة أو عقيدة أخرى.  

ولننتبه أن كل هذه الأحكام مقيدة بشرط مهم هو أن ممارستها من قبل اليهودي يجب أن تراعي عدم عودتها بالضرر على أي يهودي أخر على سبيل الانتقام أو غيره.

ومنها مثلاً: على اليهودي أن يلعن عند المرور بمقابر غير يهودية، وأن يترحم عندما يمر بقابر يهودية.  وعليه أن لا يسعف جرحى أو مرضى الأغيار (غير اليهود)، أو الغريق أو الواقع في حفرة منهم، إلا إذا عاد ذلك بالانتقام على يهود. 

وحسب منظومة الأحكام اليهودية الكلاسيكية المعروفة باسم الهاكالاة فإن قتل المدنيين من الأغيار عن سابق قصد وتصميم في الحرب ضرورة لا مفر منها يتعرض اليهودي الذي لا يراعيها لغضب الرب، وهو ما لا نستطيع أن نفصله عن الممارسات الصهيونية في فلسطين.   أما في غير حالة الحرب، فإن اليهودي الذي يقتل غير يهودي بتعمد، فإنه يعتبر مذنباً أمام الله ولكن ليس أمام القانون.  فإذا قتل اليهودي غير اليهودي بطريق الخطأ، فإنه لا يعتبر مذنباً لا أمام الله ولا أمام القانون. 

ومن امتيازات اليهودي على الأغيار في هذه الشرائع حقه في تضليلهم، في السياسة والتجارة والعلاقات الشخصية.  مثلاً، تمنع السرقة على اليهودي بتاتاً، ولكن من حقه أن يمارسها في التجارة مع غير اليهود بشكل غير مباشر إذا كانت تتضمن "تشغيل عقل".  وكذلك يسمح بالنصب، ويسمح بالسطو العنيف من الأغيار إذا كانوا تحت حكم اليهود، وهو الأمر الذي يقلل من احتمالات الانتقام من يهودي أخر.  وكذلك يحق لليهودي أن يأخذ أو أن لا يأخذ الربا من يهودي أخر، ولكنه ملزم بأخذ الربا من غير اليهودي إلا بمصلحة، حيث أن الهاكالاة تحظر الهدايا لغير اليهود دون مقابل!

 

وهناك الكثير غير ذلك ينسج على نفس المنوال مما ترجمه إسرائيل شاحاك.  ولكن د. عبد الوهاب المسيري يعترض على تعميم هذه القوانين التشريعية اليهودية على كل اليهود باعتبار الذين أسسوا دولة "إسرائيل" من العلمانيين والملحدين الذين لا يعترفون بهذه الأحكام بالضرورة.  ولكن هذه الرؤية تتجاهل حقيقة أن اليهودية، مثل أي دين، ليست مجموعة من الشعائر والأحكام فحسب، بل  ثقافة يتشرب أبناؤها الكثير من قيمها ومفاهيمها منذ الصغر.  والإسلام كثقافة (مختلفة بالتأكيد) تجده بقوة مثلاً في كافة شرائح المجتمع العربي.  ولعل من أبرز الأمثلة المضيئة والرائدة على ذلك من اليسار عبد الخالق محجوب من الحزب الشيوعي السوداني الذي كان يصلي، وبيانات المقاومة العراقية الصادرة عن الحزب الشيوعي العراقي/ الكادر التي تبدأ كما يلي: "حيث ثقفتموهم!".