(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


العراق: ديكتاتورية من ضد من؟

موقف العصبة الأممية الشيوعية في اليونان (تيار تروتسكي)
من الحملة الإعلامية الإمبريالية على القيادة العراقية

ترجمه عن الإنكليزية: د. إبراهيم علوش

تمتلك الإمبريالية الأمريكية في هذه الحرب دون أدنى شك تفوقاً كبيراً في ميدان السلاح، أما تفوقها التكنولوجي على العراق فإنه كاسحٌ، ولكن لديها عقب اخيلها أيضاً ألا وهو العامل البشري.

إن العراقيين في هذه الحرب يدافعون عن وطنهم وبيوتهم وعائلاتهم ضد الذين يقصفون ويدمرون بلادهم منذ ثلاثة عشر عاماً، الذين قتلوا بالإشعاع والحصار حوالي 1,8 مليون عراقي، والذين يستمرون يومياً بقتل المزيد من العراقيين. ولكن لهذه الأسباب بالذات، لن يتزعزع العراقيون، وسيستمرون بإعلاء مقاومة صلبة كالصوان في وجه الغزاة. 

ولا ينطبق الشيء نفسه على الأمريكيين وحلفائهم. فلا يوجد شعبٌ، ناهيك عن الخليط القومي المسمى الشعب الأمريكي، يقبل بالتضحية بممتلكاته المادية وحياة أبنائه دون أن يكون قد أقتنع أنه يدافع بذلك عن مصالحه الحيوية ومُثل الحرية والعدالة الإنسانيتين.

فالولايات المتحدة لا تمتلك ولن تجد فيها جندياً واحداً مستعداً للمخاطرة بحياته آلاف الكيلومترات بعيداً عن بلاده من أجل قضية لا تعنيه.

ولذلك، نجد أجهزة قوية للدعاية والتضليل والخداع تتابع هجماتها المسعورة ضد من تسميه "الديكتاتور" أو "الجزار" صدام، وهي تضمر الدوافع نفسها التي قبعت قبل سنوات قليلة خلف هجماتها على "الديكتاتور" و"السفاح" ميلوسوفيتش.

وهذه الأجهزة ما برحت تحاول أن تخدع الرأي العام الأمريكي والعالمي بأن هجومها على العراق هو "عملية من أجل الحرية"! ومن أجل خاطر هذه "الحرية"، فإنها قد تلجأ غداً لارتكاب جرائم أكبر للخروج من الطريق المسدود الذي دفعته إليه عقليتها المغامرة المهووسة. وسيكون من فائضاً عن الحاجة أن يقال أن هذه الحملة تشن ضمن إطار الحرب النفسية التي تتولاها وكالات الاستخبارات الأمريكية المختلفة، وهي حرب على درجة كبيرة من الأهمية للولايات المتحدة الأمريكية وقد أصبحت في الآن عينه ضرورية عامة في الحروب الحديثة، وغالباً ما تكون أكثر أهمية من النزاع العسكري نفسه. 

وهكذا، نجد مئات الأقنية التلفزيونية والمحطات الإذاعية والصحف حول العالم، وآلاف حملة الأقلام "المدعومين" جيداً، بغض النظر عن القناع الذي يضعه كل منهم، وبغض النظر عما إذا أعلنوا أنفسهم أعداءً أو أصدقاءً للإمبريالية، أو مدافعين عن الحرب أو عن السلام والشعب العراقي، يقومون بشكلٍ إراديٍ أو لا إرادي بالمشاركة في وبدعم الحرب النفسية التي تمارسها الإمبريالية الأمريكية ضد العراق.

بيد إن هؤلاء "الأصدقاء" بالتحديد، الذين يذرفون دموع التماسيح على الشعب العراقي، هم أخطر أعدائه على الإطلاق. وتلك الشخصيات التي تبدو ظاهرياً "موضوعية" و"حيادية"، خاصة عندما تضع قناعاً يسارياً، هي الأكثر ملائمةً لجذب الجمهور للدعاية الأمريكية التي تقدم الدعم المعنوي للهجوم الإمبريالي، للجريمة، وللاستعباد. 

إن كومة كبيرة من الأكاذيب والمغالطات يتم إلقاؤها على النظام العراقي في هذه الحرب النفسية. وحتى لو وجدت بذرة من الحقيقة المشوهة في بعض الاتهامات الموجهة إليه، فإن الأصدقاء الحقيقيين للشعب العراقي يجب أن يتجاهلوها في هذه اللحظة الملموسة التي يجري فيها الهجوم الإمبريالي ويلتئم العراقيون معاً لصد الانقضاض الوحشي من قوة العالم العظمى. 

هل النظام العراقي ديكتاتوري؟ إن يساراً يحترم تقاليده عليه أن يفسر للناس أن هناك ديكتاتوريات و"ديكتاتوريات"، تماماً كما توجد ديموقراطيات و"ديموقراطيات". ولا نملك أن نلقي بأي من الصنفين في سلةٍ واحدة. ولا بد أن شعبنا اليوناني، مثل العراقي، يستطيع غريزياً أن يميز بين الأشياء التي تتماثل على السطح وتختلف في الجوهر.

فالمعضلة الحقيقة ليست الخيار ما بين "الديموقراطية أو الديكتاتورية"، بل الديكتاتورية على من، والديموقراطية لمن. الديكتاتورية في العراق تطبق على عملاء المصالح النفطية الغربية التي لا تستطيع أن تقبل أن تجريدها من الملكية وتأميم النفط هو أمرٌ نهائي. وهي ديكتاتورية تطبق على الذين تضرروا من تأميم البنوك، وضد الذين يعارضون وحدة الأمة العربية في دولة فدرالية متحدة. وهي تطبق على الذين لا يريدون للنفط أن يكون رافعة للتنمية الصناعية، وضد الذين يعارضون دعم الانتفاضة الفلسطينية سياسياً واقتصادياً، وضد الذين لا يريدون للعراق أن يتحدى الدولة الصهيونية وأن يلهم الشعب العربي وأن يسبب المتاعب داخل منظمة الدول المصدرة للنفط وأن يسقط ديكتاتورية الدولار عن طريق تحويل كل احتياطات البلاد من العملة الصعبة إلى اليورو.

يقولون أن العالم سوف يكون أفضل إذا انتهت هذه الحرب بالإطاحة بصدام. وهناك "يساريون" يقولون بهذا، وهو أولاً وابتداءً ليس سوى خط الإمبرياليين أنفسهم الذين يدعمون عشرات الديكتاتوريات العسكرية التي تمارس عنفها على الشعوب لمصلحة الشركات متعددة الجنسيات. 

يقولون أنهم يريدون إحلال الديموقراطية في العراق، ولكن لمن؟ أمن أجل عملاء الغرب الإمبريالي؟ ومن أجل أن يصبح العراق محمية "ديموقراطية"؟

لا بل إن هكذا "ديموقراطية" ستكون هزيمة للعراقيين، ولكل العالم العربي، وللإنسانية جمعاء.

وقد قام صدام، الزعيم القومي للعرب اليوم الذي يصر الإمبرياليون ومرتزقتهم على نعته ب"ديكتاتور" و"جزار"، بتسليح الشعب العراقي. وقد سلحه لا برشاشات الكلاشنكوف فحسب، بل أيضاً بمدافع الهاون والقذائف المضادة للدبابات. وهذا يقول الكثير عن طبيعة النظام في العراق. فليجرؤ القادة "المحبوبون" و"المنتخبون ديموقراطياً" في البلدان الأوروبية على تسليح شعوبهم أو حتى أنصارهم فحسب، ولنر ماذا سيحدث ل"ديموقراطياتهم" التي أشبعت مديحاً.

أن الديموقراطية الحقيقية تفترض سيادة وطنية لا يرقى إليها الجدل، وتنمية اقتصادية، ورفاهيةً وسلاماً. وكل هذه الشروط تنكرها الإمبريالية على الأمة العربية بتدخلاتها العسكرية واحتلالاتها ونهب مواردها الطبيعية وزرع الشرطي الصهيوني بين ظهرانيها ودعم أنظمة الدمى "الصديقة" فيها. فهذه هي أسباب غياب الديموقراطية، وليس صدام. 

يقولون لنا أن الشيعة في جنوب العراق تضطهدهم حكومة بغداد وأن الهجوم هو لتحريرهم، فأعطت أسلحة الشيعة في البصرة والناصرية وكربلاء والنجف وغيرها ردها الخاص على من يروجون هذه الأقوال. 

وفي الشمال هناك أكراد يقاتلون في الخنادق نفسها مع بقية العراقيين، فزمر برزاني وطالباني الإقطاعية التي ناوأت حكومة بغداد في الماضي لا يمكن أن يقال فيها أنها تمثل مصالح الشعب الكردي، وهي يتضح دورها من حقيقة أنها كانت تدير "حركات مقاومتها" من مكاتب في اسطنبول حتى الهجوم الأمريكي الأول على العراق.

أن "جريمة" صدام الكبيرة الأخرى يفترض أنها اضطهاد بعض المسمين "شيوعيين"، لا الشيوعيين الحقيقيين بالطبع، الذين وحدوا صفوفهم اليوم مع القيادة العراقية في مواجهة الغزو الأمريكي، بل أولئك الذين تظهر بقاياهم على شاشات التلفاز حتى الآن للتهجم على تلك القيادة وليطالبوا جنباً إلى جنب مع بوش وبلير ورامسفيلد وسترو بنزع أسلحة العراق وليؤكدوا بأن العراق مازال يمتلك أسلحة دمار شامل محظورة، وهو الأمر الذي أضطر بليكس والبرادعي للاعتراف بنقيضه. وهؤلاء أنفسهم لا يقولون لنا أنهم كانوا قاعدة نظام عبد الكريم قاسم، الذي لم تجرؤ حكومته على لمس البنوك أو على القيام بالإصلاح الزراعي، والأهم، أنها لم تجرؤ على مصادرة وتأميم شركات النفط الأجنبية التي كانت تسرق مخزونات البلاد الغنية. وقد كانوا أنفسهم دوماً على طرفي نقيض مع فكرة الوحدة العربية، وهي الشرط المسبق الذي لا غنى عنه ليس فقط من أجل التحول الاشتراكي، ولكن أولاً وفي البداية من اجل أي استقلال حقيقي عن الإمبريالية.

لقد وظف الحزب الشيوعي العراقي في ألاعيب كانت ترمي إلى حماية المصالح الغربية في العالم العربي. ونحن لا نقبل أن أشخاصاً مثل هؤلاء يجب أن يعتبروا خارج النقد لمجرد اغتصابهم لقب "شيوعي". على الأقل يقوم صدام في هذه اللحظة بالدفاع عن ملكية الشعب العراقي دون أن يتظاهر بأنه شيوعيٌ. 

كما إن نظامه يشكل خطوة كبيرة إلى الأمام بالنسبة للشعب العربي، لأنه نظامٌ تقدمي من وجهة نظر موقفه من الإمبريالية، وبالنسبة للتطور الاجتماعي. ومهما كانت التحسينات المحلية الأخرى التي قد يطالب بها الشيوعيون في العراق التقدمي الذي يحكمه صدام حسين، فإن الواجب المطلق لأي شيوعي حقيقي يبقى الدفاع غير المشروط عن النظام في وجه الإمبريالية. 

إن أولئك الذين يحترمون فعلاً التقاليد النضالية لليسار يقاومون اليوم الدعاية الإمبريالية. إنهم يفضحون أكاذيبها ومغالطاتها، وينزعون القناع "التحرري" عن الإمبريالية، ليكشفوا عن وجهها المفترس.