(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
العلم والعقل والنص الديني
التأويل
والحداثة
د. توفيق شومر
أي نص ديني،
هو نص مقدس لمعتنقي الديانة
التي يعبر عنها، وهو بهذه الصفة نص مطلق غير قابل
للنقاش يدافع عنه المؤمنون به
بحيث لا يترك أي مجال للتفاهم حول بعض المسائل
المحورية التي يقر بها النص.
وحتى يكون النص الديني سرمدياً يمكّن أفراد المعتقد
الديني من الإيمان به في كل
زمان ومكان يستلزم أن يتضمن إقراراً بأنه نص صالح لكل
زمان ومكان.
والمعضلة هنا أنه نص يخاطب في الأساس عقول البشر أيضاً، وبالتالي يجدر بالنصوص الدينية أن تكون قد كتبت بلغة تتناسب مع عقول المتلقين للرسالة الدينية. فالنص الديني المقدم قبل ثلاثة آلاف عام لا يمكن أن يستخدم الخطاب نفسه الذي يستخدمه النص الديني المقدم قبل ألفي عام، وسيختلف بالضرورة عن النص المقدم قبل أربعة عشر قرنا.
إذ أن المعرفة في تلك الأزمنة
كانت محدودة، والبشر غير قادرين
على استيعاب علوم القرون السابقة،
فكيف هي الحال بعلوم اليوم. بالمقابل فالله
بالتعريف كلي المعرفة، يعرف
علوم اليوم والأمس قبله وكل علوم المستقبل. فلماذا لم
ينطق النص الديني بأي من هذه
العلوم؟ الجواب أبسط من أن يُبحث فيه، فلو أن النص
الكتابي على سبيل المثال،
خاطب عقول الأمة بأن الإنسان سيكون قادراً وهو جالس في
بيته أن يخاطب ويرى شخصاً آخر
في أقصي المعمورة دون أن يحتاج لأن ينتقل من مكانه
قيد أنملة، لما صدقت البشرية
الرسل.
لذا لا بد من احتواء النصوص
الدينية على
مستويات من الخطاب، مستوى مباشر يصل
عقول وأذهان البشر في الزمن الذي يقدم فيه،
ومستوى آخر يستطيع أن يعطي
خطاباً عاماً يمكن تأويله فكرياً وفلسفياً لكي يصلح لكل
زمان ومكان. ومستوى ثالث قد
لا يكون بمقدور البشر تفسيره وتأويله، إذا ما قلنا أن
المعرفة الكلية عند الله أبعد
من أن يستطيع البشر الوصول إليها.
هذا يعني أن البحث في أغراض ومعاني وأهداف الخطاب الديني يجب ألا تتوقف أبداً. وهذا يعني أيضاً أن المفسرين الأوائل للنصوص الدينية لا يمكنهم بأي حال أن يكونوا قادرين على تفسير النص الديني كما يجب أن يفسر. فالعلم الذي توافر عند المفسرين الأوائل لا يمكن أن يرتقى إلى جزء مما نعرفه اليوم.
قد يقول البعض أن علوم الدين
تختلف عن العلم
بظواهر الطبيعة، وبما أن الاهتمام
بالدين كان عند العلماء الأوائل أفضل من الاهتمام
بالدين اليوم، فهذا يعني أنهم
أكثر قدرة على فهم أمور الدين من الذين يحاولوا
تأويله اليوم. وأقول لا
انفصال بين فروع العلم، كما أن هناك قضايا خاصة منها قدرة
الإنسان، وعقله، وخبراته،
وتأثير هذه الخبرات وكيف ننظر إلى المعرفة وإلى الإدراك
وغيرها من القضايا الشائكة
والتي وصلنا إلى معارف فيها تفوق حد الوصف ما كان يعرف
سابقاً وترتبط بشكل وثيق
بعلوم الدين، وبالتالي فالفهم الديني بحاجة إلى إعادة نظر
في كثير من قضاياه.
إذن فإن التبرير لفتح باب الاجتهاد والتأويل مرة أخرى يتعدى القول بالضرورة لأخذ موقف من قضايا لم تكن معروفة سابقاً كالاستنساخ أو القتل الرحيم، إلى القول أن ما كنا نعرفه سابقاً بالارتباط مع كل القضايا المعرفية لا يمكن مقارنته بأي حال مع ما نعرفه اليوم. وبالتالي فإن التفسير والتأويل للنص الديني الذي قدمه فقهاء وعلماء الدين سابقاً لا يمكن بحال أن يرقى إلى المستوى الشافي لتساؤلاتنا.
والحداثة كما نعرف موقف فلسفي
يتميز بإعمال العقل في
القضايا التي تواجه الإنسان،
بالاستناد إلى السببية التي تربط بين الأحداث في
العالم وأسباب واضحة لهذه
الأحداث التي تنتمي بشكل أساسي إلى هذا العالم لا إلى
عوالم غيبية. وهي تقر بأننا
نستطيع أن نعرف مكنونات هذا العالم مهما بلغت التعقيدات
التي تترافق مع هذه المعرفة.
ولكي نصل إلى هذه المعرفة لا بد لنا من أن نستخدم
عقولنا لا أن نعتمد على أي
معرفة خارجية، لأن نزول الوحي لم يعد أمراً وارداً منذ
وفاة الرسول. لذلك فالأمور
الميتافيزيقية لا يمكن أن تكون مقبولة إلا إذا تأسست على
العقل أولاًُ.
وعلى الرغم من أن تاريخ
الفلسفة يرجع مفاهيم الحداثة إلى
الفيلسوف الألماني امانويل كانط، فإن
التراث العربي الإسلامي قد قدم مفكرين عظاماً
تمكنوا ومنذ مرحلة مبكرة جداً
في التاريخ العربي الإسلامي من أن يدركوا مفاهيم
الحداثة هذه. لكننا اليوم
أبعد ما نكون عنها. ومن الأمثلة المعروفة على ضرورة
العقل، ابن رشد وموقفه
المعروف في كتابه "فصل المقال"، والقاضي عبد الجبار وموقفه
في كتابه "شرح الأصول
الخمسة". والذي أكد لنا في الفصل الأول من كتابه، بأن العلم
هو المنطلق الأساسي للمعرفة
وبغيره لا معرفة ممكنة التأسيس، وشمل بذلك معرفة الله
ووجوب هذه المعرفة. فهو لذلك
يميز بين العلم والاعتقاد، ويحدد أن الله لا يعرف
بالضرورة وإنما بالعقل، ثم
يبحث في الأدلة التي تثبت أن معرفة الله واجبة.
وهنا نصل إلى النقطة الهامة في هذه المقارنة. بما أن الحداثة أساسها العلم والعقل، وبما أن النص الديني لا بد أن يكون متوافقاً مع العلم والعقل، لا من منطلق حداثي فقط بل من منطلق الفكر العقلاني العربي، فإن هناك ضرورة لأن يتم التعامل مع النص الديني بالاعتماد على العلم. وبما أن العلم يتطور، بل بما أن العلم دائم التطور، فأن هذا يفرض علينا أن نتعامل مع النص الديني انطلاقاً من تطور معرفتنا العلمية وقد كان خطاب القرآن دائما يدعو إلى إعمال النظر والتفكر.
ومن الأمثلة على أهمية أن
نفكر
بالعقل فيما يقوله النص التوراتي
التالي. إذ أن كل مؤمن يقر، أن الله حق وعادل كلي
القدرة ومتعال. لذا إذا جاء
نص ديني وقال إن "يعقوب قد تعارك مع الله وانتصر" ولذلك
فإن الله "المهزوم" باركه
وأسماه "إسرائيل" ومنحه "أرض الميعاد له ولنسله من بعده"،
فإن هذا المؤمن العاقل سيقول
أن هذا كلام لا يصح لأن الله حق وعادل وكلي القدرة
ومتعال، ولا يمكن لمخلوق
التغلب عليه. مما يدفع إلى الاعتقاد بأن هناك خلل في النص
الديني، وقد يكون الخلل
ناتجاً عن أن النص الديني لا يمثل الحقيقة الدينية، وهو نص
محور ومحرف لا يمكن الاعتماد
عليه في عرف الكثيرين، أو أن يقول البعض بأن هذا النص
يتحدث عن رب آخر غير الله.
على المؤمن إذا أراد الدفاع
عن إيمانه أن يكون
قادراً على التعامل مع النص الديني
بتوافقه واختلافه مع المعرفة العلمية وإلا كان
بمقدور الضالعين في لعبة
المنطق تجاوز قدرات النص واثبات التناقضات الكثيرة
الموجودة فيه، إذا ما أخذت
بمعناها اللغوي فقط لا بمستويات الخطاب فيه.
الفلسفة العقلانية
وفهم الشريعة في منهج ابن رشد
د. توفيق شومر
يتميز الفيلسوف العربي أبن رشد في أنه جاء في زمن سيطرت فيه بعض النزعات المعادية
للفكر والفلسفة، وأراد لذلك أن يبرأ الفلسفة من تهمة الزندقة وتهم الغزالي بأنها
نوع من التهافت الذي يدخل الإنسان بالشرك. ولكن أبن رشد يبرر الفلسفة ويدافع عنها
منطلقاً من أرضية مختلفة عن الأرضية التقليدية للفلسفة.
فهو يريد أن يستخدم الشرع لبرهان أهمية الفلسفة. لذلك فإننا نراه في كتابه الشهير
"فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من اتصال" - تحقيق محمد عابد الجابري - يبدأ
بالقول: "إن الغرض من هذا القول أن نفحص، على جهة النظر الشرعي، هل النظر في
الفلسفة وعلوم المنطق مباح بالشرع". وبالتالي فهو يسهب بدراسة ضرورة النظر العقلاني
كوسيلة لدراسة الظواهر (الموجودات)، فالفعل الفلسفي "ليس أكثر من النظر في
الموجودات واعتبارها".
ويؤكد أبن رشد ضرورة عدم النظر إلى الفلسفة كبدعة، فهو يقول بـأن كون أوائل
المؤمنين لم ينظروا في موجودات الكون من منظور فلسفي لا يجعل الفلسفة بدعة، فيؤكد
أبن رشد أن القياس في الفقه لم يكن من علوم الأوائل أيضاً فهل جعل هذا من الفقه
بدعة؟ بالتأكيد لا. ولذلك فهو يقول أن النظر في أمور الشريعة بمنظور فلسفي يجعل ممن
ينظر في هذه الأمور أكثر قدرة على إدراك المقاصد، ما ظهر منها وما لم يظهر في النص
بصراحة. وهو يعتبر أن من الواجب لمن يريد أن يدرس النصوص الشرعية أن يكون متمكناً
من علوم المنطق، فالمنطق هو البرهان العقلي المبني على القياس المحكم للقضايا.
"فإذا كان الشرع قد حث على معرفة الله وسائر موجوداته بالبرهان، كان من الأفضل، أو
من الضروري، لمن أراد أن يعلم الله تعالى وسائر الموجودات بالبرهان أن يتقدم أولاً
فيعلم أنواع البراهين وشروطها".
وهو يؤكد ضرورة فحص المسائل والتحقق منها والاعتماد على العلوم المختلفة في أدراك
المقاصد. ويعطي في ذلك مثال مهم، فيقول أنه لو لم يكن هناك علم الهيئة والأجرام
السماوية فهل كان بمقدور أي إنسان عاقل أن يعرف بأن الشمس أكبر بأضعاف مضاعفة من
الأرض؟ ويؤكد بأن ذلك غير ممكن من دون هذه العلوم باستثناء المعرفة المتحصلة من
الوحي. أما غير ذلك فهو بحاجة للبرهان للوصول إليه. ولو أن ما يعرفه العلماء قيل
لعامة غير عارفة بأصول علم الأجرام لقالوا بأنها ضرب من الجنون.
وفي هذا ينزع أبن رشد للقول أن الخطاب الموجه لاستقطاب العامة لا يمكنه أن يستخدم
علوم غريبة عن العامة، ولكن عدم استخدام العلوم لا يجعل منها علوم خاطئة أو غير
ضرورية. فهي من جهة المتعلم لها علوم يقينية مبنية على البرهان والنظر.
لكن من يريد أن يعرف مقاصد الشريعة فعليه أن يعرف علوم العصر، وما أحوجنا اليوم
لهذا النوع من التفكير. فعلوم اليوم تعادل ملايين أضعاف علوم الأوائل. ولكي يستطيع
المرء الوصول إلى مقاصد الشرع فلا بد له أن يدرس هذه العلوم بتمعن لكي يتمكن من
استخدامها في معرفة مقاصد الشرع، فإن من "نهى عن النظر فيها" "فقد صد الناس عن
الباب الذي دعا الشرع منه الناس إلى معرفة الله، وهو باب النظر المؤدي إلى معرفته
حق المعرفة. وذلك غاية الجهل والبعد عن الله تعالى".
وينتقل أبن رشد للحديث عن المفصل في العلاقة بين الفلسفة والشريعة: التأويل.
فيقول بأنه إذا ما وصلنا من خلال العلم إلى معرفة بظاهرة ما (موجود ما)، وكان الشرع
قد خلا من ذكر لهذه الظاهرة فهذا لا يعني تعارض بين العلم والشرع فهو "بمنزلة ما
سكت عنه من الأحكام فاستنبطها الفقيه بالقياس الشرعي". وبذلك فيكون التأويل كما
يعرّفه أبن رشد "أخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية".
ويؤكد أبن رشد بأن الفقهاء يفعلون ذلك باستخدام القياس الظني لكنه يقول بأن الأحرى
أن يقوم بذلك صاحب علم البرهان (الفيلسوف) والذي يملك قياس يقيني لا قياس ظني فقط.
ويؤكد أبن رشد بأنه من الصعوبة أن يتفق علماء عصر ما على تفسير واحد لمسألة من
مسائل الشرع، إلا إذا كان الشرع لا يحمل ظاهر وباطن، وإلا إذا كان ما من شيء مكتوم
في النص عن أحد. لكننا نعرف بوضوح اليوم بأن هناك الكثير من المعارف التي سكت عنها
الشرع لكونها لا تتناسب مع معرفة المتلقيين لهذا الشرع. "وأما الأشياء التي لخفائها
لا تعلم إلا بالبرهان فقد تلطف الله فيها لعباده الذين لا سبيل لهم إلى البرهان،
إما من قبل فطرهم وإما من قبل عادتهم وإما من قبل عدمهم أسباب التعلم، بأن ضرب لهم
أمثالها وأشباهها ودعاهم إلى التصديق بتلك الأمثال."
ولذلك فأن الاستنتاج الأساسي الذي يصل إليه أبن رشد من هذا التفكير العقلاني بالشريعة واتصالها بالفلسفة إلى القول بأن مهمة النظر الشرعي الأساسية هي الخروج من بوتقة الفهم الضيق للنص الشرعي للوصول بالبرهان والفهم الفلسفي للنص الشرعي إلى خفايا وخبايا هذا النص مما لم يعلن عنه لأسباب تتعلق بالعادات والتقاليد التي سادت يوماً، أو لكونها كانت معارف غير متحصلة لدى المتلقي للنص الشرعي، فكان من الضروري للنص الشرعي أن يستخدم الأمثال والصور التي لا تعبر لفظاً وحقيقة عن ما يريده النص الشرعي ولكنها إنما هذه دلالات على المعنى المجازي المراد من النص الشرعي. فالمسكوت عنه يمكن الوصول إليه من خلال النظر العقلاني العميق للنصوص الشرعية.
أخيرا إن ما بدأه أبن رشد طريق طويل في العقلانية، وما المشروع المهم الذي بدأه
بكتابه فصل المقال إلا الحلقة الأولى نحو اعتبار النظرة الفلسفية والعقلانية الرديف
الأساسي والمهم لفهم الشريعة والوصول إلى المقاصد، وكان حلم أبن رشد أن يتفرغ
لإتمام مشروعه فيقول في الفقرة الأخيرة من كتابه "وبودنا لو تفرغنا لهذا المقصد
وقدرنا عليه، وإن أنسأ الله في العمر فسنثبت فيه قدر ما تيسر لنا منه." لكن المشروع
ما زال قائماً إلى اليوم ولم ينجز بعد كل هذه القرون.