(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
"أبوكاليبتو" Apocalypto وتفوق الحضارة الغربية
سقطة شاطر للمخرج والممثل مِل جيبسون
د. إبراهيم علوش
[أحياناً تنساب رسالة العمل الدرامي من الخلفية وحدها، لا من الحبكة أو الحوار أو علاقات الشخصيات أو تسلسل الأحداث، ففي ثلاثية أفلام "ملك الخواتم" المشهورة Lord of the Rings كانت قوى الشر العالمي تتمثل بدول الشرق والجنوب، أما قوى الخير العالمي فتتمثل جغرافياً بممالك الشمال والغرب، فيما يشبه حلف الناتو مثلاً. أما قوات جيش الشر فكانت تتألف من أشخاص سمر البشرة خشني الشعر يصرخون بأصوات غير مفهومة، أما قوات جيش الخير فكانت تتألف من أشخاص بيض وشقر زائد الجن الخير الأبيض زائد أقزام متحضرين من العرق الأبيض. وفي ثلاثية أفلام "المصفوفة" ماتركس Matrix، كانت "القلعة الأخيرة" للبشرية، الواقفة في وجه آلات لا تعرف إلا القتل والدمار، تسمى "صهيون"... وهنا يصبح نصر بطل الفيلم هو نصر السياق، أي نصر الشمال والغرب على الجنوب والشرق وبقاء "صهيون" في وجه القوى الساعية لتدميرها، مع أن كل ما سبق لا يقلل من روعة الأفلام المذكورة التي تزيد من رسالتها السياسية خطورة].
فيلم أبوكاليبتو Apocalypto يستقي اسمه من كلمة نبوءة أو رؤية Apocalypse، وهي نبوءة رؤيوية توحي بنهاية الأشياء، دمار إنسان أو مرحلة أو حضارة مثلاً، وبالتالي توحي بولادة أشياء جديدة بعدها، أو بالعدم.
فيلم أبوكاليبتو يتناول مرحلة أفول حضارة المايا في أمريكا اللاتينية، ويستخدم في الحوار لغة حضارة المايا المنقرضة في خليج يوكوتان المكسيكي، وينسج على هذه الخلفية الغريبة قصة أكشن ومطاردة لا تخلو من الرسائل السياسية المعاصرة.
الممثل مِل جيبسون ليس غريباً عن مزج الموضوعات الخلافية والرسائل السياسية وأفلام الأكشن في فيلم واحد، كما فعل مثلاً في الفيلم الرائع "القلب الشجاع" Braveheart عن كفاح الأسكتلنديين للتحرر من الاحتلال البريطاني، وفي فيلم "شغف المسيح" The Passion of Christ الذي استخدم اللغة الآرامية القديمة، والذي أثار حفيظة اللوبي اليهودي وفاقم من حقده على جيبسون الممثل والمخرج المالك جيداً لفنه والمعروف بعدائه لليهود واصطفافه مع القضية العربية.
وفي فيلم أبوكاليبتو ثمة عناية فائقة بالتفاصيل التاريخية والحضارية واللغوية، وقد درس مِل جيبسون هذه الحضارة وعاداتها وتقاليدها وتاريخها، واستعان بخبراء وأساتذة مختصين في تصميم ثيابها وأسلحتها وزينتها، ناهيك عن عشرات الناس الذين لا يعرفون التحدث إلا بلغة المايا، ولم يبتعد عن حذافير الدقة التاريخية - حيث ابتعد عنها - إلا للضرورات الدرامية... أو السياسية.
يقيم جيبسون في فيلم أكاليبتو في النهاية صرحاً سينمائياً يقارب حضارة المايا المنقرضة إلى درجة تسرق المشاهد فوراً من واقعه، لتأخذه إلى عالمٍ أخر، وتدخله في فيلم أكشن ذي بعد عائلي في نفس الوقت، لتوظف كل ذلك في شحن ذهنه برسالة سياسية، ليست يهودية أو إمبريالية صارخة الطابع هذه المرة، كما جرت العادة في هوليود، بل برسالة نقدية للحضارة الغربية وممارساتها، ولكن على أرضية تكريس تفوقها المطلق إزاء حضارة المايا المنقرضة، التي تصوَر هنا كحضارة همجية وحشية متأخرة يصبح حلول المستعمرين البيض محلها مطلباً للمشاهد تقريباً، هي في نفس الوقت حضارة عالم ثالث وثنية غير بيضاء كان قد حان تاريخياً وقت أفولها.
مِل جيبسون شخص رائع وممثل قدير ومخرج فذ، وهو لم يخيب الظن في فيلم أبوكاليبتو أبداً. فالفيلم يحبس الأنفاس وجدير بالمشاهدة فعلاً، وقد بلغت موازنته أربعين مليون دولار وحقق عائداً بلغ أكثر من مئة وعشرين مليون دولار، منذ إطلاقه في 8/12/2006، ولا يزال الفيلم من الأفلام الرائجة عالمياً على الفيديو، لكن سياق الفيلم ينضح بالعنصرية بصراحة. والسياق هو المكان الذي تبرز فيه الرسالة أحياناً، كما أشرنا أعلاه من خلال مثالي "ملك الخواتم" و"ماتريكس".
فقصة ابوكاليبتو تدور أحداثها حول عمليات غزو منظمة تقوم بها دولة المايا المركزية للحصول على عبيد وسبايا تاركةً خلفها الحريق والدمار في القرى التي تصلها. وعلى هرم مدرج في عاصمة المايا يقوم الكاهن الأعظم بالتضحية بالأسرى الذكور جماعياً من أجل إله الشمس "كوكلكان" بقطع رؤوسهم بعد اقتلاع القلب النابض لكل منهم من الصدور. ولا نريد إفساد الفيلم على من لم يشاهده، لكن بطل الفيلم في طريق هربه يمر بحقلٍ كاملٍ أو حفرة من الجثث المتعفنة، ويتعرض لمطاردة ضارية عبر الأدغال ينتهي فيها على الشاطئ ليرى الحملة الرابعة لكريستوفر كولومبوس عام 1502 وقد حط رجالها البيض الأوروبيون على الشاطئ تتقدمهم الصلبان العالية، وينقذ هذا المشهد المحير البطل من مطارديه الذين يذهلهم ما يرونه فينشغلون عنه فيهرب وينقذ عائلته.
هذه اللقطة الأخيرة، في الدقائق الخمسة الأخيرة من الفيلم، عن الرجل الأبيض المؤمن الذي ينقذ البطل دون أن يحتك معه، والذي يحل محل الحضارة الأصلية الدموية الوحشية المتخلفة والبدائية للمايا، تعكس في الواقع نزوعاً عنصرياً عن المخرج والمنتج جيبسون، الذي لم يمثل أي دور في فيلمه أبوكاليبتو، كما أنها تعكس فعلياً تبريراً للاستعمار وللقضاء على المايا من قبل الإسبان والبرتغاليين ولعمليات تنصيرهم دموياً.
فالرجل الأبيض كمنقذ، تاريخي ودرامي، وكرسالة حضارية، كان البداية الجديدة التي تحل محل السكان الأصليين البدائيين في ثيابهم وعاداتهم وعلاقاتهم، وهو ما يهمل كل الإنجازات الحضارية للمايا، في العلم والفن والعمارة، الذين لم يسجل عليهم أنهم مارسوا طقوس الأضاحي البشرية كما فعلت حضارة الأستيك الأكثر تأخراً منهم، فهنا عدم الدقة التاريخية ليس منبعها درامي، بل سياسي محض، وهي نقطة خلافية بين المؤرخين بجميع الأحوال، لكن مغزاها السياسي في سياق فتح القارة الأمريكية من قبل الأوروبيين لا يمكن أن يغيب عن جيبسون: تصوير المايا كمستخدمي أضاحي بشرية في طقوسهم الوثنية يجعل المستعمرين البيض مخلصين بالضرورة...!
طبعاً الوجه الأخر للقصة الذي يفضل أن يؤكد عليه جيبسون وشريكه في كتابة النص والإنتاج فرهد صافينا، أن حضارة المايا انقرضت لأنها كانت تشبه حضارة الغرب الحديثة في نزعتها الاستهلاكية وفي فساد نخبها السياسية وفي قضائها على الموارد الطبيعية وفي استعبادها الإنسان. وهذه الرسالة شبه واضحة لمن يبدأ بالمقارنة ما بين سلوكيات دولة المايآ الآفلة وما بين الغرب المعاصر. ومن هنا فإن النبوءة بالدمار في أبوكاليبتو ليست لحضارة المايا فحسب، بل لحضارة الغرب المعاصرة. فاستهلاك الغابات على نطاق واسع لإنتاج نوع محدد من الجبس يمكن استخدامه في طلي المنازل والمعابد أدى لدمار بيئي يعتبره بعض المؤرخين وعلماء الإنسان مسؤولاً عن انهيار حضارة المايا، وكذلك استنزاف الحضارة الصناعية للموارد الطبيعية للكوكب واستهلاك الإنسان للإنسان، كل نظام يقوم على استغلال الإنسان للإنسان. لكن قضايا البيئة وحقوق الإنسان ليست من مواضيع جيبسون التقليدية، التي يميل إليها الليبراليون عادةً في هوليود، كما أن جيبسون أميل عادة لتناول القضايا السياسية من منظور حضاري أو ديني أو جماعي، لا فردي كما يفعل الليبراليون...
وقد احتج عدد من النشطاء السياسيين في غواتيمالا على طريقة تصوير المايا كشعب همجي منحط، وكتبت البرفسورة الأمريكية تريسي أردن، أستاذة علم الإنسان في جامعة فلوريدا تعليقاً على أبوكاليبتو بأن القادمين الإسبان في الدقائق الخمسة الأخيرة من الفيلم كانوا إرساليات تبشيرية وبأن الفيلم كان يحتوي على "رسالة استعمارية فاقعة بأن المايا كانوا يحتاجون للخلاص الديني لأنهم كانوا فاسدين في جوهرهم..."، وتضيف أردن بأن "فيلم جيبسون يعيد تمثل الفكرة العنصرية والمهينة، بفيلم ذي موازنة ضخمة وإمكانيات تقنية عالية، بأن شعب المايا كانوا متوحشين مع بعضهم البعض قبل مجيء الأوروبيين بزمن طويل، وكانوا لذلك يستحقون، لا بل يحتاجون، الإنقاذ. هذه الفكرة نفسها استخدمت على مدى خمسمئة عام لتبرير إخضاع المايا".
(نشرت مقالة تريسي أردن على موقع علم الآثار الأمريكي في 5/12/2006).