(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


فيلم "معركة حديثة":

 محاولة بريطانية لتقليد أفلام هوليود الحربية بنكهة إنسانية مفتعلة

 

د. إبراهيم علوش

 

نظرياً، يفترض بالبعد الإنساني أن يكون أوسع من البعد الوطني أو القومي.  ولكن عندما يصبح البعد الإنساني مدخلاً "لأنسنة الغزاة"، في العراق أو في فلسطين، فإن الشعور الإنساني المحض، المنفصل عن السياسة، يصير مدخلاً إستشراقياً متغطرساً لاختزال القضايا العربية  لشكلٍ من أشكال التبشير والسطحية الإنسانوية في أحسن الأحوال، أو لشكلٍ من التضليل السياسي القائم على الخلط بين الجلاد والضحية في أسوأها.

 

فيلم "معركة حديثة" The Battle of Haditha لمخرجه البريطاني نيكولاس بروومفيلد تم عرضه في مركز الحسين الثقافي في رأس العين في عمان ليلة السبت الموافق في 15/12/2007.  وحتى ذلك التاريخ، لم يكن الفيلم قد أطلق رسمياً بعد في أمريكا الشمالية وأوروبا، مع عدا إسبانيا التي أطلق فيها الفيلم رسمياً في 14/12/2007 كما تقول مواقعُ على النت، ولن يطلق الفيلم رسمياً في فرنسا وبريطانيا حتى شهر شباط/فبراير 2008.  وقد سبق عرض الفيلم في مهرجانات للأفلام السينمائية في تورنتو في كندا وسان سباستيان في اسبانيا، حيث نال جائزة "الصدفة الفضية"، وفي مهرجان لندن للأفلام السينمائية.   

 

أما سبب عرض الفيلم (بنسخة غير مترجمة للعربية) في مركز الحسين الثقافي في 15/12/2007، قبل إطلاقه رسمياً في دور العرض عالمياً، فهو أن الفيلم قد تم تصويره في جرش في الأردن، ولذلك كان مخرج الفيلم نك بروومفيلد، وعددٌ من ممثليه، موجودين في مركز الحسين الثقافي حيث قدم العرض بكلمة منه، شكر فيها الأردن.

 

المخرج نِك بروومفيلد اكتسب شهرة عظيمة كمخرج للأفلام الوثائقية، وهو صاحب مدرسة في هذا المضمار، تدرس في كليات ومدارس السينما، وقد تأثر بها بعض أشهر مخرجي الأفلام الوثائقية في العالم مثل مايكل مور ولويس ثيرو ومورغان سبيرلوك.  وتقوم هذه المدرسة على رفض التعامل مع الفيلم الوثائقي كانعكاس جامد للواقع، وضرورة جعله معبراً عن وجهة نظر مخرجه، باعتبار رؤية الواقع مسألة تخضع لوجهات النظر.  أما من ناحية المبنى، فإن نِك برومفيلد أدخل إلى الفيلم الوثائقي فكرة إظهار هيكله للجمهور، ومنه المقابلات الفاشلة أو الطرق المسدودة، أو حتى وجه وحركة المخرج والمصور، وهو النهج الذي نجده في أفلام مايكل مور مثلاً.

 

ولكن فيلم "معركة حديثة" ليس فيلماً وثائقياً.  بل هو الفيلم الثاني غير الوثائقي لنِك برومفيلد بعد فيلم "أشباح".  ولا يوجد لفيلم معركة حديثة نص مكتوب، بل مخطط عام للمشاهد فحسب.  وبإبقاء المشاهد مفتوحة على الاحتمالات الواقعية هكذا، يسعى فيلم "معركة حديثة" لبناء حبكة درامية حول قصة مجزرة قوات المارينز بالمدنيين العراقيين في حديثة يوم 19/11/2005 .  وقد جاءت على خلفية مقتل عنصر من المارينز، وجرح اثنين، بمتفجرة مزقت عربتهم، مما دفع زملاؤهم لاقتحام البيوت المجاورة وذبح أربعاً وعشرين عراقياً مدنياً بريئاً بينهم عدد من النساء والأطفال قتلوا في غرف منازلهم...  وبعد انفضاح أمر المجزرة بعد أشهر طويلة من وقوعها، اضطرت القوات الأمريكية لاتهام أربعة من قوات المارينز بارتكابها.  ومع أن تلك المحاكمات ما زالت جارية حتى تاريخ كتابة هذه السطور، فإن  أخطر التهم، أي تهم القتل المتعمد، قد أسقطت عن المتهمين بالمجمل.

 

وقد نقل نِك برومفيلد القادم من تقليد الأفلام الوثائقية بعضاً من خبرته من ذلك الحقل إلى فيلمه  الدرامي، حتى يكاد يوحي بأنه يقدم فيلماً وثائقياً أخر، وهو ما يجعل نسبة الكلام أكثر، ونسبة المشاهد القتالية أقل، مما تجده في فيلم هوليودي حربي عادي.  وقد استخدم لهذا الغرض ممثلين غير معروفين تقريباً، وبعض المواطنين العراقيين النازحين من حديثة إلى الأردن، وأعطى دور البطولة لعدد من جنود المارينز الحقيقيين ممن سبق أن قاتلوا في العراق، وقد كان بعضهم حاضراً في مركز الحسين الثقافي، وهو ما يضفي لمسة واقعية أكثر منها درامية على ذلك الفيلم الدرامي بالأساس، ويملاً مشاهده بفوضى الواقع وتدفقه التلقائي.

 

أما رسالة الفيلم، الإنسانية الجوهر، الساذجة سياسياً، المشبوهة إن شئنا تغييب حسن النوايا، فتقوم على البث على ثلاث موجات في آنٍ معاً.  فالفيلم يُطرح من ثلاث وجهات نظر: 1) وجهة نظر المارينز في العراق، 2) وجهة نظر المدنيين العراقيين في حديثة، 3) وجهة نظر المجاهدين أو "الإرهابيين".  وفي كل حالة من هذه الحالات، يحاول نِك برومفيلد أن يظهر وكأنه يقدم المشهد من خلال خطاب الطرف المعني نفسه.

 

فالمارينز في العراق مجرد ضحايا، وهذه أخطر رسالة في الفيلم، ولكنها تنسجم تماماً مع توجه اليسار الليبرالي الذي يرفع، في الولايات المتحدة بالأخص، شعاراً سياسياً ملتبساً إزاء غزو العراق هو: "معارضة الحرب ودعم القوات المسلحة"!

 

والحقيقة أن نِك برومفيلد يقترب أكثر ما يكون ل"معاناة المارينز"، ضحايا السياسيين والقرار السياسي حسب رايه، المستهدفين في كل وقت، والمعرضين للتخلي عنهم إذا تقاعدوا نتيجة إصابة قتالية ليلقى إليهم بالفتات... لهذا يفقدون أعصابهم، وينتهي بهم الأمر لارتكاب مجزرة، ولكننا يجب أن نتفهم لأنهم يشعرون ببعض الذنب بعدها، ولأنهم يصابون بعقد نفسية بسبب وجودهم المطول في ساحة القتال... وهم يبكون أحياناً!! إنهم ضحايا إذن، لا جلادون! ولعل أسخف مشهد في الفيلم هو المشهد الأخير الذي يمسك فيه قائد فصيل المارينز الذي ارتكب المجزرة بيد طفلة عراقية ويسير بها نحو الضوء، إلى خارج المنزل المعتم، بعد أن قام وزملاؤه بذبح كل عائلتها!

 

ولا يجوز أن نقبل تمرير مثل هذه الرسائل تحت عنوان أن المخرج وضع الفيلم لجمهور غربي... فالفيلم يتناول قضية عربية، وبالتالي يجب أن يقاس بمقياس القضايا العربية بالأساس.  والجمهور الغربي هو الذي يجب أن يتفهم لا نحن! 

 

وليكن واضحاً أن هذا لم يعفِ نِك برومفيلد من النقد في الغرب.  فهناك موقع كامل على الإنترنت لنقد الفيلم يحتوي رسائل من جنود أمريكيين حاليين وسابقين في العراق لم تعجبهم الحبكة الدرامية للفيلم التي "تفترض"، حسب الموقع، أن المارينز ارتكبوا مجزرة حديثة.  فالحبكة برأيهم كان يجب أن تدور حول ما إذا كانوا قد ارتكبوها أم لا، خاصة أن المحاكم العسكرية، المعروفة باسم "البند 32"، ما زالت لا تجدهم مذنبين بتهمة القتل العمد!

 

مواطنو حديثة: ضحايا للمجاهدين الذين يهددونهم بالقتل إذا لم يتعاونوا، وضحايا للمارينز الذين يرتكبون فيهم المجازر والانتهاكات.  وفي بداية الفيلم نرى في الشارع جثة أستاذ لغة إنكليزية يقول المقاوم الرئيسي في الفيلم أن القاعدة قتلته، بدون إبداء الأسباب، مما يوحي أنه قتل لأنه يعرف اللغة الإنكليزية فحسب.. والمواطنون العراقيون في الفيلم يتعاونون مع المجاهدين بدافع الخوف فحسب، لا بدافع الوطنية أو الدين أو الرغبة بمقاومة الاحتلال مثلاً.  والمواطنون العراقيون الذين يتعرضون للمداهمات والاعتقال والقتل العشوائي في الشارع من قبل المارينز يصورون كضحايا لفكر المجاهدين الذي تمثله القاعدة أو الشيخ الذي يحتكم له مواطنو حديثة.  فهم ضحايا طرح سياسي أو ديني، لا ضحايا بالمعنى الحرفي للكلمة فحسب.   وبعد المجزرة تشاهد النساء الجالسات في العزاء وهن يرفعن الصوت للدول العربية والأوروبية لكي تجد حلاً لمشكلة العراق!  أما الشباب فوقعوا ضحية لطرح الشيخ بضرورة المقاومة والانتقام... وهنا لا بد من الاعتراف، من وجهة نظر الجمهور الغربي، أن المقاومة العراقية تصور كرد فعل على أخطاء المارينز، وهو ما يمثل مطلباً ضمنياً بتفهمها، ولكن المقاومة ليست نتيجة أخطاء أو تجاوزات، ويخطئ من يضعها هكذا، بل هي حق وواجب بمجرد وجود الاحتلال، حتى لو لم يرتكب تجاوزاً واحداً.

 

المجاهدون: نوعان، النوع الأول يتمثل بالمقاوم الأساسي في الفيلم، الضابط العراقي السابق أحمد، الذي يزرع القنبلة التي تدمر آلية المارينز، مع شاب عراقي بسيط نجح باستقطابه للمقاومة من شدة هوسه بالأفلام الحربية التي يبيعها ويؤجرها.  وأحمد يصور كجندي سابق على أبواب الشيخوخة، يشرب الكحول، ويتلقى خمسمئة دولار مقابل زرع القنبلة، ويعلن أنه قرر المقاومة فقط بعد قرار الاحتلال حل الجيش العراقي، ثم يعلن ندمه على زرع القنبلة بطريق المارينز بعدما رأي كيف أدت إلى حدوث مجزرة بالمدنيين...  وهو أيضاً من يعرفنا بالنوع الثاني من المجاهدين "الذين قتلوا أستاذ اللغة الإنكليزية".  وهؤلاء المجاهدين يعطونه خمسمئة دولار لزرع القنبلة، "كأجر دنيوي.. غير أجر الآخرة"، ثم يهددونه إذا شرب! وهنا يصبح المقاومون العقائديون الوجه الأخر، العراقي، المقابل للسياسيين الغربيين متخذي قرار الحرب.  وكلاهما يقاتل بأجساد الآخرين بسبب أجندة خاصة به.  ويصبح شيخ حديثة (الصديق نبيل كوني) شخصية خبيثة تقف متفرجة على المجزرة وتحرض فقط على تصويرها لكي يتم استغلالها إعلامياً.  فإذا كان هناك من رسالة في الفيلم، فهي تبرئة المارينز في العراق والمقاومين غير العقائديين، وإظهار الناس كنعاج تنتظر الذبح، لا إرادة لها، وإدانة كبار السياسيين في الغرب والعقائديين في الشرق.  وهي رسالة ليبرالية في النهاية... وتنم عن قلة استيعاب لطبيعة المعركة الجارية على أرض العراق بين المقاومة والاحتلال.

 

وأنى لمن لا يفهم بلادنا ولغتها أن يدرك طبيعة الصراع فيها.  وقد حاولت لفت نظر المخرج لهذا الأمر بملاحظة عابرة بعد انتهاء الفيلم: سيد برومفيلد، في المشهد الذي تظهر فيه قافلة المارينز تدخل إلى حديثة (جرش)، نسيت أن تزيل من الشريط السينمائي لافتة ظهرت خلفهم بسرعة لمؤسسة حكومية أردنية وقد كُتب عليها بالعربية "المملكة الأردنية الهاشمية"!

 

!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!! (علامات التعجب من المخرج)!