(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
فيلم "زوهان" Zohan:
تسطيح الصراع العربي-الصهيوني بالطموحات الفردية
حل الصراع يكمن بإقامة "مول" تجاري مشترك
د. إبراهيم علوش
تاريخ إطلاق الفيلم في صالات العرض في أمريكا الشمالية قد يكون صدفة: 6 حزيران 2008، ولكن تناول طبيعة الصراع في فلسطين في الفيلم لم يأتِ صدفةً على الإطلاق، لأن الفيلم الذي يفترض أن يكون فكاهياً جعل موضوعه الرئيسي قصة عميل في القوات الخاصة "الإسرائيلية" اسمه "زوهان دفير"، ومهنته اصطياد "الإرهابيين" العرب في فلسطين العربية المحتلة، وهي مهنة يبرع فيها "زوهان" بشكل يفوق التصور، فيبعث على الضحك، تماماً كما يضحك المرء لو رأى مثلاً فيلاً بأكمله يقف على خرطومه، فالفكاهة هنا تنبع من كسر قوانين المنطق بقوة الكفاءة اليهودية! أما "الإرهابيون" العرب، وعلى رأسهم "الشبح"، فيثيرون الضحك في الفيلم عندما يكسرون قوانين المنطق من شدة عدم كفاءتهم وغبائهم... والضحك يثيره الإخراج السينمائي تحت الطلب بمقدار ما ينجح بمفاجأة المشاهد بمواقف تنم عن كسر قوانين المنطق بأحد الاتجاهين.
ومع أن سوية الفكاهة في الفيلم إجمالاً متدنية، وتتسم بالسخافة في المواقف عامة وبالسوقية في الألفاظ، على نفس نمط سوقية الإشارات الجنسية في فيلم بورات الفكاهي أيضاً، وهو ما يفترض أن يعبر عن "الحس الفكاهي" عند يهود أوروبا الشرقية كما تصوره هوليود، فإن الرداءة تصل إلى حدودها القصوى، حتى تقارب العنصرية، عندما يتعلق الأمر بالعرب.
مثلاً، يتعرف سائق تكسي فلسطيني اسمه سليم على "زوهان" في نيويورك، ويقرر اغتياله بنفسه لأن "زوهان سرق عنزتي" (اقرأ: أرضي وبيتي!)، ولكن أيضاً لأن سليم يريد أن يحصل بنفسه على شرف تصفية "زوهان" بدلاً من أن يأخذه منه أمثال "الشبح"، فيقرر مع أصدقائه أن يصنعوا متفجرة يقتلون بها "زوهان"، وبما أنهم يحتاجون لمادة النيتروغليسرين لتصنيع المتفجرة، فإنهم يذهبون إلى صيدلية أمريكية ويطلبون كمية من مادة النيتروغليسرين ببساطة!!!
ولكن الصيدلاني لا يستطيع أن يفهم ما يقولونه، ويعطيهم بدلاً من النيتروغليسرين مرهماً يحتوي مضاداً حيوياً اسمه نيوسبورين Neosporin (اسم دواء حقيقي كانت تصنعه شركة فايزر الأمريكية، ثم باعته لشركة جونسون أند جونسون). وطبعاً، عندما يحاول الفلسطينيون الثلاثة أن يصنعوا المتفجرة التي ينوون قتل "زوهان" بها بدواء النيوسبورين، المحتوي على مضاد حيوي بدلاً من النيتروغليسرين، فإن ما يحصلون عليه من جراء جهودهم هو عجينة تنزلق بخرقٍ على زجاج المحل التجاري الذي يوجد خلفه "زوهان"، وهو محل تملكه شابة فلسطينية اسمها داليا... (فالفلسطينيون يحاولون ويفشلون أن يمارسوا حتى العنف العشوائي هنا، على عكس الضربات الجراحية المحسوبة للكوماندوس "الإسرائيلي"!)..
وهذا المشهد بالذات يبعث على الغثيان، لا الضحك، ولكن النكتة عنصرية بالأساس، ليس بسبب عدم كفاءة العرب، مع أن الفيلم يرسل هذه الرسالة أيضاً، ولكن لأن أي قارئ عاش في الولايات المتحدة فترة يعرف جيداً كيف يتهكم العنصريون على طريقة لفظ الأجانب، خاصة العرب، للغة الإنكليزية، وهو السبب الذي أدى لحصول سوء الفهم ما بين النيتروغليسرين والنيوسبورين...
الآن يقرر سليم وأصدقاؤه بعد فشلهم أن من الأفضل لهم أن يتصلوا بالشبح ليقوم هو بالقضاء على "زوهان"، ويتم الاتصال به من خلال "الخط الساخن" (خط الهاتف المجاني) لحزب الله. وعلى الهاتف يبدأ التفاوض و"المفاصلة" فيطلب سليم من "الشبح"، مقابل معلومات عن مكان "زوهان"، أن يعطيه بعضاً من زوجاته، وحصة من عائدات سلسلة مطاعم الوجبة السريعة القائمة على شهرة "الشبح" كفدائي فلسطيني متميز اعتقد الجميع أنه سبق أن قضى على "زوهان"... أما العمال في مطاعم الوجبة السريعة التي يملكها "الشبح" فيلبسون الكوفية، أو "الحطة"، تحت قبعة البيسبول.
لكن قصة الفيلم ورسالته الأساسية تتجاوز هذه السخافات التي تمثل رسائل ثانوية فحسب، تنتظم في معظمها في قالب تكريس فكرة "التفوق اليهودي" على "الرداءة العربية".
أما الرسالة الأساسية للفيلم فهي تسخيف الصراع، "الذي يسببه المتطرفون على الجهتين"، والتركيز على تحقيق الذات الفردية على الطريقة الأمريكية، فبكل ما تحمله من شحنة استهلاكية ومن انفكاك عن القضية العامة والجذور القومية والحضارية حيث يناسب ذلك الطرف الأمريكي-الصهيوني.
فالبطل الرئيسي "زوهان" في الفيلم تعب من قتل "الإرهابيين"، بالرغم من تفوقه الأسطوري في هذا المضمار، أما طموحه الحقيقي فهو أن يصبح.. مصففاً للشعر. نعم! ولذلك عندما يُستدعى من إجازته على شاطئ تل الربيع (تل أبيب) فجأة ليكلف بمهمة إعادة إلقاء القبض على "الشبح"، الذي سبق أن أفرج عنه اليهود بصفقة تبادل، فإنه يقرر أن يزيف موته ليقنع "زوهان" العالم أن "الشبح" قضى عليه، ليهرب إلى نيويورك ليصبح مصففاً للشعر هناك. وهكذا يفعل فعلاً!
المهم أن "البطل" يترك القتال ليحقق ذاته الفردية في نيويورك. ويبدو أن قصة الفيلم، حسب "بنك معلومات الأفلام" على الإنترنت، بنيت على تجربة مصفف شعر "إسرائيلي" حقيقي اسمه "نزي ربيب" يعيش في منطقة سان دييغو في كاليفورنيا، سبق أن خدم في الجيش "الإسرائيلي"، وقد ذهب إليه الممثل أدم ساندلر الذي يلعب دور "زوهان" ليتعلم منه تصفيف الشعر وبعض عادات وصفات المجندين السابقين في القوات الصهيونية..
بالمناسبة، الممثل أدم ساندلر ("زوهان") يهودي من نيويورك، وقد أسهم بكتابة نص الفيلم، كما قامت شركته الخاصة بإنتاج فيلم "زوهان". وساندلر مشهور بدعم "إسرائيل" كما تقول عدة مواقع على النت، وقد استقطب عدداً من الممثلين "الإسرائيليين" لفيلمه، وعندما يعرب "زوهان" لأهله في الفيلم عن رغبته بترك القوات الخاصة "الإسرائيلية" ليذهب إلى نيويورك ليمارس تصفيف الشعر، فإنه يتلقى من أبيه محاضرة مكررة عن بطولاته في حرب ال67، ولذلك فإن تاريخ إطلاق الفيلم ربما لم يكن صدفةً في النهاية!!
على كل حال، كلف الفيلم تسعين مليون دولار، وحقق عائدات مقدارها 120 مليون دولار في الشهر الأول فقط لإطلاقه في حوالي 3500 مسرح في أمريكا الشمالية، وقد تولت شركة كولومبيا العملاقة عملية تسويقه وتوزيعه في الولايات المتحدة الأمريكية.
المهم، يهرب "زوهان" إلى نيويورك، وهناك لا يجد عملاً كمصفف للشعر بالرغم من محاولاته إلا في صالون تصفيف شعر تملكه شابة فلسطينية اسمها داليا، لا يكشف لها "زوهان" هويته زاعماً أنه أسترالي الجنسية. في الحقيقة داليا كانت بدورها قد تركت الصراع خلفها لتحقق حلمها الفردي في نيويورك بتأسيس صالون لتصفيف الشعر...
ويكتشف "زوهان" بطريقته الفجة السخيفة أنه غرق في حب داليا، قبل أن يخبرها بحقيقته، وقبل أن يعلم أنها في الواقع أخت "الشبح"، "الإرهابي الفلسطيني" الفارغ المدعي الذي يتبين أن اسمه الحقيقي هو "فتوش" كما تناديه داليا...
ويأتي ذلك التحول في الاسم لتحويل "الشبح" إلى شخص قريب للقلب، قبل "أمركته"، أي قبل أن نعرف بقليل أن طموحه الحقيقي في الحياة هو "الأحذية" التي يعرفها جيداً ويعشقها، فالجميع هنا يمكن أن يصبحوا أصدقاء، وحتى "حبايب"، إذا ركزوا على طموحاتهم الفردية، مهما بدت صغيرة أو غير مهمة، وعلى التجارة، وتركوا "الكراهية" و"العنف" و"التعصب" المفروضة عليهم من المتطرفين العقائديين...
ولتحقيق ذلك لا بد من عدو مشترك للطرفين.. وعلى نمط اللوبي اليهودي في الحزب الديموقراطي الذي يهيمن تاريخياً على هوليود، يصبح ذلك العدو بالضرورة هو تحالف كبار الأثرياء البيض المتحالفين مع العنصريين البيض الذي يكرهون العرب واليهود في آنٍ معاً، وباقي الأقليات، والذين يحاولون حرق المحال التجارية للطرفين على طرفي الشارع، العربي واليهودي، لمصلحة أثرياء البيض الذين يريدون العقار ليبنوا عليه مجمعاً تجارياً. وحتى هنا، عندما يخوض "زوهان" و"الشبح فتوش" المعركة بشكل مشترك دفاعاً عن مصالح العرب واليهود، فإن "زوهان" هو الذي يقوم بالقتال فعلياً، بينما يتلهى "فتوش" بالكلام!
أخيراً، تتحد أصوات العرب واليهود، فينتصرون على البيض العنصريين، ويؤسسون مجمعاً تجارياً يملكونه بشكل مشترك. أما "داليا" و"زوهان" فيفتحون محلاً مشتركاً لتصفيف الشعر يسمونه "دالوهان"، على وزن "دحلان".
وبالمناسبة، يقدم الفيلم الصراع العربي-الصهيوني باعتباره "نزاعاً فلسطينياً-إسرائيلياً"، فجانبي الشارع توجد فيه متاجر بعضها فلسطيني وبعضها يهودي، والعروبة ليس لها موقع من الإعراب، لولا مطالبة بعض الفلسطينيين بالأرض التي يملكها أو يعيش عليها يهود. و"زوهان" يستهل الفيلم بملاحظة يقول فيها أن أجداده لهم تراث في البلاد، فالقضية هنا هي قضية مطالب متضاربة بنفس الأرض، وحلها يكون بإقامة "مول" تجاري مشترك...
وتنتهي القصة بمباركة والدي "زوهان" لابنهما بزواجه من الفلسطينية داليا. في الواقع، ما كان أدم ساندلر ليعبث بمثل هذا الأمر المرفوض من قبل اليهود المتشددين، لولا أن شخصية داليا في الفيلم هي الممثلة إيمانويل شريقي، وهي يهودية مغربية من عائلة يهودية متزمتة. وزوجة أدم ساندلر الحقيقية، الممثلة جاكي سامنثا ساندلر، تحولت إلى اليهودية... وحتى سليم، المذكور أعلاه، الذي يحاول تفجير "زوهان" بخلطة مرهم المضاد الحيوي، هو ممثل يهودي اسمه روب شنايدر.
العار كل العار على الممثلين العرب في هذا الفيلم، وكل الأفلام التي تصور القضايا العرب بهذه الطريقة المشينة، ومنهم في فيلم "زوهان" الممثل المصري السيد بدرية، والممثل المصري الأصل العربي-الأمريكي أحمد أحمد، والممثل العربي-الأمريكي موسى قريش، والممثل غير المعروف داوود حيدمي أو هيدمي، والممثلة ميسون زايد، والممثلة كريستينا حداد، والممثل اللبناني-الفرنسي سام خالدي، وغيرهم...